روبوتات “بشرية” لمحاكاة التجارب السريرية على المرضى

تتسبب الأخطاء الطبية كسوء العلاج أو التشخيص الخاطئ أحيانا في مضاعفات خطيرة للمرضى وفي أسوأ الأحوال وفاتهم. وهذه الظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم، ولا تكاد تقارير وسائل الإعلام تخلو من الأمثلة المروعة عن الأخطاء الطبية التي ذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء.

 

وللحد من وطأة المشاكل المرتبطة بسلامة المرضى، وتجنب قدر الإمكان وقوع الأخطاء الطبية مستقبلا، تسعى المستشفيات وجامعات الطب إلى الاستفادة من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الآلية المتطورة، لمحاكاة الممارسات الإكلينيكية بدقة وتدريب مقدمي الرعاية الصحية وطلاب الطب وتعزيز كفاءاتهم في بيئة افتراضية آمنة.

 

ويعد مجال الطيران من المجالات التي استفادت سابقا من برمجيات المحاكاة المطابقة للنموذج الأصلي، لتدريب الطيارين وتأهيلهم في السلوكيات المتعلقة بمهارات قيادة الطائرة والسلامة وللإلمام بالنتائج متوقعة الحدوث، وقد كانت فكرة جيدة أثبتت جدواها في تقليص حوادث الملاحة الجوية.

 

وعبرت الدكتورة سيسيل منتييل، طبيبة في قسم الطوارئ بمستشفى الأطفال روبرت ديبري، ومديرة مركز المحاكاة الطبية ايليمانس بباريس عن أهمية تجارب المحاكاة في التدريب الطبي قائلة “في الطيران، يستخدم الطيارون المحاكاة للتدرب، وهناك أقل من 10 حوادث في السنة، في حين أن الأخطاء الطبية ستعادل أكثر من حادث في اليوم”.

 

ورغم أن أسلوب المحاكاة قد استخدم سابقا في ميدان الطب، إلا أنه لم يقدم النتائج المرجوة، ولعل السبب يعود إلى استناده على دمى تقليدية من المطاط لا روح فيها، ولا تمثل بيئة مثالية لارتكاب الأخطاء والتعلم منها، وذلك يحول دون تطوير الطلاب ومقدمي الرعاية الصحية لمهاراتهم.

 

ولكن، مع التقدم في علم الروبوت وقوة الحوسبة، اكتست أجهزة المحاكاة التقليدية خصائص بشرية، فهي الآن تحاكي فسيولوجيا جسم الإنسان بدقة عالية، وقادرة على التنفس، ولديها نبضات وعلامات حيوية يمكن قياسها، وتلك الميزات كفيلة بجعل محاكاة المرضى الحقيقيين تبدو أكثر واقعية.

 

وكلما تطورت التكنولوجيا، كلما زادت إسهامات المحاكاة الطبية في معالجة نقاط الضعف التي تكتنف النظم الصحية، وإعطاء القطاع الدفعة التي يحتاجها في اتجاه تطوير المهارات، وحسم المشاكل المحيطة بسلامة المرضى.

 

كلما تطورت التكنولوجيا، كلما زادت إسهامات المحاكاة الطبية في معالجة نقاط الضعفكلما تطورت التكنولوجيا، كلما زادت إسهامات المحاكاة الطبية في معالجة نقاط الضعف

 

وفي الآونة الأخيرة نمت سوق أجهزة المحاكاة الطبية باطراد كبير، ومن بين الشركات الرائدة في هذا المجال، نذكر على سبيل المثال، شركة غومارد ساينتفك بولاية فلوريدا الأميركية، التي تقوم بإنشاء أجهزة محاكاة للتدريب العسكري الطبي وللمستشفيات التعليمية الرئيسية ولمدارس التمريض.

 

وطورت الشركة العديد من أجهزة المحاكاة، منذ أكثر من 60 عاما، بدءا من هيكل عظمي اصطناعي تم تطويره سنة 1946، وصولا إلى الروبوتات البشرية الشبيهة بالمولود والمرأة الحامل والأطفال.

 

ومن بين المنتجات المثيرة للإعجاب، روبوت المرأة الحامل “فيكتوريا”، والروبوت الطفل “هال”. فما الذي يميز هذه الروبوتات؟

 

صممت “فيكتوريا” لتقديم تدريب استثنائي في مجال رعاية المرأة الحامل، وتسهيل العمل الجماعي، وتعميق مهارات التفكير النقدي للإطار الطبي والشبه طبي، وذلك من خلال مجموعة كاملة من الأحداث وسيناريوهات الولادة، والمتعلقة بمضاعفات الحمل المبكر، والولادة عالية المخاطر، وحالات الطوارئ بعد الوضع.

 

وتتميز “فيكتوريا” بصوت يطابق صوت المريض وبأعين تفاعلية توضح علامات الإجهاد، والمعاناة من عدة أعراض كالتشنجات والنزيف والسكتة القلبية، وهذا في حد ذاته يتيح للطلبة استخدام معدات طبية حقيقية.

 

ومنحت “فيكتوريا” الطلاب فرصة ثمينة للتجربة التطبيقية للولادة في بيئة يمكنهم فيها ارتكاب الأخطاء. كما يتميز المولود بعلامات حيوية بالإمكان قياسها، كنبضات القلب والتنفس.

 

وتقوم أجهزة استشعار خفية، بتتبع الأداء الجماعي في الوقت الحقيقي، وجمع بيانات مهمة لتقييم عملية الولادة.

 

 ويسمح التطبيق المصاحب على جهاز لوحي بتعديل العلامات الحيوية لكل من الأم والمولود، واختيار سيناريو من مكتبة (تضم 54 سيناريو) مبرمجة مسبقا.

 

ولمواجهة التحدي المتعلق بالتشخيص والتواصل مع الأطفال الصغار، كشفت الشركة النقاب مؤخرا عن طفل آلي يطلق عليه اسم “هال” بميزات مورفولوجية لطفل عمره خمس سنوات، ويحاكي مشاعر الإنسان كالخوف والبكاء والإجهاد والألم والقلق، وهو قادر أيضا على الكلام والحركة والتثاؤب والنزيف.

 

تحول الروبوتات إلى المخابر الطبية يعطي دفعة للقطاع في اتجاه تطوير المهاراتتحول الروبوتات إلى المخابر الطبية يعطي دفعة للقطاع في اتجاه تطوير المهارات

 

ويوفر الروبوت “هال” للطلاب والمختصين في مجال الرعاية الصحية الفرصة التي يحتاجونها لتطوير مهارات التواصل، وتشخيص وعلاج المرضى من الأطفال.

 

وبذلك، فهو يعد أول جهاز قادر على محاكاة المشاعر من خلال تعبيرات الوجه الديناميكية، كما تسمح العيون التفاعلية والجلد متغير الألوان لـ”هال” بالتعبير عن حالته العاطفية المتفاوتة، والصدمات النفسية والعديد من الأمراض الأخرى. ويمكن التحكم فيه لا سلكيا للدخول في سيناريو السكتة القلبية.

 

وقال مصممو الروبوت في تصريحات صحافية، إنهم تراجعوا عن عملية جعله يبدو بشريا للغاية، حتى لا يصاب الطلاب بالصدمة النفسية بشكل كبير إذا لم تنجح نتائج العملية.

 

ويوجد داخل الروبوت “هال” نظام هوائي ميكانيكي يجعله يتنفس، ويقوم بإخراج ثاني أكسيد الكربون، وتوفر الأنظمة الهيدروليكية دما ودموعا مزيفين، كما تعمل محركات المؤازرة على شد وجهه مما يساعده على أن يبدو غاضبا أو خائفا.

 

ويمكن ربط “هال” بآلات المستشفى الحقيقية، مثل جهاز تخطيط القلب، أو القيام بقياس حقيقي لمستوى الغلوكوز في الدم.

 

وفي بعض الحالات، ينتفخ لسانه وحنجرته، نتيجة الحساسية المفرطة مما يتوجب على المتدربين فتح شق صغير في الحلق وإدخال أنبوب في القصبة الهوائية لإعادة إنشاء مجرى الهواء. يمثل “هال” أداة تعليمية مذهلة رغم التكلفة الباهظة للروبوت الواحد (48 ألف دولار)، فهو يضيف معنى عاطفيا للتدريب، يساعد الطلاب على محاكاة ما قد يواجهونه أثناء تشخيص مريض في عملية حقيقية.

 

وفي هذا الشأن يقول جون ايغرز، نائب رئيس شركة غومارد ساينتفك إنها “أقرب تجربة إلى الرعاية الطارئة للأطفال في العالم الحقيقي المتاحة اليوم”.

 

رغم أن مقدمي الرعاية في حاجة إلى الاستعداد لكل طارئ، لكنهم لا يحصلون سوى على القليل من الممارسة في معالجة والتعاطي مع الحالات النادرة التي لا يواجهونها كل يوم، كما أن الطلاب في حاجة إلى بيئة آمنة تحاكي التجارب السريرية للتعلم منها، لذلك يستبشر البعض من الخبراء خيرا في دور تلك الآلات المتطورة وقدرتها على تعزيز مهارات مقدمي الرعاية الصحية وتغيير مسار القطاع الطبي نحو الأفضل.

 

في المقابل، يرى العديد من المهنيين والأطباء أن تطوير أجهزة الواقع الافتراضي (تلك الشاشات المحمولة على الرأس التي تدمج مرتديها في عالم ثلاثي الأبعاد يعزلهم بصريا عن العالم المادي)، من أجل محاكاة الممارسات الطبية الواقعية سيعود بمنافع كثيرة على الأطباء والمرضى، وستكون الأجهزة أكثر معقولية من ناحية الأسعار.

محمد اليعقوبي

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *