ثنائية البر والبحر في روايات حنا مينه

مع أن ثلث أعمال الكاتب الراحل حنا مينه عن البحر، لكنه لم يرسم صورة لبحار أو سندباد بحري. فأعماله تخلو من هذه اللمحات الفانتازية. وكذلك هي بريئة من جو العنت والمشقة، ومن التوسع الذي خص به كونراد أعماله. فالتوسع هنا جزء من ارتياد الآفاق واستثمار للموارد وتسليعها. إنه استعمار ولا علاقة له بكسر القيود وهجاء البر الخامد واللجوء لديناميكية البحر، كما هو موقف مينه العاطفي من الأمواج والمياه. فكل قارب يمخر في عباب المياه في أعمال كونراد هو محض غزو وعدوان، وجزء من فلسفة تخطي الحدود، أو إنشاء شركات عملاقة عابرة للهويات الوطنية.
ثم إن أي ربط بين كتابات مينه عن البحر و«حكاية بحار غريق» لماركيز لا أساس له من الصحة. فماركيز أعاد بروايته للأذهان العمل الطويل الوحيد الذي تركه إدغار ألان بو وراءه وهو بعنوان «غوردون باين». وكلا العملين عن الضياع والتشرد في عرض المحيط بخلفيات وجودية، وتشوبهما أيضا مشكلة استعلاء الطبيعة على الجنس البشري وفلسفة الانتظار، بالإضافة لولادة فكرة البطل الضعيف أو البطل المحروم من القوة والإرادة. فالكلمة كانت للبحر (الأنواء) أما الإنسان فقد كان ألعوبة بيد المحيط. وهو ما لا يمكن أن يقبل به مينه، لا في البحر ولا على البر. وإذا كان لا بد من مقاربة لبحر مينه فهو أقرب ما يكون لعمل ميلفيل «موبي ديك».
ويكفي أن تتذكر عدد المرات التي يربط بها أبطال مينه الحوت على الشاطئ تمهيدا لقتله ونهبه. كما أن أبطاله نادرا ما يلجون المياه العميقة، فهم يعيشون كل حياتهم على الشاطئ. إنهم مجرد شهود على طرفي المعادلة الصعبة: الحياة والذات. وكل منهما له المعنى الرمزي للغمر أو للمصاعب أو للخطر المبيّت والكامن. وفي رأيي إن الخطر المادي لا يقل عن الاندفاعات والفورات النفسية. ويمكن القول إن بحر الهموم مثل بحر المصائب. ولينجو الإنسان يكون بحاجة لقارب ومجداف وساعد قوي. وهذه هي الثلاثية التي تمسّك بها حنا مينه في كل حرف كتبه. حتى إن حياته وتعلم الحروف والأرقام بدأ في الميناء بترقيم أكياس الشحنات البحرية، كما ورد في قصته «على الأكياس» المنشورة في مجلة «المعرفة» عام 1958. وكأنه يريد أن يذكرنا بأبطال معلمه الأول مكسيم غوركي وكتابه في السيرة الذاتية «جامعاتي».
لقد كان غوركي ذكيا بما فيه الكفاية ليربط الثقافة بالواقع والإصرار والعمل. وليسقط قيمة العمل على الحياة الذهنية. وهذا يجب أن نتوقعه من إنسان عصامي ورومانسي آمن ببطولة الإنسان البسيط وبدور الحياة في صقل المواهب والخبرات.
لقد اختار حنا مينه منذ بداياته التبشير بهذه المقولة الفلسفية المبسطة، وهي دور الحياة والعمل في توجيه المسار، ولذلك غلبت على شخصياته صفة الرومانسية الثورية. فهم متمردون وليسوا مناضلين، يؤمنون بالحل الفردي. وأعتقد أن هذا من رواسب المماهاة بين الزعيم والنبي في الأحزاب الثورية. وهكذا بمقدورنا النظر لشخصياته المحببة لقلبه في فترته البحرية التي تمتد من «الشراع والعاصفة» 1968، وتصل لذروتها في «الدقل» 1982 و«الياطر» 1975. ودائما علينا أن نتأمل هاتين الروايتين بمنظار مفهومه عن بطولة الأفراد. لقد اقتنع مينه أن الإنسان كائن عملاق ولديه واجب مقدس وهو ترويض الطبيعة. وعموما خيم عليهما بطل مفرد، مستعد لمواجهة الصعاب وتذليلها.
وصراع الغرائز من أهم الأفكار التي يحتفل بها أبطال مينه. ولذلك كانت معظم شخصياته تعيش في بيت زجاجي، لا شيء يمكنك تخبئته. فالعناصر أقوى من التكتم والسرية وبدون بعد تصوفي. بمعنى أنه لم يعمد لتورية شخصياته وهي كلها استعارية إذا لجأنا لتعبير جاكوبسون. إنها مجموعة من الأفراد الذين سقطوا في بئر اللاشعور وتأقلموا مع قوانينه الجائرة وتصالحوا معها. وفي هذا السياق يقول في واحدة من أهم أعماله، وهي «الثلج يأتي من النافذة»: «هنا العطور والخمور والأجساد هي العناصر الأساسية». بتعبير آخر: أصبحت جزءا من مفهومهم عن عبادة الأنا والاحتفال بالحياة. ولم يختلف مينه عن ديفو إلا في نقطة واحدة، وهي ضرورة الخشية من ثورة البحر وهبوب العواصف. فقد كانت تمثل له دور أرواح شريرة تأتي لتنتهك عزلته داخل نفسه. وربما قدمت «الياطر» أفضل دليل على تخلي مينه عن النزوع الأبوي للمذكر، والاتحاد بمجتمع أمومي تكون فيه المرأة آلهة يمكن إغواؤها، والإشارة للراعية شكيبة، وكان مينه يتلصص عليها من بين الأشجار ومن خلف الصخور، وكانت تبدو بشكل صورة في خيال إنسان مدمن على العزلة. ولم يكن هناك موانع أو كبت في هذا الموقف، بمعنى أنه ليس تلصصا أوديبيا يتسبب بالنفور من قانون الأب، ولكنه اكتشاف لمعضلة أو مواجهة مع لغز، وهل يوجد لدى المذكر لغز أكبر من عالم الإناث وأسراره؟ واعتمدت صورة شكيبة وإيحاءاتها الأمومية على نقطتين:
الأولى هي ذكريات مينه الطفل عن سنوات حياته المبكرة في منطقة الإسكندرونة، حيث النباتات والتضاريس لا تختلف عن صورة بلدة السويدية التي أقام فيها وهو ابن سنوات. والثانية أن شكيبة كانت مصدرا لقوته. وتطور الموضوع لنشوء علاقة غرامية، وهو ما يمكن أن نعزو له في سهولة كل مواصفات الجنس الفموي. وتستطيع اختصار فلسفة (الطريق ـ عمال التراحيل ـ العصاة واللصوص من أفراد الجيل المتمرد بعد سنوات الكساد والحروب العالمية) بالطعام والتناسل أو المتع البدنية المباشرة.
ويضيف جورج طرابيشي في دراسته عن (إيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية)، أن هذا العمل الذي امتد على طول ثلاثمئة صفحة، كان إعادة تركيب لسيناريو هو بذرة من بذور الثورة الرومانسية للعقل العاطفي، وهو الهرب من المدينة إلى الغابة، والاستسلام لمصادر البهجة المادية أو المتع التي لا يوجد عقل يتحكم بها. ناهيك عن غياب الشخصيات الثانوية وتقارب الرجل مع المرأة. وحتى المرأة كانت لا تظهر على مسرح الأحداث إلا من خلال الوعي الغائب والمخدر لبطل الرواية. وفي رأيي الشخصي لم تلن قناة ولا عزيمة مينه في تشخيص عقدة الأم ورغبة الابن في أحضانها (ليكون فعليا البديل عن الأب أو وريثه الشرعي). غير أنه التزم بشروط مجتمعه ورسم صورها بتهذيب مبالغ به، وتأتي روايته الشفافة والمحزنة «حمامة زرقاء في السحب» 1988 في هذا السياق. فهي عن رحلة علاجية لابنته في مشافي لندن، وكان تعلق الأب بابنته لا يقل عن تعلق الأب بـ(لوليتا) في رواية نابوكوف المعروفة. لكن إذا مزق نابوكوف الأستار عن علاقة زنى المحارم، فقد هذبها مينه بشكل رعاية وحضانة أو استجداء للرضا والتجاور. والسؤال الذي يفرض نفسه: أين الأم في رحلة الاستشفاء. ولماذا كان الأب وحده مع ابنته، يخلصها من ثيابها لترتاح على السرير، ويسهر بجانبها حتى تغفو ويفعل المسكن فعله؟
وقد أعاد مينه تخيل الوجدان الأمومي في معظم أعماله، ولكن جسده أشخاص ذكور. وكمثال على ذلك أذكر «الثلج يأتي من النافذة» 1969 فهي عن مناضل سياسي يعاني من آلام مبرحة في غابات الأرز المكللة بالثلوج في لبنان، كما عانى من قبلها المسيح وهو يصعد على درب الجلجلة. ولم يكن هذا العذاب ساديا، ولا يعبر عن عقوبة فرضتها السلطات، بل إنه لجوء للطبيعة وتطهير للروح من أدران الجسد، وعلى طريقة يسوع الذي أنجبته آلهة، أم غير مدنسة. وكان يستنجد بيسوع في كل مناسبة بلسان امرأة اسمها هناء. وإذا شتم القديسين بالعلن فسرعان ما كان يستغفر منهم. وفي يوميات جوزيف (أحد شخصيات الرواية) مشاطرة لآلام السيد المسيح. حتى أنه قال «إننا: حملنا صليبك معك من بيلاطس إلى الجلجلة». ثم يضيف بصريح العبارة: «كل إنسان يحمل صليبه معه. والفرق هو في كيفية حمل هذا الصليب».
ويلتقي مينه مع ميلفيل و«موبي ديك» فبحارته يصارعون حياتهم على الميناء وينتشلونها من كبد البحر العملاق والفتاك، ولكن طبعا لا أستطيع أن أعزو لمينه فلسفة خاصة أو برنامجا لرؤية فلسفية، فهو أبسط من كل ذلك، إنما كانت له رؤية في الرجولة، وهو ما يأخذ بقية أبعاده في مغامرات أبطاله على البر، ولاسيما الرحالة الباحثون عن لقمة العيش أو التروبادور بالفطرة الذين يكتبون ملحمة بطولاتهم الخاصة في مواجهة أخلاق الغدر والسلب في مجتمع غابوي، وأفضل مثال على ذلك شخصية الخال التي أشار إليها إشارة خجولة في «بقايا صور» 1984، وكان قاطع طريق يختفي في سلسلة المرتفعات الممتدة بين سوريا وتركيا، وقد أكد في مشهد رجولي أخاذ أنه يستعمل عضلاته لينال حقه «وكأنه يردد الحكمة المعروفة: الحق يؤخذ ولا يعطى». وكان لا يعرف شيئا عن القانون أو الحكومة. وكما يقول لأخته، أم الولد الصغير حنا: أنا وحدي. وسأبقى دائما وحدي. ثم يرفع بيده بارودته القديمة التي استولى عليها من دركي عثماني. وغني عن القول إن هذا الشخص آمن بالسلطة الفردية والاحتكام للذات ضد قهر المجتمع والدولة معا. وأعتقد أن بذرة هذه الفكرة أو الصورة الفردانية بقيت مطمورة في رأس مينه، فعاد إليها وخصص لها عملا قائما بحد ذاته وهو «شرف قاطع طريق» 2004 وبه رسم الأبعاد الحقيقية لمعنى الإنسان في فترات الفوضى. وعلى ما أظن كان مينه مفتونا بالثورات أكثر من أهداف الثورة، وقد اهتم في كل رواياته بالمراحل الانتقالية، ولم يكن يعنى بفترات الاستقرار والنظام.
صالح الرزوق

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *