العلاقة بين المثقف والحزب السياسي.. عين صقر وأعمى

 

 

كتب خالد أبو الخير

 

على خلاف الأديب الروسي ماكسيم غوركي، صاحب رواية الأم، الذي قال حين سئل لماذا لم ينتمِ للحزب الشيوعي إن “المبدع حزب في نفسه”، انخرط  مبدعون في أحزاب لأسباب متباينة، وإن لم يستطيعوا احتمال قيود الفكر والرمز الأوحد.

 

مدفأة الحزب

 

ويروي الأديب السوري الساخر محمد الماغوط، المولود في قرية السلمية شمال مدينة حماة، وعاش فيها فقيرًا ومشردًا يعاني البرد والفاقة، كيف انتمى للحزب السوري القومي الاجتماعي، قائلًا ببساطة: “خرجت من بيتي في السلمية ذات يوم، وأنا أعاني من البرد الشديد، وأجريت جولة على مكاتب الأحزاب الموجودة في السلمية كلها، فلم أجد حزبًا يمتلك مدفأة غير الحزب القومي فانتسبت إليه!”.

 

الثورة تقتل شاعرها

 

وبحكم تحدره من عائلة بسيطة، اصطدم الشاعر فلاديمير يوفيتش ماياكوفسكي بالفوارق الطبقية أثناء دراسته إبان الحقبة القيصرية في روسيا؛ الأمر الذي قاده إلى التقرب من حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي عام 1911، حين كان في الخامسة عشرة من عمره وطالبًا في كلية الفنون الجميلة.

 

وذاق اليافع ماياكوفسكي مرارة السجن ثلاث مرات، بسبب نشاطه السياسي، وأعلن عقب خروجه منه في المرة الثالثة أنه يريد أن يصنع فنًا اشتراكيًا.

 

وزاد من نقمته وثوريته أن الفتاة التي أحبها، وتدعى ماريا ألكسيفنا دينيسوفا، وكانت فضلًا عن جمالها اللافت مثقفة، تركته وتزوجت من ثري، وعبر عن هذه النقمة والثورية بمسرحيته الشهيرة “غيمة في سروال”، بل وأعلن بحماس حين نشوب ثورة 1917 التي أسقطت الحكم القيصري: “إنها ثورتي”.

 

لكن ماياكوفسكي لم يلبث أن اصطدم ببيروقراطية وانتهازية الجهات المسيرة للحزب والدولة، فنظم قصيدته “مئة وخمسون مليونًا”، التي هاجم بها الانحراف الثوري، فلم تعجب لينين، بل واعتبره “فوضويًا”، لكن ذلك لم يفت في عضده، وتابع كتابة قصائده ومسرحياته الناقدة انطلاقًا من كونه شاعرًا وثوريًا، فمهمة الفنان تعرية القبح ونشدان الحرية ورفض القيود التي تشل العقل.

 

ولم يعد يجد في أرض الثوار مكانًا له، فعزم على السفر إلى باريس، حيث تقيم حبيبته “تانيا ياكلوفلوفا”، فمنعوه من السفر، وزاد بؤسه بلة أن تانيا حين يئست من مجيئه إليها تزوجت، وتركته وحيدًا دون أمل.

 

انتحر ماياكوفسكي عام 1930، في ذروة شبابه، عن 37 عامًا، ونقتطف من آخر ما كتب: “إلى الجميع ! أنا أموت، لا تتهموا أحدًا. ودعكم من الأقاويل. فإن الميت يكره ذلك كثيرًا. وكما يقولون: الحادثة باتت منتهية، تحطّم زورق الحب على الحياة الجارية، أنا متخالص مع الحياة، لا جدوى من استعراض الآلام والمصائب والإساءات المتبادلة. كونوا سعداء!”.

 

الشعراوي والإخوان

 

وبرأي المفكر الليبي الصادق النيهوم، فإن أقصر طريق يسلكه الحزب السياسي لكسب المعركة على السلطة، هي أن يلبس جبة الدين.

 

والنيهوم المتوفى عام 1994، كان صديقًا لنظام معمر القذافي صاحب نظرية الفكر الأوحد والصقر الأوحد “ومن تحزب خان” واستفاد منه كما أفاد.

 

ويعلل الشيخ محمد متولي شعراوي الذي بدأ حياته عضوًا مؤسسًا في  جماعة الإخوان المسلمين، ثم انفصل عنها، انفصاله بقوله: “لأنّ الانتماء إلى حزب ديني ليس من ركائز الإسلام ولا يضير إسلامي شيئًا إنْ لمْ أنْتَمِ إلى هذا الحزب. فأنا مسلم قبل أن أعرفكم، وأنا مسلم قبل أن تُكوّنوا حزبًا، وأنا مسلم بعد زوالكم ولن يزول إسلامي بدونكم. إنّنا كلّنا مسلمون، وليسوا هم وحدهم من أسلموا”.

 

ويضيف: “هو حزب سياسي قبل أن يكون دينيًا وهو يمثل الفكر السياسي لأصحابه ولا يمثل المسلمين. فإن كنتم أهل دين، فلا جدارة لكم بالسياسة وإن كنتم أهل سياسة فمن حقّي أن لا أختاركم ولا جناح على ديني. فأنا أرفض أن أنتميَ إلى حزب يستجدي عطفي مستندًا على وازعي الدينيّ قبل أن يُخاطب عقلي. وأنا أرفض أن أستجديَ ديني في صندوق انتخاب، فديني لا أستجديه من غير خالقي”.

 

عين الصقر

 

من جانبه يرى الشاعر الأردني غازي الذيبة أن الحزب في وعي المبدع؛ الشاعر، الروائي، الفنان، هو مادة هلامية، مادة منسلخة عن وعيه المنعتق في برية المخيلة والحياة. ويقول: “المبدع؛ كينونة بذاتها، مشحون دومًا برؤى وأفكار خارج الصندوق، قد تبدو أفكاره في لحظة ما، مرتبطة بأيديولوجية ما، لكن سرعان ما تتكشف الحقيقة في أعماق المبدع، بأنه ضد الأيديولوجيا النمطية، أيديولوجيا البركة الراكدة، تلك التي لا يتحرك فيها شيء إلا وفق بند في ميثاق الحزب”.

 

ويضيف الذيبة : “شخصيًا، أرى أن الحزب النمطي، الحزب القائم على وهم أنه سيغير الكون، لا يمكنه أن يلتقي معي، لأن مهمة تغيير الكون هذه تخصني، ولا تخص الحزب، يمكن أن يكون الحزب أداة لمن يتذوقون الإبداع، لكنه لا يمكن أن يكون أداة للمبدعين”.

 

ويمضي شارحًا فكرته: “لا أظن أن حزبًا عاقلًا يمكنه أن يدعم شاعرًا كمحمود درويش، أو يمد روائيًا كماركيز بالهدوء والمال، ليكتب رواياته، لا، هذه لا يمكنها أن تنطبق على مبدع كبير”.

 

وقال الشاعر الأردني: “إن الصغار، محاولو الإبداع، أنصاف الموهوبين، هم من يطالبون بالدعم دومًا، ويناشدون الحكومات والأحزاب بنيل تفرغ إبداعي مثلًا، أو أعطيات من الدولة، المأخذ القاتل حتى اليوم الواقف في حلق المتنبي، أنه كان شاعر بلاطات، يتقاضى أعطيات من الولاة والحكام على مدائحه لهم”.

 

وبرأي الذيبة فإن “المبدع الحقيقي، الحر، المنعتق من أي قيد، لا يمكنه أن يتذوق طعم كافيار السلطة، ويبقى مخلصًا لمعناه”.

 

وختم بالقول: “لو أننا نمتلك بلدانًا حرة وديمقراطية بلا استبداد ديني أو سياسي أو اجتماعي فيها، فيمكن لما قلته أن يتغير، ولو على نحو طفيف، الحرية تقتضي من المبدع في بلادنا أن يظل مخلصًا لها، بعيدًا عن أي كيان سياسي، لا خوفًا من السياسي، بل لكي يظل ناقدًا له، ولكي يبقيه على قلق، المبدع عين الصقر في الأعالي، والحزب أعمى”.

 

عصر المثقف المؤسساتي

 

ويلخص الأديب الجزائري إبراهيم عثمان العلاقة بين المبدع والحزب في عصرنا الحالي بأننا نعيش عصر المثقف والكاتب والفيلسوف المؤسساتي، ولم يعد هناك مكان للعبقريات.

 

ويشير عثمان، إلى أن الأحزاب مثل المؤسسات تقف وراء أسماء وتدفع بهم إلى الواجهة، ولا تهتم بالجانب الإبداعي بقدر ما تهتم بالأيديولوجية الحزبية.

 

ويضيف: “ميكروسوفت مثلًا تلغي عبقرية العبقري وتنسبها لنفسها.. وهذا يقودنا إلى إشكالية تخلي العبقريات عن عبقرياتهم لصالح هذه المؤسسات وهذه الأحزاب، إننا أمام إشكالية جديدة أبشع من السابق، فالسياسة ممثلة في الجمعيات والأحزاب تريد وبشتى الأساليب والحيل أن تستغل الفكر والأدب والدين ومن يشتغلون بهذه المعارف،  لذلك لم نعد نجد تأثيرًا لا للمفكر ولا لرجل الدين”.

 

قبيلة العصر

 

 

يرى مفكر وسياسي ليبي أن الحزب هو “قبيلة العصر”.

 

ويضيف المفكر الليبي، أن الحزب “يختلف فقط في القواعد التطبيقية من مكان إلى آخر، ففي الدول المتقدمة ذات التاريخ الطويل في الأنظمة الحزبية يهتمون بالمبدعين ويشجعونهم بكل الوسائل؛ لأن هدف الحزب الوصول إلى سلطة لتنفيذ برامج اقتصادية واجتماعية وثقافية تستهدف رقي الإنسان وتطوير الخدمات التي تقدم إليه، والأحزاب هناك تتسابق من أجل تقديم البرامج الخدمية والتنظيمية الأفضل، والمجتمعات تختار البرنامج الأفضل، لا يهمهم أسماء المنفذين بقدر اهتمامهم بقدرتهم على تنفيذ البرامج المعلنة”.

 

أما في الدول النامية، التي تحاول اللحاق بهذا الشكل الحزبي المتطور، بحسب السياسي والمفكر الليبي، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، لـ”إرم نيوز”، “لا تزال تتقلب؛ لأنها في مجملها مبنية على فرد بعينه أو مجموعة محددة مؤسسة للحزب، وتظهر بشكل أكثر وضوحًا في الدول المتخلفة التي تسمي الأحزاب بالأشخاص، كما يحدث عندنا (في ليبيا) فهناك جماعة جِبْرِيل، جماعة الإخوان، جماعة حفتر، جماعة بالحاج، وهكذا دواليك. وحتى في أيام القذافي، فقد كان  حزبه الوحيد اللجان الثورية مقسمًا بأسماء مجموعات تعمل لصالحها”.

إرم نيوز

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *