الثقافة حينما تصبح صناعة مثل عارضات الأزياء وجميلات الشاشة…

مريم أبوزيد سباي

 

تعول كلّ القنوات على المظاهر الايجابية للثقافة، وحصرها في غالب الأحيان في العادات والتقاليد، مع بعض التفرعات التي تمس الحرف والتراث، باعتباره لازمة تعول عليه الحكومات في جلب اهتمام العالم من خلال علامة اليونسكو… لذلك شهدت القنوات في عامها وخاصها موضوعات جديرة بالاهتمام، تبين الزخم التراثي للبلاد، دون أي شائبة تشوبها، بل يحاولون اثبات وفي الوسائل كلها أنّ التراث والثقافة عنصران إيجابيان بشكل مطلق، ويحاولون صناعة مكانة لهما مثل صناعة عارضات الأزياء وجميلات الشاشة… صناعة تزيل الخدوش والنتوءات وكل الترهلات الممكنة.

يحدث كل هذا في ارتباطه بكلمة سحرية تقارب الوهم في كيانها، إنها الهوية… كل شيء يرتبط بالاستمرارية في الزمن ويقوم به الأفراد هو هوية للجماعة تتباهى بها المؤسسات الناطقة باسم هذه الجماعة.

إن لم توجد قناة خاصة بالثقافة في كل أبعادها وتموجاتها، فإن البرامج حولها موجودة على جميع القنوات، مهما كانت دقة طرحها وطبيعتها… المهم ترتبط بهوية المجتمع والوطن… كل البرامج التراثية، وبالرغم من البهرجة والألوان والحرير ومختلف الحلي، فإنها أصبحت تتشابه، تشابه الوجوه التي خضعت لأكثر من عملية تقويم وتجميل.

 

بادية بلادي حسب ضيوف البرامج

 

تراث بلادي… ألوان بلادي، البادية… كنوز الجزائر… كلها برامج ثقافية تراثية، وبلغات مختلفة لا يهم الخلط والجلط، ولا يهم رأي المتخصص، الذي يؤتى به خضرة فوق عشاء غير دسم، وضيوف البرنامج وما أدراك ما الضيوف يلوكون الكلام نفسه في المبالغات نفسها عن الجمال والخصوصية والثراء والتنوع، ورؤية الباقي أقلّ قيمة… دون معرفة حقيقية لما هو موجود وماهي مشاكل الفاعلين والجماعات وما يعانونه، المهم هو الاستعراض للحظات تحت وقع الانفعالات الهوياتية… ينجر الجميع ليعبّر عن غايات في «نفس يعقوب»، ولا يسمح أي خطاب مختلف وإن كان ذا مصداقية من حيث التفكير والفهم والنظرة والدراسة… لا تهم الدراسة والتفكير ما يهم هو جعل المنظر مثيرا، راقصا، على نوتات مختلفة، مهما كانت درجة النشاز.

أيمكن أن نتخيل برامج عن الصحراء والبوادي وشظف العيش وانتقال النسوة مئات الأمتار لجلب الحطب والمياه، ثم يصورن يقدن نيران القرى، بأبهى الأزياء وحليهن تتماوج وتسبقهن للأثافي…هكذا تصور لنا المحطات والقنوات الحياة التقليدية في الأرياف والبوادي من وجهة نظر الثقافة الإيجابية والتراث العريق الجميل…لا بد أن تكون الهويّة مرتبطة بالجمال، وجمال النساء تحديدا… نتنكر للحياة اليومية وننساها من ذاكرة متاحفنا ومن برامجنا، وندخل على المواسم والعروض الزاهية المناسباتية… إنها رغبة القضاء على حركية الثقافة والتراث بكل ابعادهما وسياقاتهما والتركيز على القيم الايجابية لتكتمل صناعة الهوية في شكلها الأبله المتعنت.

هكذا هو برنامج البادية، الذي يتعرض في كل مرة لقيمة من قيم البداوة من خلال خيمة وحيدة نصبت للغرض يحاول نحت الوجوه والأزياء والبادية في حدّ ذاتها، فما زالت الفضائيات العامّة تدجّن كل ما له علاقة بالتراث والتاريخ… في زمن يحاول الكون الامساك بالطبيعة الأولى وإن كانت في أبشع صورها.

في كل مناسبة تسأل الأسئلة نفسها في البرامج ويتكرر الضيوف ويكرروا انتاج نظرتهم المحصورة في الجمال والهوية لكل الفعاليات السنوية… يبعد المثقف الحامل لوعي وهدف، لأنه يفسد الديكور، يفسد الذوق ويفسد المخططات، وكلما أبعد كلما تفاقمت المشاكل، فلطالما جذبته طواحين الهواء فحاكى دورانها، فغرق في المشهد ولم يستطع الحراك… وعندما لم يجد رياحا ولا طواحين أفاق مشكلا زوبعة، أشبه بزوبعة في فنجان، وهل يمكنه أن يؤثر في مشهد تراكم لسنوات وتكرس من خلال مؤسسات… لقد بقيت أيها المثقف الحر خارج اللعبة وخارج المشهد، مجرد كومبارس في ملهاة لا نهاية لها… فلطالما سرقت منك المشاريع الكبيرة وبقيت تتحرك، حسب اتجاهات الرياح، بلا هدف وبلا موقف.

الثقافة في مأزق في الجزائر، رغم الاعترافات التي جاءت لتكريس الأمازيغية ودسترتها كلغة وطنية وترتيبات كل ذلك بتحويل هذه السنة 2018 إلى سنة ترمز للانجازات السياسية في حسم هذه الاشكالية التاريخية الثقافية، وكأنّها حل سحري لكل المجتمع، بينما هي إبعاد بعبع المطالبات القوية، على حساب الباقي من الانشغالات التي تعصف بالحياة الثقافية والتي لا تناقش على القنوات مهما كانت إلا نادرا.

 

أسئلة المسلمين وأسئلة اليهود

 

على قناة «الحياة»، التي أثارت الفتن والجدل بسبب برامجها، كان بداية مع برنامج اسأل مع الأستاذ الصادق سلايمية، وهو من إعداده وتقديمه، يتناول البرنامج الاجابة على أسئلة المواطنين، والتي تبدو قليلة جدا لحد الندرة، لأن حسب رأيه الأسئلة تبين مستوى المجتمعات وسلامتها الفكرية والاجتماعية، ليس برنامجا دينيا فقهيا، بل برنامج في صميم الحياة تطرح على الخبير… فالشعوب المتقدمة، تجد أسئلتها راقية والعكس تجد أسئلة الشعوب المتخلفة متخلفة بدورها… ويذهب أفقيا إلى التاريخ ليعرّف المشاهدين ما طبيعة الأسئلة التي طرحها العرب على الرسول (ص) فوجد أنها أسئلة فيها النافعة وفيها الهامشية، ويسألونك عن المحيض… عن الشهر الحرام… ويسألونك عن الأهلة… بينما اليهود كانوا يسألون أسئلة تعجيزية، ويسألونك عن الروح، أسئلة ميتافيزيقية، كما طرحوا سؤالا تاريخيا عن ذي القرنين… الرجل المثير للجدل والذي أدار الأنظار نحو القناة الفتية، لم نكذب خبرا حتى طل برنامج في القناة نفسها بعنوان عشر دقائق مع الشيخ حمو هي أيضا استفسارات وطلبات اجتماعية لكنها معاكسة تماما لرؤية البرنامج الأول، فبعد عراك المعتزلة والتيارات والمذاهب الاسلامية، فالشيخ يخاطب العامة وربات البيوت ويصفهن وصفا دقيقا ملموسا بروائح المطبخ التي تصدر عنهن، «كولونيا بصالينو»، و»كولونيا سردينو»… امرأة بروائح البصل والسمك، تتساءل لماذا لا ينظر زوجها إليها.. انهال الشيخ حمو على هذه المرأة التي تشبه القرد وتشبه القزانة، البصارة، ليلفت نظرها مع اعطاء الحق للزوج لأنه يشاهد في الشارع الجمال الفتان… كلك يطلب من الفتيات أن لا يخرجن الشارع بألواح بيكاسو على وجوههن، بل بمكياج خفيف.

والله عشر دقايق مع حمو… تكفي… كأنها دعوة للمرح والترويح في مدة قصيرة… يحكي بألفاظ أبسط من البسيط ومع كل التحولات التي طرأت على العامية الجزائرية، يحكي في أدق التفاصيل وحتى ثرثرة النساء، إلى طلب مروءة الأساتذة للمحافظة على مشاعر التلاميذ المعوزين وعدم خدش مشاعرهم أمام زملائهم والاهتمام بنفسيتهم، حتى لا تكبر العقد وتتراكم… ثم لماذا يتدخل بعض المثقفين ويطالبون من مدير القناة هابت حناشي لايقاف حمو وبرنامجه؟

لم يعد المجتمع في حاجة لوصاية أي أحد، أمام انفتاح وسائل الاتصال والتعبير التي يسيرها الجنون الأزرق.

كاتبة من الجزائر

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *