أيتام الخلافة والأقليات.. من أين جاءت هذه البليّة؟

 

قبل عام تقريبا تسابقت الدول والميليشيات الفاعلة في سوريا على إعلان هزيمة تنظيم داعش، معتبرة أن سقوط عاصمة التنظيم في الرقة واستعادة الأراضي التي سيطر عليها إضعاف للتنظيم وحدّ لقدراته، لكنها في حقيقة الأمر لم تكن مؤشرا على قرب نهايته، وإنما وسيلة تمكنه من إعادة قولبة وجوده بأشكال أخرى أكثر تأثيرا، ومهاجمة مواقع أخرى أقل قدرة على حماية ذاتها داخليا، والتي كان آخرها تنفيذ التنظيم لمجزرة وحشية راح ضحيتها أكثر من 250 شخصا في مدينة السويداء ذات الأقلية الدرزية.

 

مجزرة السويداء التي انصبّت أصداؤها على البعد السياسي واعتبار النظام مسؤولا مباشرا عن قيامها، جاءت تأكيدا على حقيقة تنظيم داعش الملتبسة بين جماعة دينية لها غاياتها في إقامة الخلافة، وبين قوة يمكن استخدامها من قبل جميع الفاعلين في الحرب السورية لإيجاد نوع من المخارج وتحقيق أهدافهم السياسية المختلفة.

 

ظهور داعش واستخدامه العنف المطلق والجرائم ضد الإنسانية كان له أثر كبير في وصول الحالة السورية إلى حرب مفتوحة لدول متعددة تسعى لتكريس وجودها بحجة محاربة داعش والخوف من عودته وحماية الأقليات من خطره وغيرها من الحجج المناسبة لتحقيق مصالحها.

 

 كما أن ممارسات التنظيم في تطهير المناطق الواقعة تحت سيطرته من أي وجود آخر من غير السلفيين، تقاطعت مع قلق الأقليات الدينية والطائفية والإثنية من الأسلمة التي سادت الحراك الشعبي، وزادت من رفضها ليس لممارسات تنظيم داعش فقط، إنما التخوف من بعض النصوص التي تخدم البنية الفكرية للجهاد باعتبارها مولدة لظاهرة داعش وتوحشها.

 

اقتصار تفسير ظاهرة تنظيم داعش وعوامل تشكيله على جملة أبعاد مجتمعية وسياسية تتعلق بالانفجار الديموغرافي والبطالة ومستوى التعليم ويضاف إليها الاستبداد السياسي وفشل الدولة الوطنية في التنمية والمواطنة وإدارة العلاقة بين الهويات المختلفة، خصوصا في “أرض التنظيم” في العراق وسوريا، لم تكن كافية لإقناع الأقليات المختلفة التي تعيش الواقع نفسه وتشارك الأكثرية المعاناة نفسها في هذه الدول، وتعرضت مع قيامه للعديد من المجازر الدامية وأكثرها بشاعة ما أصاب الإيزيديين في العراق.

 

 

فظائع داعش بحق المسلمين وبحق الأقليات رغم ما لاقته من استنكار كبير لدى المسلمين ونكران لأفعاله وأنه لا يمتّ للإسلام بصلة، لم تدفع لتكفير التنظيم والحكم عليه أنّه من أهل النار من قبل العلماء المسلمين الذين اكتفوا باعتباره من الخوارج، حتى عقب مذبحة مسجد الروضة في سيناء التي راح ضحيتها 305 أشخاص على يد التنظيم، ولم تكن سببا كافيا لتقويض هذا التنظيم والحد من جاذبيته لدى عناصره أو مؤيديه الذين وقعوا أسرى التصور الجهادي الذي يبنى على الإيمان الكبير بمفهوم الخلافة ليستعيد المسلمين دورهم الحضاري، وعلى جوهر البنية الفكرية التي تبناها داعش في تطبيق الشريعة أو الفقه الإسلامي، ولذلك يُلقي البعض باللائمة على الفقه الإسلامي الذي يُنتج مثل هذا الفهم الكارثي، وهذا ما جرى إهمال تصحيحه وتبيان صوابيته من عدمها من قبل المسلمين أنفسهم.

 

ممارسات التنظيم التي وصلت حدا غير مسبوق بالعنف، وتعريفه لدولة الخلافة التي تقدم نفسها باعتبارها ممثلة السنة والمدافعة عنهم وتنفي إمكانية التعايش السلمي مع المعتقدات المختلفة، لا يتم إلغاؤها من عقول الكثيرين في العالم العربي أو الغربي الغارقين في فخ الإسلاموفوبيا، بمجرد الإشارة إلى المستفيدين من وجود التنظيم، وأنه صنيعة خارجية وخارجة عن الإسلام.

 

 ما دام الوجود الفكري والعقدي للتنظيم يسيطر على العديد من الأشخاص، والتصدي لأفكار داعش بحاجة لأكثر من القول إن النص قديم وظاهرة داعش جديدة، وأن التنظيم يحاول فرض نوع جديد من الإسلام في طريقة العبادة إذ يتبنى الأيديولوجيا السلفية الجهادية المتشددة ويعتبر أن هناك مؤمنين حقيقيين ومرتدين، وأن ما فعلته خلافة داعش لم تقم به الخلافات الإسلامية السابقة فهي بجميعها أبدت قدرتها على استيعاب كافة الثقافات والأديان واحتضنت خصوصيات الشعوب ولم تفرض معيارا متصلبا للإسلام الذي كان المفتاح الأول لدخول الآلاف من البشر في أصقاع الأرض إليه.

 

داعش الذي جمع بحضنه كافة الأيتام الباحثين عن الاستقرار تحت راية الخلافة، لم ينتهِ في سوريا فما يقدمه من عبثية دماء تصب بمصلحة قوى الاستبداد وبمصلحة الدول الإقليمية والدولية جعل من هؤلاء الأيتام الأداة “الضارة النافعة” ضارين للإسلام والمسلمين ومحطمين لمفاهيم التعايش المجتمعي في بلدان لم تتأسس على مفاهيم الحقوق المدنية المتساوية للجميع، ونافعين لكافة الفاعلين في الحرب السورية الذين استغلوا وجودهم لتحقيق مصالح أكبر، ما يجعل من إطالة عمر التنظيم رغبة غير مصرح بها.

هوازن خداج

 

كاتبة سورية

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *