العرب الدروز يقفون ضد “قومية الدولة” في إسرائيل

 

قانون ما يُعرف بـ”الدولة القومية للشعب اليهودي” الذي أقره البرلمان الإسرائيلي منذ ما يقارب الأسبوعين، يكرس النزعة العنصرية للدولة العبرية، ويكشف بما لا يدع مجالا للشك أن الدولة الحديثة لا يمكن لها أن تقوم على أساس ديني أو عرقي فمآلها في النهاية هو التآكل والحروب الطائفية.

 

القدس – أعلن البرلمان الإسرائيلي الثلاثاء، أنه سيعقد جلسة استثنائية في 8 أغسطس حول قانون “الدولة القومية للشعب اليهودي” الذي مازال يثير غضب وسخط الفلسطينيين والعرب، وينتقده عدد كبير من دول العالم والمنظمات الحقوقية والإنسانية.

 

وكان 52 نائبا من المعارضة (من أصل 120 في المجلس) دعوا إلى عقد الجلسة بعد أن أنهى البرلمان دورته الصيفية الخميس الماضي.

 

ويؤكد القانون الذي أقره البرلمان الإسرائيلي بدعم من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في 19 يوليو المنقضي، أن إقامة “بلدات يهودية جزء من المصلحة الوطنية”، ويمنح اليهود الحق الحصري لتقرير المصير في إسرائيل.

 

وفي مخالفة صارخة للقوانين الدولية، يشرّع القانون الاستيطان بل ويشجعه ويدعمه، إذ ينص على أن “تنمية الاستيطان اليهودي من القيم الوطنية، وستعمل إسرائيل على تشجيعه ودعم تأسيسه”.

 

ويعدّ الاستيطان واحدا من أبرز العراقيل أمام تطبيق حل الدولتين، إذ يقطع الأراضي الفلسطينية ويمنع التواصل الجغرافي بينها، فضلا عن أنه غير قانوني وفق المواثيق الدولية.

 

وكانت النسخة السابقة من القانون أكثر عنصرية وكراهية، حين نصت على “إقامة مجتمعات لليهود فقط”، مما يعني عزل فلسطينيي 48، وعددهم نحو مليوني نسمة من أصل نحو 9 ملايين.

 

وبينما رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بتبنّي القانون ووصف التصويت بأنه “لحظة حاسمة في تاريخ دولة إسرائيل”، مزق نواب عرب نسخا من القانون أمامه وألقوا بها في وجهه.

 

وفي ما يتعلق بلغة إسرائيل، فقد تم استبعاد اللغة العربية، التي كانت إلى جانب العبرية لغة شبه رسمية للدولة، إذ ستصبح العبرية اللغة الرسمية في إسرائيل، على أن يكون للعربية “مكانة خاصة” وفق ما ينص قانون “الدولة القومية”، والذي هو جزء من القوانين الأساسية التي تعتبر بمثابة الدستور. وستركز النقاشات خلال الجلسة الاستثنائية القادمة في 8 أغسطس على “قانون الجنسية ومساسه بقيم المساواة والديمقراطية”. ويلزم القانون المحكمة العليا في إسرائيل بتفضيل “الهوية اليهودية للدولة” على القيم الديمقراطية في حال وقع تناقض بين الهوية والديمقراطية، في بلد لطالما تغنى بالديمقراطية واتهم غيره بالعنصرية.

 

ويأتي التأكيد على تفضيل “القومية اليهودية” على الديمقراطية بصيغة ملتبسة، إذ يقول “يهدف القانون إلى حماية مكانة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، من أجل إرساء قيم دولة إسرائيل في قانون القومية كدولة يهودية وديمقراطية”.

 

ووفق مصادر إسرائيلية عدة، فقد عمد الوزراء الذين عملوا على بلورة القانون إلى حذف أي ذكر للديمقراطية، لكنهم اضطروا إلى الإتيان على ذكرها بعد الضجة الكبيرة التي تم إثارتها بشأن هذه النقطة بالتحديد.

 

واستبعد آفي ديشتر، مقرر القانون والنائب عن حزب الليكود اليميني بزعامة نتنياهو، الثلاثاء الماضي، للإذاعة العسكرية، أي تعديل في النص بعدما ندد النواب العرب به معتبرين أنّه غاية في العنصرية.

 

ويمثّل العرب الإسرائيليون 17.5 بالمئة من سكان إسرائيل البالغ عددهم حوالي التسعة ملايين.

 

وصرح ديشتر “لا أرى مبررا لتعديل هذا القانون الأساسي من أجل أخذ الدروز في الاعتبار”. وكان هذا النائب أيد التصويت على قانون عادي منفصل يحدد وضع العرب المنتمين إلى الطائفة الدرزية.

 

تشريع لعنصرية تنتعش وتستمر منذ 70عاما تشريع لعنصرية تنتعش وتستمر منذ 70عاما

 

وتقول وسائل الإعلام إن الرئيس رؤوفين ريفلين، الذي يتمتع بسلطات رمزية أكد الاثنين خلال لقاء مع نواب من عرب إسرائيل أنه يعتزم توقيع نص القانون بالعربية للتعبير عن معارضته. لكن المتحدثة باسمه رفضت تأكيد ذلك في معرض ردها على أسئلة الصحافيين.

 

وشدد ديشتر من جهته على ضرورة أن يوقع الرئيس نص القانون بالعبرية أي اللغة الرسمية في البلاد. وأضاف أن ريفلين “حر في إضافة إشارة باللغة العربية إذا شاء”.

 

وأظهر استطلاع للرأي أجراه معهد “إسرائيل ديموكراسي” أن 46 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون القانون من بينهم 52.3 بالمئة من اليهود. وشمل الاستطلاع عينة تمثيلية من 600 شخص.

 

وكان نتنياهو أعلن الأحد الماضي أن قوانين تم إقرارها سابقا تضمن المساواة لغير اليهود، إلا أن العرب انتقدوا القرار وخصوصا الدروز الذين يبلغ عددهم في إسرائيل 130 ألف شخص، وهم يخضعون للخدمة العسكرية الإجبارية أو يعملون في الشرطة إلى جانب الإسرائيليين اليهود، ووصف النواب العرب القانون بأنه عنصري. ودعا عدد من السياسيين اليهود إلى إدخال تعديلات على القانون لتبديد مخاوف الدروز.

 

وتعمد السلطات الإسرائيلية في تقسيماتها الإدارية وإعلامها الرسمي والخاص إلى تقسيم العرب داخل الدولة العبرية على أساس طائفي ومناطقي في سياسة تنتهج التفرقة والتفتيت على مبدأ “فرّق تسدّ” كما يصفها منتقدوها. ويبدو ذلك واضحا في تصريح رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي غادي ايزنكوت، الثلاثاء الماضي، والذي يتسم بالمراوغة التي تحمل في طياتها تناقضات مكشوفة في نظر المراقبين، إذ دعا جميع الجنود إلى “ترك السياسة خارج الجيش”، وقال في بيان “نحن ملتزمون بالحفاظ على الكرامة الإنسانية بغض النظر عن الإثنية أو الدين”. وأضاف ايزنكوت في خطابه التضليلي “مهمتنا ورفقة السلاح المشتركة مع الأشقاء الدروز والبدو وغيرهم من الأقليات الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي ستستمر مصدر إلهام لنا”.

 

وتتسع يومياً رقعة الاحتجاجات في أوساط طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل على “قانون القومية اليهودية” الذي يعتبر فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر “أرضا لليهود فقط”، وهو ما اعتبره الفلسطينيون تكريسا للفصل العنصري الذي تنتهجه إسرائيل.

 

وتتواصل الاجتماعات الاحتجاجية في أوساط فلسطينيي 1948، وهذه المرة بمشاركة فئات واسعة من الدروز الملزمين بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، والذين فصلتهم إسرائيل بقوانينها المختلفة وبعض الامتيازات والإغراءات عن سائر العرب.

 

وتدرس قيادات درزية سبل الرد على القانون بعدما رأت أن الجنود الدروز في الجيش، وطبقاً للقانون الجديد، ليسوا سوى مرتزقة، كما أكد المحاضر الجامعي قيس فرو، في اجتماع احتجاجي عقده الحزب الشيوعي في حيفا. وأكد فرو أن المطلوب من الدروز الآن هو التكاتف مع سائر العرب في البلاد ومع القوى اليهودية الديمقراطية، “لأن الدولة أعلنت رسمياً أن الجنود غير اليهود هم عمليا مرتزقة”.

 

وكتب المحاضر الجامعي رباح حلبي، مقالاً في صحيفة هآرتس العبرية بتاريخ 30 يوليو، اعتبر فيه القانون الجديد “صورة طبق الأصل للتعامل اليومي المتبع في إسرائيل تجاهنا الدروز وتجاه سائر العرب”. وأضاف أن “القانون جيد لنا وسيء للدولة. هو جيد لنا لأنه يثبّت الواقع المميِّز ضدنا، إذ لن نضطر بعد لنجتهد لنثبت إدعاءاتنا في شأن التمييز المُمَأسس. هو سيء للدولة لأنه يسيء لسمعتها لدى أمم العالم المتنورة”.

 

وتابع أن القانون جيد للدروز لأنه يضع حداً للوهم في شأن “شراكة المصير”، و”تحالف الدم”، و”تحالف الحياة”، وسائر الكليشيهات الممجوجة، “هو جيد لنا لأنه بمثابة صفعة مجلجلة لكل من تمسك بأوهام الإسرائيلية والمواطنة المتساوية والكاملة”.

 

ويرى محللون ومتابعون للشأن الإسرائيلي أن إسرائيل، في نهاية المطاف، لم تكن بحاجة إلى التصديق على “قانون القومية”، الذي يحصر الدولة بـ”الشعب اليهودي” فقط، وواقع الحال يعج بمظاهر التمييز ضد الفلسطينيين والعرب داخل إسرائيل منذ 70 عاما.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *