مسلمون يشاركون مسيحيين قداسا في كنيسة بالموصل

ترددت ترانيم في كنيسة قديمة بمدينة الموصل العراقية، المعقل السابق لتنظيم الدولة الإسلامية، وذلك أثناء قداس لم يقتصر حضوره على المسيحيين فقط.

 

فقد انضم العشرات من المسلمين للصلوات المسيحية ووقفوا إلى جوار المسيحيين كتفا بكتف، استجابة لدعوة نشطاء طالبوا بتجمع مسلمين لمساندة المسيحيين في قداس بكنيسة مار توما في الحي القديم بالموصل.

 

وفي الكنيسة، التي تعود إلى القرن الثالث عشر والتي استخدمها المتشددون كقاعدة تدريب إبان وجودهم في الموصل، قال الناشط العراقي المسلم بندر عكيدي الذي كان من بين من طالبوا بتجمع الكنيسة إن الحاجز (النفسي) الذي خلفه تنظيم الدولة الإسلامية ترك خوفا لدى جميع الطوائف بالموصل وليس المسيحيين فقط.

 

وأضاف عكيدي (22 عاما)، بينما يبدو الدمار الذي أحدثه المتشددون على الجدران خلفه، “أعتقد اليوم أن هذا البعد الموجود والحاجز الذي خلفه تنظيم داعش الإرهابي يسببان خوفا، ليس فقط للمسيحيين بل لبقية المكونات كذلك. فبالتالي نحن اليوم نحاول من خلال عدة مبادرات تكسير هذه الحواجز. يعني الثقة الآن صارت بالموصل، أعتقد أن الذين جاؤوا إلى الموصل ورأوا الصورة  بأعينهم وعاينوا الوضع اطمأنوا، والكثير من المسيحيين عادوا إلى مدينة الموصل، ليست نسبة كبيرة لكن أعتقد أنها نسبة تطمئن الآخرين”.

 

وانتقم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية، الذين استولوا على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال وغرب العراق عام 2014، من مناطق المسيحيين ونهبوا المنازل والكنائس وحرقوا جميع القطع الأثرية الثمينة وحطموا الآثار القديمة.

 

وأمام تخيير المتشددين لمسيحيي الموصل بين دفع الجزية أو اعتناق الإسلام أو الموت، اختار الكثير من المسيحيين الفرار. ولجأ معظمهم إلى بلدات ومدن قريبة، وسعى كثيرون أيضا إلى اللجوء الدائم في الخارج. وعلى الرغم من إعلان العراق النصر الكامل على المتشددين عام 2017، فإن الأضرار التي لحقت بالكنائس والمنازل والمناطق المسيحية كانت بالغة.

 

وقال المطران جون بطرس، رئيس أساقفة كركوك والموصل، الذي رأس القداس “في الحقيقة إلى حد الآن المستقبل غير واضح وغامض. نحن صريحون نحكي دائما بصراحة لأنه يكفي أن نحكي عن أشياء صحيحة. لماذا غامض؟ لأنه إلى حد الآن الاستقرار غير مستمر وغير مستتب، والخدمات ليست موجودة وكذلك الحياة والرفاهية والإنسان تعود على الكرامة لكنها الآن مفقودة. فالمستقبل إذن غامض. ولن يتحسن الوضع ويصير أوضح إلا عندما نرى استقرارا بالمدينة والدولة تكون قد أخذت زمام الحكم”.

 

عودة الشعور بالأمانعودة الشعور بالأمان

 

وقالت طالبة جامعية تدعى لوينة خالد “صراحة بعد داعش لم يرجع الوضع مثل ما كان من قبل. يعني الناس ظلت تخاف ولا تحس بأمان بعد ما صار ويانا (ما حصل معنا). إن شاء الله نرجع مثل قبل، لكن أكيد لن يرجع الوضع مثل ما كان، الكثير من المسيحيين تهجّروا وذهبوا إلى الخارج ولم يرجعوا إلى مناطقهم، والكثير منهم تأذوا، بيوتهم وقعت واحترقت”.

 

وتقلص عدد المسيحيين في الموصل من 1.5 مليون نسمة إلى نحو 400 ألف نسمة منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في 2003.

 

ومع تحسن الوضع الأمني في العراق بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، احتفل مسيحيو العراق بعيد الميلاد بهدوء بعد أن افتقدوا هذه الاحتفالات خلال السنوات السابقة عندما كانوا مستهدفين من قبل متشددي التنظيم.

 

 وقال مسيحيون إنهم باتوا يشعرون بالأمل، بعد أن كانوا يعيشون في خوف. وفي بغداد ومدن عراقية أخرى، احتفل المسيحيون بالقداس في الكنائس التي تزينت من أجل عيد الميلاد.

 

 وكانت الحكومة قد أعلنت عيد الميلاد عطلة وطنية في العراق. وقال الأب باسيليوس زعيم كنيسة ماركوركيس الكلدانية في بغداد، خلال قداس عيد الميلاد الذي حضره أكثر من مئة من المصلين “أكيد يمكن أن نقول إن اليوم هو أحسن من السنوات التي مضت لأنه نوعا ما نشعر بالأمان والاستقرار خصوصا في العاصمة بغداد بعد القضاء على داعش”.

 

وكان متشددو تنظيم الدولة الإسلامية يهددون بالقضاء على تاريخ المسيحيين الذي يبلغ عمره 2000 عام في العراق. وتعود المسيحية في العراق إلى القرن الأول من العصر المسيحي، حيث يعتقد أن الرسولين توما وتداوس بشرا بالإنجيل على السهول الخصبة لنهري دجلة والفرات.

 

والعراق موطن للعديد من الكنائس الشرقية الكاثوليكية والأرثوذكسية، وهو مؤشر عادة على التنوع العرقي والديني في أي بلد.

 

وتعد مبادرة مشاركة المسلمين للمسيحيين في قداس بكنيسة في الموصل رسالة تسامح وتعايش سلمي في العراق هذا البلد الذي وإن عاد المسيحيون للشعور بالأمان فيه بعد القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية إلا أن التهديدات المتربصة بهم لم تنته بسبب الطائفية التي تمزق البلد.

 

وتمثل الميليشيات الطائفية والأحزاب الدينية الحاكمة التي لا ترحب بالمسيحيين من بين التهديدات التي لا تزال متواصلة لمعتنقي هذه الديانة التي هاجر الملايين منهم من العراق منذ احتلاله عام 2003.

مقالات ذات صله