باحث مغربي: الحداثة تقتضي فصل الدين عن السياسة

المسافة الفاصلة بين الدين والحداثة هي مسافة معبرة عن سعي تيارات الإسلام السياسي لاحتكار الحقل الديني واعتباره فضاء مخصوصا لها، ومن ثمة رفض منتجات الحداثة باعتبارها ضربا من ضروب الخروج عن الدين. وهو تضليل اقتضى من الباحثين الساعين إلى تقويض مزاعم الإسلاميين بذل جهد كبير لتكذيبه وبيان أن الدين، والإسلام خصوصا، لا خصومة له مع الحداثة، ولعل أولى خطوات المصالحة بين المجالين (الدين والحداثة) تبدأ من فصل الدين عن السياسة وتحرير الفكر الديني.

 

في الندوة الفكرية التي حملت وسم “الدين والحداثة” التي نظمتها منظمة الجامعة للجميع بمدينة القصر الكبير شمال المغرب نهاية شهر ديسمبر الماضي، فسر أستاذ الفلسفة بالجامعات المغربية، أحمد عصيد المقصود بالدين بأنه ليس ذاك الذي يقتصر فقط على النصوص المؤسسة له؛ النصوص الدينية الأصلية أو الكتب المقدسة، أو كلام الأنبياء فحسب، بل المقصود بالدين هو ذلك المجال الذي يشمل الفكر الديني؛ أي الفكر الفقهي الذي أنتج قراءات وتفاسير وتأويلات للنص الديني، لكن الكثير من الناس في البلاد العربية يخلطون بين الدين والفكر الديني، ويعتقدون أن الكثير من كلام الفقهاء هو من صميم الدين، والدين من كلامهم براء.

 

وأكد أحمد عصيد، الخصم الشرس للإسلام السياسي، أن الدارسين والباحثين لتاريخ الأديان، يعتبرون أن الظاهرة الدينية في عمومها، تشمل النصوص والممارسات والسلوك وتشمل أيضا الفكر المُنصب على قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، لأن ذلك يؤدي إلى ما يعرف بالتشريع الديني؛ أي إنتاج قوانين انطلاقا من تلك النصوص، أو ما يسمى بالشريعة.

 

وأوضح عصيد أن التشريع لا يقتصر وجوده على الدين الإسلامي فحسب، بل هو تشريع موجود أيضا في الديانتين المسيحية واليهودية، وكل ذلك له حكاية خاصة وسياق خاص، مع مفهوم الحداثة، الذي يقصد به الظاهرة الكونية التي انطلقت من أوروبا لتجتاح العالم بكامله، وهي عبارة عن تحولات انقلابية أدت إلى تغيير الفكر، وتغيير وضعية الأديان في علاقتها بالدولة وبالمجتمع، بل أدت أيضا إلى تغيير المعمار المادي وتغيير بنيات الدول والعمل المؤسساتي، وإلى تغيير القوانين وظهور ظواهر جديدة في عدد من المجالات، لم تكن موجودة من قبل.

 

فعندما نقول الحداثة، يسترسل عصيد، فإننا نتحدث عن ظاهرة شمولية تمتد من المعمار والبناء والهندسة، إلى الفكر العلمي والفكر الديني، ثم إلى الإبداع الفني الجمالي، فإلى السلوك الفردي للأفراد في علاقاتهم الاجتماعية، ثم إلى بنية الدولة وتصور الناس لها. وكل هذا يرتبط بالظاهرة التي أضحينا نسميها “حداثة”.

 

وأقر عصيد بأن الكثير من الناس يعتقدون أن الحداثة بدأت مع التكنولوجيات الحديثة، أي مع الاختراعات العلمية، غير أن الاختراعات العلمية هي من نتائج الحداثة وليست المظهر الأول لها، فمظهرها الأول ظهر في الفكر، لأن الحداثة في البداية فكرة انطلقت مع مغامرة العقل العلمي في العصور الوسطى الأوروبية، عندما بدأ التفكير في الكون وفي العالم بشكل مغاير للتصور الديني الكَنسي الذي كانت ترعاه الكنيسة في ذلك الزمان، والذي كان مطابقا للنظرية الأرسطية في علم الكواكب والنجوم.

 

وفسر الباحث نظرية أرسطو في علم الكواكب والنجوم التي كانت تعتقد أن الأرض هي مركز الكون، فجاء كوبرنيكوس، العالم الكنسي، وهو في الأصل رجل دين، وكان أيضا عالما فلكيا ينتقد نظرية الفيلسوف أرسطو، قائلا إن المعطيات التي يتوفر عليها بناء على مراقبة الأفلاك وحركة الأرض والنجوم، تؤكد أن الأرض ليست سوى كوكب من الكواكب الأخرى، وأنها تدور حول نفسها وحول الشمس، وأن الشمس هي المركز الذي تدور حوله كل الكواكب.

 

    الدين، وكل الأديان هي لله وحده، وأثرها يجب أن يتجلى في الأخلاق والمعاملات، لا في أيديولوجيات الهيمنة وقمع الحريات

 

وعلق عصيد لقد حدثت صدمة قوية للفكر الكنسي الديني، الذي كان يظن أنه يرعى المعرفة العلمية من خلال التصور التقليدي للكون، وبالطبع كانت للخطوة الجبارة في مجال المعرفة العلمية لكوبرنيكوس تداعيات بظهور أفكار أخرى مثل فكرة يوهانس كيبلر عن الدوران البيضاوي للأفلاك والكواكب، ثم ظهور اكتشاف غاليليو غاليلي لفكرة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، والذي عوقب من أجلها من طرف رجال الكنيسة.

 

إن الدين، كما الشأن في الدين الإسلامي، كان دائما موطن صراع من أجل لجم الأفواه وتجميد العقول، وبذلك يظهر أنه كان هناك صراع قوي بين مغامرة العقل العلمي في الاكتشاف وبين النظام الديني الذي كان نظاما سلطويا؛ أي أن الدين كان دولة، والحاكم كان في حاجة دائما إلى مباركة رجال الدين لحكمه على الرعية، إضافة إلى مباركة النبلاء لسلطة الحاكم في حكمه.

 

إن المسلمين الذين لم تكن عندهم كنيسة، كان لهم مسجد ودولة خلافة التي كانت دولة دينية، كان فيها الفقهاء يحيطون بالسلطان، يمثلون أهل الحل والعقد، وكانت لهم سلطة قوية لدرجة كانوا يؤطرون المجتمع بكامله، من خلالهم ومن خلال مرجعياتهم الدينية، تماما كما كان عليه الأمر في أوروبا المسيحية خلال العصور الوسطى التي كان ثالوث الحكم فيها للحاكم ورجل الدين والإقطاعي، الذين كلهم يشكلون سلطة في الدولة، وهي “سلطة كانت تعرقل الفكر البشري وتمنعه من التطور باسم الهيمنة الدينية”.

 

وخلص أحمد عصيد في ختام مداخلته في ندوة “الدين والحداثة”، التي جمعته مع أحد السلفيين الجهاديين التائبين، إلى وجوب فصل الدين عن السياسة، هذه الأخيرة التي قال إنها تُفسد الدين ويفسدها هو أيضا، ناصحا السياسيين بالابتعاد عن إعمال الدين لقضاء مآربهم السياسية الدنيوية، قائلا إن الدين، وكل الأديان هي لله وحده، وأن أثرها يجب أن يتجلى في الأخلاق والسلوك والمعاملات، لا في أيديولوجيات الهيمنة والسيطرة وقمع الحريات.

يوسف حمادي

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *