هل يصحّ اعتبار فتح المسلمين للأندلس استعمارا؟- حسام الدين محمد

يفتح موضوع فتح المسلمين للأندلس الكثير من القضايا المثيرة للجدل تاريخياً، من قبيل ما ذكر عن تعاون والي طنجة الإسباني يوليان مع الفاتحين المسلمين ضد ملك القوط المسيحي رودريك، لأنه اغتصب ابنته، وقضية الخلاف بين موسى بن نصير وطارق بن زياد (وبعد ذلك بين بن نصير والخليفة الأموي)، وعودة القائدين الكبيرين إلى دمشق، عاصمة الخلافة حينها، واختفاء آثار طارق بعدها.
ضمن هذا السياق نشر الكاتب الفلسطيني نصري حجاج تعليقا يقول فيه: «اليوم ذكرى تحرير الأندلس من المسلمين. لو كنت إسبانيا من القرن العاشر للميلاد لقاتلت ضد المستعمرين المسلمين. لا فرق بين استعمار واستعمار لا بالتقوى ولا بالفجور»، وقد حصد الكاتب حجما معقولا من التقريظ والموافقة على رأيه.
تُغري التعميمات والمصطلحات الحديثة، كالاستعمار والديمقراطية وحقوق الإنسان، على استخدامها قسرا على أحداث ماضية، لم تكن فيها لهذه الاصطلاحات المعاني التي نتداولها اليوم، كأن يتحدث البعض عن صلاح الدين الأيوبي باعتباره قائداً كرديّاً بالصيغة التي تقدّمها الأحزاب القوميّة الحديثة، أو يتم البحث عن شيوعيين عرب في العصور القديمة، كما بدا أن الباحث اللبناني حسين مروة قد فعل في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»، أو يقال إن الخوارزمي، مخترع (اللوغاريتمات) ولد في الاتحاد السوفييتي (السابق)، أو أن يعتبر نصر الدين الطوسي، الفلكي الشهير، عميلاً سياسياً للمغول لأنه بنى لهم مرصداً فلكيا وأشار عليهم بالأيام المناسبة لغزواتهم إلخ.

مسكوناً بالأفكار الحديثة مثل التقدم والحداثة والمدنية وحقوق الإنسان إلخ… يستسهل العقل البشريّ خلط القضايا والتواريخ والظواهر المعقدة، كما فعلت تلك السيدة النمساوية، التي أخذت حادثة عقد رسول الإسلام محمّد نكاحه على السيدة عائشة بنت أبي بكر، وطبّقت عليها مفاهيم العصر الحديث، وهو ما اعتبرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إساءة للإسلام «لا تندرج ضمن حرية التعبير» (وقد استنكر بعض المسلمين حكم المحكمة هذا وتعاطفوا مع السيدة!).
دفعني التعليق لسؤال نفسي (والكاتب) هل يمكن تطبيق واقعة حصول العرب المعاصرين أمثالنا على جنسيات أوروبية (رغم أن أجدادهم لم يقيموا في أوروبا ثمانية قرون)، على الماضي (كما فعلنا بمفهوم الاحتلال)، فنطبّق مبدأ الحصول على الجنسية «الأندلسية» على المسلمين الذين عاش أجدادهم ثمانية قرون في الأندلس، أم علينا اعتبارهم، بعد 9 قرون من وجودهم، محتلّين يجب مقاتلتهم وإخراجهم من الأراضي التي ولدوا فيها، كما ارتأى الزميل الكاتب؟
تحكّ هذه القضيّة (من حيث الظاهر) على جرح عربي وفلسطيني غائر، فإذا قبل الفلسطيني/ العربي فكرة اكتساب المحتلّ حقّ الإقامة في البلد الذي يحتلّه، فهل يجب أن يقبل أن لأبناء المهاجرين اليهود، الذين ساهموا في احتلال فلسطين بالقوة، حقّاً في الإقامة في فلسطين، وهم الذين حلّ آباؤهم مكان مئات الآلاف (الذين صاروا ملايين الآن) من الفلسطينيين؟ (سمعت هذا الرأي من الممثل الفلسطيني محمد بكري واستغربته حينها، لأنه بدا مقتطعا من سياقه وفيه مماحكة «إنسانوية» لمقاربة صراع دام معقّد).
إذا قبلنا جدلا بهذا السحب خلفاً للمصطلحات والسياقات التاريخية، فهل نستطيع أيضا أن نسأل أيّهما أكثر منطقية: «رفض الاحتلال» أم رفض «الإبادة والتهجير» الذي تعرّض له الموريسكيون (المسلمون واليهود بالمناسبة)؟
بهذا المنطق يبدو تحميل أحفاد المواركة بعد تسعة قرون من العيش في بلادهم وزر فتح (أو احتلال) أسلافهم القدماء للأندلس تجاهلا أيديولوجيا للآلام الجماعية الهائلة للشعوب.
فأيّهما أكثر إنسانية، نتساءل وكلنا رغبة في العدالة، محاسبة الموريسكيين على «الجرم» الافتراضيّ لأسلافهم القدماء أم التعاطف مع المأساة الكبرى التي تعرّضوا لها خلال عشرات السنين من الجور والظلم والقهر: نقض عهود إبقاء أملاكهم وحقوقهم ودينهم، وإلغاء رموزهم الإسلامية ولغتهم العربية وطقوسهم الثقافية وحرق كتبهم، وتنصيرهم بالقوة، ومصادرة أملاكهم واستعباد وقتل الآلاف منهم، وتعريضهم لمحاكم التفتيش التي قامت بتعذيبهم وقتلهم على المحرقة، وتهجير مئات الآلاف الآخرين إلى خارج إسبانيا؟
أيّهما أكثر صحّة ومعنى: تشبيه فتح الأندلس بالاستعمار (وربما بالغزو الإسرائيلي)، أم تشبيه مأساة الفلسطينيين بالتراجيديا الهائلة التي تعرّض لها الموريسكيون؟ وهل يمكن إبراز «جرم» فتح الأندلس في القرن الثامن الميلادي أم أن تغريبة الموريسكيين الهائلة وعملية إبادتهم الطويلة أهمّ وأحق بالإبراز؟
هل يمكننا أيضاً المفاضلة بين «الدولة الأموية الثانية في الأندلس، حين كانت دار العلوم والتحضر في الوقت الذي كانت فيه أوروبا دارا للجهل والهمجية» (باعتبارها حقبة «التنوير» الأندلسيّ) وحقبة «الظلامية» القروسطية الأوروبية التي مثّلتها فترة محاكم التفتيش وما بعدها؟

نشر الباحثان الإسبانيان، أنطونيو دومينغيت أورتيت وبيرنارد فانسون كتابا بخصوص الموريسكيين يقسم مأساتهم إلى ثلاث مراحل: تنصيرهم بالقوة، واضطهادهم الذي أدى لثورتهم، ثم طردهم نهائيا من إسبانيا، ويرى الباحثان أن الصراع المسيحي – الإسلامي لا يستطيع اختزال ما حصل، فقد تحوّل المسلمون خلال فترة طويلة إلى مدجنين ثم إلى موريسكيين، ويستخدم الباحثان الإسبانيان، بالمناسبة، مصطلحا معاصرا، هو العنصرية لتوصيف ما جرى للموريسكيين.
عند سؤالي إيّاه عن الموضوع، قدّم المؤرخ والكاتب الفلسطيني عادل بشتاوي بضع نقاط مهمة للتفكّر والنقاش منها:
1- الأندلس أقدم دولة أوروبية وقد استمرت نحو 800 سنة (حتى تسليم غرناطة 1492).
2- المعروف أن الأندلسيين بقوا في أجزاء من الأندلس حتى بداية القرن السابع عشر قبل ترحيلهم وكان الترحيل بداية انهيار الامبراطورية الإسبانية.
3- أغلب، إن لم يكن جميع، أمهات الخلفاء والأمراء الأندلسيين شماليات (أي قشتاليات وإسبانيات) باستثناء عبد الرحمن الداخل وأمه بربرية.
4- يزور إسبانيا اليوم ملايين السياح تجدهم في غرناطة وقرطبة وبلنسية وغيرها من المدن، وأذكر أنني قرأت مرة أن عدد السائحين في غرناطة يفوق عدد السياح في مصر (في الواقع فإن عدد زوار الأندلس سنويا هو 12 مليون سائح وهو أكثر بكثير من عدد السياح الذين يزورون مصر حالياً: حوالى 8 ملايين).
5- بعض أهم أسماء الأسر الإسبانية عربية: القلعة، البرقوقي، الوادي الكبير، المدور (كنية المخرج السينمائي الشهير بيدرو المودوفار)، وساورا (مخرج فيلم «كارمن» كارلوس الذي قال في مقابلة إن اسمه جاء من كلمة «ثورة» العربية).
لقد أدى «الفتح المعاكس» الإسباني إلى كارثة كبرى للأندلسيين تمثلت بطردهم النهائي من أرض أجدادهم ولكنه، في مقاييس التاريخ الكبرى، أدى إلى كارثة أعظم بكثير، فاكتشاف الإسبان للقارة الأمريكية (في عام سقوط غرناطة نفسه 1492) أدى لعملية إبادة قد تكون الأكبر في تاريخ الجنس البشري لسكان تلك القارة ونهب هائل لمواردها وتأسيس لنموذج متكرر من الاستبداد الاستئصالي الهمجي الذي أدى لإفقار الشعوب التي حكمها الإسبان ولتكرار هذا النموذج سياسيا بشكل أو آخر في الدول الناشئة، وفوق ذلك فإن التبديد الديكتاتوري للموارد حوّل إسبانيا نفسها، في نهاية المطاف، إلى دولة ضعيفة أوروبيا، وقاد لرفض التغيير السياسي الديمقراطي بعد إعلان الجمهورية الثانية عام 1931 الذي انتهى بانقضاض الجنرال فرانسيسكو فرانكو، بالتحالف مع ألمانيا النازية، على الجمهورية وحكمها بالحديد والنار. صراع المسلمين، في هذا السياق التاريخي الواسع، كان مع قوة استعمارية ناشئة أبادت بعد توسعها الملايين ودمرت حضارات إنسانية رفيعة، فهل يختار من يريد محاربة الاستعمار حرب اسبانيا حينها أم إبادة المسلمين؟
لقد خلّف الغزو الإسباني كوارث لم تستطع البشرية النهوض منها بعد، في حين ترك الفاتحون المسلمون لإسبانيا قصورا ما زالت من أهم مراكز الجذب السياحي والآثار التاريخية والمعمارية.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *