«فورين بوليسي»:تعرف إلى «الاستخبارات مفتوحة المصدر»

صبري هلال

 

قدمت عضوة البرلمان البريطاني إميلي ثورنبيري بيانًا لمجلس العموم، يفيد بأن الاعتماد على ما يسمى بالاستخبارات مفتوحة المصدر التي تقدمها الجماعات الإرهابية المحظورة، ليس بديلًا مقبولًا فيما يتعلق بالتعرف إلى استخدام أسلحة كيميائية في سوريا.

 

أثارت كلمات ثورنبيري الرعب لعدم الدراية الكافية ليس فقط بالوضع في سوريا، بل بكيف أحدثت الاستخبارات مفتوحة المصدر ثورة أيضًا في الاستخبارات على مستوى المملكة المتحدة، والاستخبارات التجارية، والصحافة، ومتابعة الصراعات. ويُعد ذلك مثيرًا للقلق لأن ثورنبيري هي وزيرة الخارجية في حكومة الظل البريطانية، وهو منصب يشغله عضو من المعارضة يختص بمراقبة الشئون الخارجية، وهي من المرجح أن تتولى نفس المنصب إذا ما سيطر حزب العمال على الحكم في المستقبل.

 

في تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، تحدث الكاتب نِك ووترز، وهو مُحلل للبيانات مفتوحة المصدر ويهتم بشكل خاص بالشأن السوري وشبكات التواصل الاجتماعي والمجتمع المدني والاستخبارات والأمن، عن الاستخبارات مفتوحة المصدر، والتي تعرف بأنها مصادر للبيانات يمكن لأي شخص الوصول إليها إذا أراد.

 

يُعد الإنترنت مثالًا على الاستخبارات مفتوحة المصدر، فهو أكبر مجموعة من البيانات مفتوحة المصدر شهدناها. هذا المصدر الضخم ليس مفيدًا لأجهزة الاستخبارات والشركات الخاصة فحسب، فقد أصبح كذلك مصدرًا حيويًا للمعلومات لمنظمات المجتمع المدني لتتبع النزاعات ومحاربة الفساد والتحقيق في الجرائم. في الواقع، تعد الاستخبارات مفتوحة المصدر أكثر موثوقية وقابلية للتحقق من صحتها من قِبل العامة، مقارنة بالمصادر التقليدية المغلقة.

 

وتعد الاستخبارات مفتوحة المصدر مصدرًا راسخًا للمعلومات تستخدمه وكالات الاستخبارات وهيئات إنفاذ القانون على نطاق واسع. استخدمت الاستخبارات مفتوحة المصدر على نطاق كبير لأول مرة أثناء الحرب العالمية الثانية، وتم استخدامها فيما بعد خلال الحرب الباردة، وقد قدمت سياقًا جديدًا وفي بعض الأحيان معلومات رئيسية لم تكن معروفة لدى صناع القرار.

ثورة استخباراتية

 

منذ ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، شهدت الاستخبارات مفتوحة المصدر ثورة؛ إذ ينشر الناس كميات هائلة من المعلومات عن أنفسهم عبر الإنترنت، وقد لاحظت الجهات الفاعلة ذلك. وجدت إحدى الدراسات أن 80% من سلطات القانون الفيدرالي والمحلي وقانون الولايات في الولايات المتحدة استخدموا منصات التواصل الاجتماعي في عام 2014 باعتبارها أدوات لجمع المعلومات.

 

وقد بدأت وكالات الاستخبارات التجارية في تفقد الخزانات الضخمة للبيانات الموجودة على الإنترنت وتحويلها إلى معلومات استخباراتية، كما بدأت منظمات المجتمع المدني في تبني التحقيقات مفتوحة المصدر، واستخدمتها لتتبع انتشار الأسلحة النووية والكيميائية ومتابعة الصراعات وإعلام الصحافة الاستقصائية.

 

وبحسب تقرير فورين بوليسي، فإن من نقاط القوة الرئيسية للاستخبارات مفتوحة المصدر، هو أن مصادرها ومنهجيتها مفتوحة، ومتاحة تمامًا. وبالتالي، يمكن لأي أحد لديه جهاز كمبيوتر متصل بالإنترنت أن يتبع منهجية المحللين ويطلع على نفس المصادر، ويقيّم التقنيات المستخدمة. في الوقت ذاته، لا يمنع ذلك محللي المعلومات مفتوحة المصدر من إجراء تحليل بنفس الدقة المتوقعة من المصادر التقليدية. ومع ذلك، فهذا يعني إمكانية تحديد الأخطاء بشكل أسهل من قِبل الآخرين.

التحقق أولًا

 

البعض، مثل ثورنبيري، قد يشكك في المصادر المستخدمة. ربما يكون حجم هذه المصادر غير معروف، وأحيانًا لا يمكن الوثوق بها، لذلك يتم تحليل المعلومات مفتوحة المصدر والتحقق منها قبل تضمينها.

 

هل يعرض مقطع الفيديو ما يزعُم أنه يعرضه؟ هل سُجِّل في المكان المزعوم؟ وفي أي وقت تم تسجيله؟ هل يتم استغلال مصادر قديمة لحدث جديد؟ كل هذه الأسئلة وغيرها غالبًا ما يتم الإجابة عنها باستخدام أساليب تم تطويرها من قِبل مجتمع المعلومات مفتوحة المصدر. أصبحت عملية تحديد الموقع الجغرافي مركزيةً لعملية التحقق هذه، إذ يتم استخدام التفاصيل في الصور أو مقاطع الفيديو لتحديد الموقع المحدد الذي وقعت فيه الأحداث، وبدقة عالية قد تصل إلى بوصة أو نحو ذلك.

 

بمجرد معرفة مكان الصورة، يمكن التعرف على وقت التقاطها من خلال الظل. ويمكن كذلك الرجوع إلى تفاصيل أخرى مثل سجل الطقس، وصور الأقمار الصناعية اليومية، ومعدّل إنشاء المباني، للتحقق ما إذا كان محتوى الصورة أو الفيديو يتوافق مع ما يزعمه. حتى الزيادة المفاجئة في المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون مؤشرًا على وقوع حدث ما؛ فأدى إلى الإبلاغ الفوري عن الحدث بسرعة تفوق الأساليب التقليدية.

 

يمكن رؤية مدى تأثير هذه الأساليب في التحقيق الذي أجرته «Bellingcat»، وهي مجموعة استقصائية مفتوحة المصدر ويعد الكاتب أحد أعضائها، بشأن قائد عسكري ليبي يُدعى محمود الورفلي. يوضح الفيديو بالأسفل (تحذير: محتوى عنيف) كيف استطاعت المجموعة من التحقق من مواد تصور  إعدامًا جماعيًّا، وذلك باستخدام صور القمر الصناعي والظل وتقنيات تحديد الموقع الجغرافي.

أداة لكشف الحقيقة

 

ويمكن أن يؤدي تحديد مكان وقوع حدث ما بشكل دقيق إلى اكتشافات مهمة. على سبيل المثال، تحديد موقع مقاطع الفيديو التي تصور الغارات الجوية في سوريا، والتي أصدرتها وزارة الدفاع الروسية، توصلت إلى أنه على الرغم من ادعائهم استهداف تنظيم الدولة الإسلامية، فقد أصابت البنية التحتية المدنية في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وكم كان إجمالي عدد الغارات الجوية الروسية التي أصابت أهدافًا من تنظيم الدولة الإسلامية في أول 25 يومًا من الحملة الجوية الروسية على سوريا؟ واحدة فقط.

 

أحد ضحايا هجوم خان شيخون

 

يقول الكاتب إن تلك القدرة على التحقق من المصادر علنًا تتعارض تعارضًا صارخًا مع الطبيعة السرية للاستخبارات الأخرى، والتي تحمي مصادرها وأساليبها. على الرغم من ضرورة السرية في العمليات الاستخباراتية، إلا إن السرية استُخدمت في بعض الأحيان لإخفاء الأخطاء والأحكام الخاطئة. إن طبيعة التحقيقات مفتوحة المصدر، وعملية التحقق الدقيقة التي يستخدمها محللوها، يجعلها موثوقة أكثر من التحقيقات التي تُجرى بالعديد من الأساليب الأخرى.

 

أظهرت ملاحظات ثورنبيري أيضًا سوء فهم مقلق حول المعلومات الصادرة من سوريا. على الرغم من أن سوريا ليست دولة غنية، إلا إنها تمتلك بنية تحتية فعالة من الإنترنت، وقد ازدادت نسبة مستخدمي الإنترنت من المواطنين السورين خلال الصراع، فقد وصلت من 21% في عام 2010 إلى ما يقرب من 30% في عام 2016. أدرك هؤلاء أن الاتصال بالإنترنت هو أحد أهم الأدوات التي يمكن أن يمتلكها المواطن، فمن خلال تسجيل مقاطع الفيديو والتقاط الصور للغارات الجوية وقصف المدفعية، يمكنهم دحض ادعاءات النظام التي صورت سكن مناطق بأكملها باعتبارهم إرهابيين.

 

في الواقع، تأتي الغالبية العظمى من المعلومات المفتوحة المصدر الصادرة من سوريا من المواطنين العاديين والمجتمع المدني. كان المسعفون والأطباء والصحفيون المحليون والناشطون هم من سجلوا مقاطع الفيديو المؤلمة لأطفال خان شيخون الذين اختنقوا حتى الموت بعد هجوم النظام السوري على المدينة بغاز سام. قام عدد كبير من الفاعلين في منظمات المجتمع المدني خلال المناطق التي يسيطر عليها المتمردون بتوثيق جرائم الحرب التي ارتكبها النظام، والتي تضمنت استخدام الأسلحة الكيميائية والقنابل العنقودية وتنفيذ هجمات تتسبب في حرائق، وذلك بدقة شديدة.

 

وقد كان الدفاع المدني السوري، والذي يُعرف بـ«الخوَذ البيضاء»، فعالًا للغاية في توفير تغطية إعلامية متسقة ويمكن التحقق منها؛ لذلك أصبح بعبعًا لروسيا والنظام السوري، وتعرض لحملة تشويه ضخمة وتم استهدافه من خلال الغارات الجوية.

 

بطبيعة الحال، تأتي نسبة من المعلومات مفتوحة المصدر من قِبل المتمردين، وتأتي نسبة كذلك من قِبل النظام وحلفائه؛ لذلك فإن عمليات التحقق التي تجريها مجموعات مثل «Bellingcat» هي في غاية الأهمية. إلى جانب تقديم تفاصيل حيوية يمكن أن تكشف عن عمليات أو أسرار بشكل مباشر، فإن المصادر التي تقدمها الأحزاب تم استخدامها لتتبع أعداد الضحايا، وفهم هجمات السيارات المفخخة بشكل أفضل، وكشف مستوى برنامج تنظيم الدولة الإسلامية للطائرات بدون طيار. أجريت جميع هذه التحقيقات في الغالب على معلومات من مصادر حزبية، ولكن تم التحقق من المعلومات ومعالجتها بطريقة تجعلها تُخرِج منتجًا مفيدًا.

 

لا تزال هذه المصادر الحزبية تحتوي على معلومات مفيدة قد اعترفت بها هيئات دولية مرموقة، مثل المحكمة الجنائية الدولية «ICC» ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية «OPCW». في العام الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية لأول مرة مذكرة اعتقال تستند بشكل رئيسي إلى مقاطع فيديو لعملية إعدام جماعي تم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد استخدمت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أثناء تحقيقها في الهجمات الكيميائية في سوريا، مقاطع فيديو وصورًا مفتوحة المصدر من الحوادث، والتي تحققت منها ثم استخدمتها للتحقق من شهادة الشهود.

 

وقد قام فريق التحقيق المشترك الذي حقق في إسقاط رحلة الخطوط الجوية الماليزية رقم 17، التي راح ضحيتها 298 شخصًا، باستخدام صور وفيديو لتعقب نظام صواريخ بوك الذي أطلق القذيفة التي أسقطت الطائرة. على الرغم من أن الاستخبارات مفتوحة المصدر ليست مثالية، كما هو الحال مع جميع أساليب التحقيق، إلا إنها أداة قوية ومقبولة ويمكن التحقق منها لإلقاء المسئولية على السلطة.

 

يقول الكاتب في نهاية التقرير إن تصنيف ثورنبيري الجهات الفاعلة في المجتمع المدني باعتبارهم إرهابيين ورفض شهادتهم وأدلتهم التي يمكن التحقق منها هو أمر مؤسف، وخاطئ، وغير إنسانيّ. لقد تطورت الاستخبارات مفتوحة المصدر بوصفها أدة قوية تحظى بالتقدير، فهي قادرة على كشف الكثير من الأسرار. في حالة سوريا، تأتي الغالبية العظمى من هذه المعلومات من المجتمع المدني والمواطنين العاديين، إنهم مجرد مواطنين يسجلون الذبح من حولهم على أمل أن يشاهد ذلك شخص ما في أي مكان.

مترجم عنGoogle Maps Is a Better Spy Than James Bondللكاتب NICK WATERS

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *