ميخائيل نعيمة: إن شاء الله

 

ما وقفت مرة على منبر إلا تمنيتها أن تكون الوقفة الأخيرة. لأنني في كل ما أقوله للناس، أحاول أن أفرغ وجدي في وجدانهم، و راحي في أرواحهم، فتصدني منهم طبلة الأذن عن شغاف القلب، و حدقة العين عن بؤبؤ البصيرة. فأترك المنبر و كأني ما بحت بوجدي إلاّ لأزيد في وجدي، و لا قدمت راحي إلاّ لأغص براحي. و لكم تمنيت لو كانت الحكمة كلمة عن لساني لأذيعها للناس، أو للمعرفة سراجاً في يدي لأقدمها للناس. لكن الحكمة خرساء، و المعرفة عمياء، و كلتاهما في عالم أقصى من السمع و البصر- عالم قد يكون من الكلام دليل عليه، لكنه أوسع من أن يستوعبه أي كلام.

في ذلك العالم يتعانق الإله و الإنسان، و يندمج الجماد و الحيوان، و يمتزج الزيت بالماء، و تلتصق الأرض بالسماء. هنالك لو فتشتم عن غدكم لوجدتموه في أمسكم، و عن مهدكم لاكتشتموه في رمسكم، و عن والدكم للقيتموه في ولدكم، و نفسكم لألفيتموها في كل نفس.

هنالك لا قبل و لا بعد، لا فوق و لا تحت، لا شناعة و لا جمال، لا حرام و لا حلال، لا وزن و لا قياس، بل آزال تنتهي بآباد، و آباد تنتهي بآزال، و روح منبث في كل منظور و غير منظور، و “هنالك” ليست غير “ههنا” بيد أن الناس لا يبصرون. و لأنهم لا يبصرون ترونهم قد جعلوا لحياتهم قياساً، و أصغر ما فيها أكبر من أن يقاس. و رتبوا لها أثمانا، و أبخس ما فيها أثمن من أن يثمن. و أقاموا الحدود و الفواصل بين أعضائها، و أعضاؤها جسد واحد لا يتجزأ. لذلك كانت أيامهم حبلى بالشدائد و لياليهم مثقلة بالهموم. و لو أنهم أبصروا الحياة ببصائرهم لا بأبصارهم لما كان لهم من همّ سوى هم الانعتاق من كل همّ. و لو أنهم طلبوا الانعتاق لوجدوا أن لا سبيل إليه إلا بطرح مقاييسهم العوجاء و موازينهم الجوفاء، و نكران مشيئتهم العمياء من أجل المشيئة الكلية المبصرة، و إفناء ذاتهم المحدودة في ذاتهم التي لا تحدّ.

ألستم تسمون مَن شارككم في دم أبيكم و أمكم و لحمهما، و رضع الثُّدىَ التي رضعتم، أخاً لكم أو أختاً؟ فكيف بمن شارككم في لحم الحياة و دمها و من يرضع البقاء في كل لحظة من الثديّ التي ترضعون؟

ألستم تقدسون الأخوة و تؤمنون بأن صُلب الأخوة المحبة؟ فما بالكم تؤاخون القليل و تنبذون الكثير؟ و تحبون الواحد و تكرهون الألف؟ إن أخوة كهذه لأخوة مقصومة الصلب لا تنزّ إلا القيح و الوجع. إن محبة كهذه في عينها رمد و في أمعائها هواء أصفر. و ما زلتم معرضين عن الأخوّة الصحيحة و المحبة الصحيحة، ظلت حياتكم أرجوحة للحزن و الألم و ميداناً للصراع و النزاع. أما الأخوة الصحيحة، فهي في تلاشي المحبّ في المحبوب.

ألستم تمشون على الأرض، فتحملكم و لا تنوء بكم و لا تئن؟ فما بالكم تحملون الأرض فتنوءون بها و تئنون، ثم تشكون الأرض إلى السماء، و السماء ما كلفتكم يوما بأن تحملوا الأرض، بل كلفتها أن تحملكم، و هي تقوم بوظيفتها خير القيام؟

 

ألستم تتهافتون على قصاع الحياة؟

 

فما بالكم تهربون من قدور الموت؟ و لو لم تكن قدور الموت مملوءة أبداً لكانت قصاع الحياة فارغة أبداً. أتخافون الموت؟ إذن فكيف تركنون إلى الحياة و أنتم عارفون أنها تقودكم إلى الموت؟ من كره الموت فليكره الحياة، و من أحب الحياة فليحب الموت. فما الموت إلا حقل الحياة و لا الحياة إلا بيدر الموت.

 

لكنني أقول لكم إنّكم لو أنفقتم العمر في الشكر لربّ الحياة و الموت لكنتم مع ذلك إلى الكفران أقرب منكم إلى عرفان الجميل.

 

ها هو العالم من حولكم يكاد يختنق بالدخان الذي تثيره أوهامه، بأن الحياة سلعة تباع و تشرى أو تغتصب بحدّ السيف. و أن البعض يأخذ منها أكثر من الآخر، و أن هذه الكتلة من الناس أحقّ ببركات الوجود من تلك أو هاتيك.

 

يا ويل هذا العالم من غروره! فهو يدعي المعرفة و ما يزال بعيداً حتى عن عتبتها.

 

ما قولكم، لو كان أحدكم ربان سفينة في بحر، في صبي لا يعرف شيئاً عن تركيب السفينة و الميناء التي جاءت منها و الميناء التي تقصد إليها، يأتي الربان قائلاً بلهجة الأمر: “أعطني الدفّة”؟ ألا يضحك الربانُ منه و يسير بسفينته إلى المنياء التي يريد؟ ما قولكم لو كان أحدكم قاضيا على منصة الحكم، و جاءه غرّ لا يعرف من الشرع شيئاً، و لا مَن و لا الغاية من وضعه، و قال بلهجة العارف: “دعني أبتّ في الدعوة التي بين يديك”؟ ألا يسخر به و يمضي في دعواه؟

فكيف بالحياة التي لا حدّ لأعاليها و لا قرار لأعماقها و لا نهاية لعجائبها، يقوم في وجهها أحد أبنائها القاصرين- الإنسان- و في يمناه ميزان و في يسراه ذراع و يقول لها بلهجة السيد المتعنت: “بهذا الميزان، و بهذه الذراع أريد أن أصحح ما اختلّ من موازينك و مقاييسك.” ألا ترون أن الحياة تربت بحنوّ على كتفه، ثم تجرعه من الشقاء على قدر غروره، كيما يفيق من غروره؟

 

هكذا يشقى العالم بغروره و سيظلّ في شقائه إلى أن يتعلّم ما تعلّمه هذا الشرق من زمان ثمّ نسى معناه- إلى أن يتعلم قول “إن شاء الله”.

 

فالمشيئة لا تكون بغير معرفة، و المعرفة لا تكون بغير مشيئة، بل إن المعرفة هي المشيئة، و المشيئة هي المعرفة، أمّا الجهل فلا مشيئة له.

 

كيف لمن يجهل من أين أتى أن يشاء إلى أين يمضي؟ أم كيف لمن لا يعرف علّة وجوده أن يحتم هذه الغاية، أو تلك لوجوده؟ كيف لمن لا علم له بالأسباب أن يقر النتائج؟ لا. ليس يعرف شيئاً من ليس يعرف سوابق ذلك الشيء من الأزل و لواحقه إلى الأبد. من كان في مستطاعه أن يقول “أنا أعرف” حقّ له أن يقول “أنا أريد”. أما الإنسان الذي ما برح في عالم البدايات و النهايات و القناطير و الفراسخ، فقصيّ عن هذه المعرفة. و مشيئته وبال عليه، كلما عاكست المشيئة الكليّة. فما له، إن هو أراد التخلص من شقائه، إلا أن يقول ” أنا أشاء كيت و كيت، و إن شاء الله كيت و كيت”.

 

لو تعود الإنسان قول “إن شاء الله” بقلبه لا بلسانه لما عتمت المعرفة أن سكبت من نورها في قلبه. و إذ ذاك لآزرت المشيئة العامة مشيئته فأسعدته، بدلاً من أن تسحقها فتشقيه. لكنّه لاهٍ عن مشيئة الحياة المبصرة، و ما في طاعتها من طمأنينة لا تدرك، و غبطة لا توصف، بمشيئته العمياء و ما تبذره في كل يوم من مشاكل و هموم.

 

أوَلا ترون كيف أنه يرهق جسده بتوسيع نطاق حاجاته إلى حدّ لا يطاق، و يخنق روحه بتضييق نطاق حاجاتها إلى حد لا يطاق؟ ما أبسط حاجات الجسد و أقلها لمن يعقلون! فالذي وهب الإنسان الفكر و ما فيه من سحر، و الخيال و ما فيه من قوّة، و الشعور و ما فيه من جمال، لن يبخل عليه برغيف و قميص و مأوى. أوَلا ترون كيف أنه يسعى جهده لامتلاك كل ما تصل إليه يداه، غير عارف أن المالك مملوك ما يملك؟

 

أوَلا ترون كيف أنّه يدأب الليل و النهار في تحصيل ما يحسبه ثروة أو غنى، جاهلاً أن الغني من استغنى عن الشيء لا به، و أن الزيادة في ثروة المادة نقصان في ثروة الروح؟

 

يا للعار أن يصبح مالك الكون مملوكاً لمال أو عقار!

 

يا للخزي أن تغدو صورة الله سلعة في أسواق الكسب و الخسارة و النخاسة و الدعارة!

 

يا للهزيمة أن يهرب مثال الله من الله إلى كهوف الهمّ و مفاوز الشكّ و الشقاء! ألا فرجوا عن صدوركم فأنتم أقوى من الفناء، لأنكم أبناء الحياة التي لا تفنى، و أنتم أغنى من أن تستعطوا، لأنكم ورثة الحياة التي تعطي أبداً و لا تستعطي. أنتم أشد من أن تخور عزائمكم، لأنّكم ذرية الحياة التي لا تعرف الملل و لا الفتور.

 

لا تهتموا بالأسباب لأنكم تجهلون أسباب أي عمل من أعمالكم و فكر من أفكاركم أين تبتدئ، و لا بالنتائج لأنكم لا تعرفون نتائج أي عمل من أعمالكم، و لا أي فكر من أفكاركم إلى أين تمتدّ؛ و اعملوا في حقل الحياة الفسيح، مؤمنين بأنها لن تكون إلا عادلة في كل ما تقضيه لكم أو عليكم، و أنها إذا ما انصرفتم عن كل همّ غير هم من الوصول إلى المعرفة لن تبخل عليكم بالمعرفة، من بعد أن وهبتكم كلّ وسائل المعرفة. و ريثما تدركون ذلك قولوا في قلوبكم، كلما أقدمتم على عمل أو نويتم نية أ ورغبتم رغبة: “إن شاء الله” و الحياة كفيلة بأنكم لن تضلوا المحجّة، التي عندها تستطيعون أن تقولوا: “أنا أشاء لأنني أعرف”.

تلكم في اعتقادي هي محجة المحجات، و الناس كلّهم مدركوها يوماً ما- إن شاء الله!

 

منقول من كتاب « البيادر »

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *