ومن الحب ما يُشترى

دارية المرصاوي

 

أبدع الكتاب والفلاسفة على مر العصور في إعطاء تعريف للحب وتحديد أنواعه، وجادت قرائحهم بألوان من القصائد والنصوص، لكن أكاد أجزم أنهم اتفقوا جميعًا على أن أسمى أنواع الحب هو حب الوالدين لأبنائهما، لأنه شعور فطري ومنزه عن كل المصالح والأغراض، ولذلك جعل الله للوالدين منزلة عظيمة ومميزة دون باقي الأفراد، وحث على برهما وجعل عقوقهما من أقبح الذنوب والكبائر.

 

لكن ماذا لو أصبح حبهما يباع لك؟

 

يباع لك مقابل شروط معينة قد تستطيع أو لا تستطيع الإيفاء بها وأحيانًا يباع لك مقابل التنازل على حقوقك.

 

فكم ترددت على أسماعنا ونحن أطفال عبارات مثل:

 

– (إذا حصلت على درجات عالية في المدرسة فسأحبك!)

 

– (لا تذهب إلى هذا المكان لو أردتني أن أحبك!)

 

– (افعل مثل أخيك إذا أردتني أن أحبك!)

 

– (أنا أحب أختك لأنها تسمع كلامي!)

 

نعلم جميعًا وبدون أدنى شك أن الغرض من هذا التحفيز هو مصلحة الطفل، ولا ننكر أن كل الأمهات والآباء يتمنون لأبنائهم الأفضل ويتمنون رؤيتهم في أحسن المراكز والرتب، لكن ما لا يعلمه الوالدان أن هذا الحب المشروط رغم غايته النبيلة له نتائج كارثية ومدمرة لشخصية الطفل، خصوصًا على المدى البعيد، فالصغير في مرحلة الطفولة لم يتكون لديه بعد الحد الفاصل بين رفض السلوك من طرف الوالدين وفكرة منع الحب عقابًا له بسبب هذا السلوك، والفكرة الوحيدة التي تترسخ في ذهنه هي: أمي لم تعد تحبني! أو أبي لم يعد يهتم لأمري!

 

ولن يبقى الأمر مقتصرًا على الوالدين، فالطفل سيسعى بعد ذلك لكسب حب وتقدير زملائه في المدرسة وأصدقائه وجيرانه، ومقابل ذلك قد يعطيهم مصروفه ولعبه، وقد يتحمل حتى إهاناتهم وسخريتهم منه أي سيتحول شيئًا فشيئًا إلى شخصية سلبية.

 

في مرحلة الشباب، وهي المرحلة الحاسمة في تحديد مستقبل كل فرد، نجد أن الشاب يختار شعبة جامعية غير التي يحبها، والتي لا تناسب ميوله، أو يزج بنفسه في وظيفة لا يرغبها أو زيجة لا يكثرت لها فقط بغية الحصول على رضى والديه، وكم سمعنا أو قرأنا عن حالات كهذه في محيط العائلة أو الأصدقاء، والتي انتهت غالبًا بالفشل الذريع.

 

في الميدان المهني قد يعمل الشخص الذي اعتاد في طفولته على تلقي الحب المشروط أكثر من طاقته للحصول على رضى وتقدير رؤسائه، كما يستغله زملاؤه للقيام بأعمالهم بدلًا عنهم، ومع مرور الوقت تفقد تضحياته بريقها وتصبح مألوفة ولن تقابل بأي تقدير، بل ستقابل بالمزيد من الطلبات والشروط حتى يستنفد الشخص كل طاقاته النفسية والجسدية ويصبح عمله سببًا في الاكتئاب ونوبات الانفعال والأزمات النفسية.

 

أما في مؤسسة الزواج فسيكون هو الطرف الذي يطالَب دائمًا بالتنازلات، وهو الذي يبادر إلى الاعتذار وطلب الصفح حتى لو كان الآخر مخطئًا، ومن البديهي أن العلاقة التي تبنى على التنازلات من طرف واحد مصيرها الفشل عاجلًا أم آجلًا، وهناك زيجات كثيرة انهارت لأنها بنيت على هذا النوع من الحب وغالبًا لا يدرك الطرفان السبب الحقيقي الذي أدى بهما إلى الفشل!

 

من الضروري إذن أن يتقبل الوالدان شخصية الأبناء بإيجابياتها وسلبياتها (طبعًا دون إلغاء ضرورة النصح والتوجيه) وهذا يتطلب منهما التخلي عن النموذج المثالي أو القالب الذي رسماه في ذهنيهما، والذي ينتظران من الابن أو الابنة أن تكون نسخة منه، وأستحضر هنا عبارة رائعة للكاتبة الشيلية إيزابيل ألاند: (فلنتقبل الأطفال كما نتقبل الأشجار بامتنان لأنهم نعمة،لكن لا تكن لك توقعات أو رغبات فأنت لا تتوقع من الأشجار أن تتغير، أنت تحبهم كما هم).

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *