روبرت فيسك: هذا ما صدمني عند «جدار الفصل العنصري»!

الطريق القديم بين رام الله والقدس، تبطنه ثروة ضائعة وآمال منسية وديار كانت ذات يوم عزيزة، وئدت جميعها مع انتصاب الجدار.

في مقاله المنشور على صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، يقول «روبرت فيسك» إنه طلب من «أميرة هاس» الصحفية الإسرائيلية الوحيدة المتواجدة في الضفة الغربية الفلسطينية إن كانت كلمة فلسطين ما تزال تعبر عن بلد وليس مجرد فكرة غير تقليديةأن تريه في الجولة التي اصطحبته فيها شيئًا «يصعقه» –على حد قوله، لذا أخذته الصحفية إلى طريق سريع قديم خارج مدينة رام الله يؤدي إلى القدس، لكنه الآن كما وصفه فيسك «تدهور فصار مجرد نصف طريق على تلة، اصطف جانبه بمجموعة من الأبواب المغلقة، وأبواب محال تجارية صدئة، وقمامة، وتتسلل رائحة عفنة منبعثة من بركة خضراء اللون تراكمت فيها مياه الصرف الصحي، إلى أعلى الطريق».

تعددت تسمياته وحقيقته واحدة.. «فصل عنصري»

يحاول «فيسك» تفنيد التسميات المتعددة للجدار، فهناك المجموعات الحذرة التي تطلق عليه «الجدار الأمني»، وهناك من هم حساسون تجاه تلك التسمية؛ فاستبدلوها بـ«الحاجز الأمني»، أو حسب ما تخطه بعض الأقلام الطائشة «الحاجز»، لكن من ناحية أخرى من يخشون التبعات السياسية للتسمية يطلقون عليه «السياج» كما لو كان شبيهًا بالأعمدة الخشبية التي تحيط بأحد الحقول، أما إن أراد شخص ما إثارة رعب محرري برامج التلفزيون الإسرائيلي، وكذلك إثارة غضبهم فليسمه «جدار الفصل العنصري» أو «جدار العزل العنصري»، يوضح «فيسك» أن السبب وراء عرض كل تلك التسميات أنه بصدد التعرض لـ«البانتوستان الفلسطينية»، تشبيهًا بمناطق الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والتي عُزلت بالكامل بسبب الجدار والطرق الإسرائيلية، وكذلك التعرض لـ«الإمبراطورية الممتدة الشاسعة للمستوطنات اليهودية على الأراضي العربية».

يقول «فيسك»، إنه يثق بـ«أميرة» في تدوير عجلة النقاش، فعبارة «البانتوستان الفلسطيني» قد تكون استخفافًا مقابل ما يخالجها من مشاعر الغضب، أثناء اصطحابها إياه في جولة حول الجيوب الفلسطينية في الضفة الغربية، وعقب مضي ساعة أو اثنين وصلا للجدار الذي يعلوهما ارتفاعه بما يقرب من 26 قدمًا، يصفه «فيسك» بأنه «جدار صارم، وحشي في عزمه وتصميمه على شق طريقه متسللاً بين البنايات، متخفيًا بين الوديان، ملتويًا فيخيل للناظر كما لو كان ذلك «المخلوق» جدارًا مزدوجًا مكونًا من جدارين يسيران بمحاذاة بعضهما البعض، فهو أشبه بالطرق الملتوية في جبال الألب». وبينما هم في جولتهم، وعلى حين غرة، ينتبه «فيسك» أن الجدار اختفى «لم يعد هناك جدار»، ولا يوجد شيء سوى شارع السوق، وسفح من التلال والصخور، يتبعه مشروع استعماري ضخم للمستوطنات الإسرائيلية، حيث تملؤه الأشجار والمساحات الخضراء والمنازل ذات الأسقف الحمراء والطرق الأنيقة، وبالطبع المزيد من الجدران والأسوار الشائكة وجدران أضخم، ثم تصطدم بالوحش نفسه «الجدار» مجددًا.

في هذا الجانب من الجدار تجد رسومات وكتابات على الجدران يرثى لها، وشمس حارقة بلا رحمة، وتختلط أحجار الجدار الرمادية برمادية السماء الحارة، فلا تعد تفرق بينهما.

إلا أنه يذكر أن الجانب من الجدار حيث اصطحبته «أميرة» هو جانبٌ بائسٌ حقًا؛ جانبٌ لا يذهب إليه عادة المرشدون السياحيون، ولا حتى المحللين للمجتمع الإسرائيلي، وقد لا يكون الوصف ملحميًا على غرار أوصاف الشاعر الإيطالي الشهير دانتي، لكن ربما يتمكن صحفي متخصص في الحروب أن يصفه بطريقة أفضل، فهو باختصار «طريق قديم بين رام الله والقدس، تبطنه ثروة ضائعة، وآمال منسية، وديار كانت ذات يوم عزيزة، وئدت جميعها مع انتصاب الجدار»، تقول «أميرة» مشيرة إلى هذا الجانب البائس من الجدار: «إن لم يكن ذلك صادمًا، فلا أعرف ما هو الصادم حقًا»، تتحدث «أميرة» حول الجدار وما أحدثه في حياة أناس عاشوا حيث شُيِّد قائلة «إنه تهديم وتدمير لحياة الناس، إنه نهاية العالم، أترى هنا! نحن في الطريق المؤدي مباشرة إلى القدس، لا يغرنك حاله الآن، لطالما كان طريقًا مزدحمًا، ويمكنك أن تشهد إلى أي مدى استثمر الناس في بناء منازلهم، حيث الرشاقة والمتانة والأحجار المستخدمة، أنظر إلى اللافتات باللغة العبرية؛ إذ اعتاد الفلسطينيون الذين كانوا هنا ذات يوم استقبال العملاء الإسرائيليين، حتى أن لافتة «النجار» كتبت بالعبرية».

لكن الآن، أغلقت كل المتاجر تقريبًا، وكذلك المنازل، وملأت الأعشاب والحشائش حواف الأرصف المتكسرة، ففي هذا الجانب من الجدار تجد رسومات وكتابات على الجدران يرثى لها، وشمس حارقة بلا رحمة، وتختلط أحجار الجدار الرمادية برمادية السماء الحارة، فلا تعد تفرق بينهما، تقول «أميرة»: «إنه مثير للشفقة»، وتضيف بتبلد مشاعر «دائمًا اصطحب الناس لأريهم هذا المكان، دائمًا، ربما ما يزيد على المائة مرة، لكنه في كل مرة يصدمني، ولم أعتده إطلاقًا».

جدار يخفي الفلسطينيين

يقول «فيسك» إن بمجرد أن تعتاد على وجود مياه الصرف الصحي في هذا الجانب، تعتبرها مناسبة بطريقة ما، فهو أشبه بمكان حيث نضب الخيال، ولم يخلف سوى بركة صغيرة قاتمة، وجدار رمادي اكتسب طابع العصر.

ويضيف أن «الصمت هنا ليس قمعيًّا كما قد تشبهه الروايات الأدبية»، لكنه يتطلب توضيحًا بشكل أو بآخر؛ فماذا يخبرنا الجدار تحديدًا؟ تقول «أميرة»: «يدرك الجدار جيدًا أنه لا يستطيع طرد الفلسطينيين؛ فصار محتمًا عليه إخفاؤهم، عليه أن يواريهم عن الأنظار، قد يخرج بعض الفلسطينيين للعمل لدى اليهود، وينظر لذلك أنه بمثابة إسداء المعروف لهم، لكن من ناحية الإسرائيليين، هم لا يدخلون تلك المناطق إطلاقًا، فهم ليسوا بحاجة إليها، هي ليست سوى قمامة ومياه صرف صحي في نظرهم. تتمحور فكرة الجدار حول مدى قوة حاجتنا إلى النقاء، وكم عدد الأشخاص الذين شاركوا في هذا العمل العنيف؟» وتضيف أن البعض سيدعون بأن الجدار شُيِّد بسبب الهجمات الانتحارية، إلا أن في حقيقة الأمر، وحسب وصفها «وُضِع الأساس القانوني، والبنية التحتية البيروقراطية لهذا الفصل العنصري قبل تشييد الجدار، لذا فإن الجدار هو نوع من التعبير التصويري، أو التجميلي لقوانين الفصل التي كانت موجودة من قبل».

يخبرنا «فيسك» أن «أميرة» صحفية إسرائيلية، وابنة مجتهدة بلا كلل، لأم بوسنية ذات انتماء حزبي، من بين النساء اللاتي اضطررن إلى وهب أنفسهن إلى «الجستابو»، ولأب عضو في رابطة النشطاء اليهود الرومانيين الناجين من المحرقة، ويعتقد «فيسك» أن معتقداتها الاشتراكية أكسبتها صلابة وشجاعة الماركسية. وحسب رأيه، يرى «فيسك» أنها ابنة الحرب العالمية الثانية، على الرغم من أنها ولدت بعد مرور 11 سنة على موت هتلر، ويعتبر أنه على الرغم من قلة عدد متابعيها من الإسرائيليين، ربما من حسن الحظ أنها ما تزال تعمل لدى صحيفة هآرتس.

يذكر «فيسك» أحد المواقف التي مرت بها والدتها، فبينما هي في طريقها من محطة القطار إلى بيرجين بيلسن عام 1944، صدمت لدى رؤية تجمع ربات البيوت الألمانيات اللاتي جئن لمشاهدة محاكمة الأسرى المقهورين، وكيف شاهدنهم من بعيد خلسة، أما عن «أميرة»، يقول «فيسك»: «أظن أنها قد تكتفي بالمشاهدة من من بعيد؛ إذ شبت معتادة على الكره والإساءة من شعبها، لكنها تتمتع بنظرة واقعية أيضًا».

تخبره «أميرة» أن «لا يمكننا نسيان أن الجدار في فترة معينة كان يخدم الدور الأمني المباشر المنوط به»، وهي على حق؛ إذ توقفت سريعًا حملة التفجيرات الانتحارية عقب بنائه، إلا أن الجدار كان أيضًا أداة للتوسع، إذ تسلل متعديًا على الأراضي العربية التي لم تعد جزءًا من دولة إسرائيل، فضلاً عن المستعمرات الشاسعة التي متوقع أن تحتضن ما يقرب 400 ألف يهودي في الضفة الغربية.

أوسلو ليست اتفاقية سلام

ترتدي «أميرة» نظارات مستديرة تجعلها أشبه بأطباء الأسنان الذين يدرسون في أسى وتهكم وكآبة حالة أسناننا، أنهت للتو مقالاً مطولاً لصحيفة «هآرتس» سينشر في غضون يومين، وهو بمثابة تشريح شرس لاتفاقية أوسلو عام 1993، والتي تكاد تدلل فيها على أن إسرائيل لم تنو إطلاقًا عقد اتفاق سلام من أجل منح الفلسطينيين حق بناء دولتهم.

وفي الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاقية أوسلو القاتمة، تقول «أميرة» إن «حقيقة البانتوسانية الفلسطينية سواء التحفظات أو الأماكن المحصورة، أنها حقيقة قائمة بالفعل على الأرض، إذ لم ينص أبدًا في أي مكان أن الهدف كان تأسيس دولة فلسطينية في المنطقة المحتلة في عام 1967، ذلك بخلاف ما استنتجه كل من الفلسطينيين والكثير من الإسرائيليين المنحازين للسلام حينها، وكذلك البلدان الأوروبية»، تقول «أميرة» في مقال لها منشور على صفحات هآرتس أن المشكلة تكمن في «محرري النسخ، وأصفهم بالأطفال؛ إذ يتغيرون كل عامين تقريبًا، ومع كل مجموعة جديدة تتلقى نفس السؤال: أنى لك تعرفين أن أوسلو لم تكن اتفاقية سلام؟ والآن تفتخر الصحيفة بأن أحدًا ما فهم الأمر على نحو صحيح من البداية، فقبل عشرين عامًا كانوا يعتقدون أنني فقدت صوابي».

سجن خمس نجوم

هكذا يقع المرء هنا تحت وهم أنه ليس محتلاً.. في سجن خمس نجوم، فالحدود واضحة للغاية، لكن الناس داخل تلك الحدود اعتادوا على نوع من الحياة الطبيعية التي يصعب عليهم التخلي عنها الآن.

وتستمر جولة «فيسك» مع «أميرة» حول ما تطلق عليه «السجن ذو الخمس نجوم»، إذ يتوقفان على رأس مدينة رام الله «العاصمة شبه الرسمية المؤقتة للدولة الفلسطينية التي لم تقام بعد»، وعادة ما تتخيل «أميرة» أن لو كائنًا فضائيًا –لا يفقه شيئًا عن الصراع الدائر في المنطقةهبط على الأرض من الفضاء الخارجي، وتحديدًا في الضفة الغربية، حتمًا سيلاحظ هذا الكائن خزانات المياه السوداء فوق أسطح منازل الفلسطينين؛ لأن مياههم تأتي في حصص محددة من السلطة الفلسطينية، بينما المستوطنات الإسرائيلية مدعمه بشبكات المياه الرئيسية؛ «فلا داعي للقلق»، بحيث صارت المستوطنات أعلى التل «خصبة للغاية، ومغرية للغاية وهواؤها عليل»، منازلها ذات أسقف حمراء منحدرة على الطراز الأوروبي، وحسب تعبيرها «الآن صار بإمكان أغنى العائلات الفلسطينية محاكاة طابع منازل محتليهم ذات الأسقف الحمراء».

وتتخيل مجددًا نفس الفضائي، وتقول «يرى الفضائي مدينة رام الله المترامية الأطراف، والمنازل الفاخرة… توجد هنا سينمات، ومتاجر، وأعمال تجارية، انظر للسيارات التي هناك! إذا رآها الفضائي، على الأرجح سيتعجب (أين المشكلة؟ ولماذا تشتكون من الاحتلال؟)، وهكذا يقع المرء هنا تحت وهم أنه ليس محتلاً في هذه الرقعة الضيقة، داخل مكان مسيج أو قفص، في سجن ذي خمس نجوم، فالحدود هنا واضحة للغاية، لكن الناس داخل تلك الحدود اعتادوا على نوع من الحياة الطبيعية التي يصعب عليهم التخلي عنها الآن».

وتضيف «في الأساس، هم يدركون أنهم إن انخرطوا في موجة جديدة من المقاومة، فإنهم سيخسرون ما لديهم، حتى وإن كان قليلًا للغاية، سيخسرون تلك الحياة الطبيعية، ولعل أفضل الأدلة التي تبرهن على هذا النوع من الحياة الطبيعية الفلسطينيون ذوي الجنسية الإسرائيلية، الذين يأتون أسبوعيًا لتلك البانتوستان الفلسطينية هربًا من العنصرية الإسرائيلية، والعجرفة التي يواجهونها يوميًا داخل اسرائيل، يأتون إلى هنا هربًا، ليكونوا في أجواء فلسطينية بالكامل».

أي مقاومة لا تستحق!

يؤكد «فيسك» أن هذا التحليل للوضع في تلك البقعة قد يكون قاسيًا، لكنه بالتأكيد ليس فارغًا تاريخيًا، تقول «أميرة» إن «الفلسطينيين يعلمون أن هذا ليس استقلالًا، لكنهم يقيمون حساباتهم بأن الأمر لا يستحق، فخلال السنتين أو الثلاث سنوات الماضية، شارك بعض الشبان في عمليات طعن، وذهب بعض الطلاب إلى نقاط التفتيش للاشتباك مع ضباط الجيش الإسرائيلي فيها، بالطبع تعاطف الناس معهم، لكن لم تخرج جماهير مؤيدة لمواجهة الجيش، لم يمنعهم الخوف وكذلك لم تمنعهم الشرطة الفلسطينية؛ فالآن تحديدًا مع انقسام الفلسطينين بين فتح وحماس، تزامنًا مع أمريكا ترامب الآن، يقتنع الفلسطينيون في أعماق إدراكهم السياسي أن في خضم كل تلك الظروف، لا داعي أن تضحي بنفسك من أجل لا شيء».

تقود «أميرة» سيارتها، وتمر بقاعدة عسكرية، وتشير بإصبعها إلى سور كتب عليه بالألوان «اليهود ارتكبوا تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول، هل لمثل تلك الكتابات أو الادعاءات أن تجرم المجتمع الفلسطيني خارجيًا في عيون الغرب؟ لكن إن نظرت مجددًا ستجد رسومات أخرى على الجدران، ففي قرية فلسطينية صغيرة، تبعد حوالي 200 متر عن مستوطنة إسرائيلية تدعى بيت إيل، تلتقط الكاميرات الخارجية الموجهة تجاه السياج، توجد بعض الكلمات التي كتبت على حائط أحد المنازل الفلسطينية بعد أن داهم المستوطنون القرية، كتب بالعبرية «اليهودية والسامرية» في إشارة للضفة الغربية، و«ستسفك دماء».

الجدار أمر بشع واقع على الطريق المؤدي إلى القدس، لكنه للفلسطينيين «نهاية العالم».

«عائشة فارا» أمرأة فلسطينية تبلغ من العمر 74 ربيعًا، دعت كل من «فيسك» و«أميرة» ليروا سقف منزلها حيث تحطم الزجاج الشمسي بالحجارات الصغيرة التي أطلقها مجموعة من الطلاب الإسرائيلين الدينيين قبل ثلاث أيام. تحدثت «عائشة» عن الشباب الذين ألقوا الحجارة على منزلها قائلة: «جاء اللصوص قبل غروب الشمس، وحرقوا الأشجار ثلاث مرات»، وأضافت «لكن اللصوص لا يبقون في نفس المكان للأبد، والناس المشتتون في جميع بقاع الأرض سيعودون إلى ديارهم بإذن الله»، وتؤكد في حديثها «تسألوني من هم المستوطنون؟ حسنًا، أنتم من أرسلتموهم، كل شيء مسجل على الكاميرات، فلتسمع الخنازير الأمريكية أننا لسنا الهنود الحمر»، وبعد أن استمعت «أميرة» جيدًا لها، تقول «إن التاريخ لعائشة هو بمثابة سلسلة طويلة مطردة من قرارات الطرد والإبعاد».

يعتقد «فيسك» أن تلك المقابلة أثرت في «أميرة»، فمثل تلك القصص صارت فارغة مذ أن صارت جزءًا من سياق الحياة الطبيعية، والأحداث اليومية، كرمي الحجارة أو الحرق، واستعمار جديد، وبالطبع فإن امتيازات المواطن الإسرائيلي هي جلية للغاية، تقول «أميرة»: «عندما قصفنا، كانت الأمور أسهل لأنني كنت متواجدة بصحبة الجميع، وهو أمر يمكنني استشعاره؛ فالخوف من القنابل أمر مشترك بين الجميع بالطبع، لكن «الإغلاق» على سبيل المثال هو أمر لا تستوعبه «أميرة» بحال من الأحوال، وتضيف «بالنسبة لي، الجدار أمر بشع واقع على الطريق المؤدي إلى القدس، لكنه للفلسطينيين «نهاية العالم»،عندما أذهب إلى القدس لا يمكنني إخبار الجيران بأنني ذاهبة إلى هناك، وأحيانا أشعر بالخزي، لأن القدس بالنسبة كالقمر –بعيد المنال-».

وفي ختام جولتهما، يتساءل «فيسك» هل ستعيش «أميرة» كل ما تبقى من حياتها بين فلسطينيي الضفة الغربية، باعتبارها الصحفي الإسرائيلي الوحيد الذي يراسل من هنا، فتجيبه «لم أفكر أبداً في أنني قد أعيش في البيرة ، لكنها الآن صارت المدينة التي عشت فيها فترة أطول من أي مكان آخر»، وتضيف «لم أخطط لذلك أبدًا، لكنه ما حدث واقعيًا، وأعلم تماما أنه إذا ما حدث شيئ، واضطررت للمغادرة، سواء كان بسبب التوقف عن العمل، أو أن يسرحنى الإسرائيليون أو حتى الفلسطينيون، في كل الأحوال لن أتمكن من العودة والعيش مجددًا بين جيران وأحياء اليهود النقية، سيحتم على أن أذهب إلى عكا، أو حيفا حيث يعيش فلسطينيون».

وبينما انطلق «فيسك» في طريق العودة إلى القدس، أو إلى «القمر»، يشكر «أميرة» على رحلتها الغنية أكاديميًا وصحافيًا، وعلى إطلاعه أيضًا على أحد رسائل الكراهية التي أرسلها لها بعض الإسرائيلين، والتي عقبت عليها قائلة «لدى ميل إلى أن أقول للناس ما لا يريدون سماعه».

* مترجم عنI asked Israel’s only journalist in Palestine to show me something shocking – and this is what I sawللكاتب Robert Fisk

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *