3 تجارب تخبرك كيف تستخدم الجماعات المسلحة المناهج الدراسية لغسل عقول النشء!

ميرفت عوف

 

ثمة عملية تغيير مقصودة للمناهج الدراسية، تخوضها جماعات مسلحة تسيطر على القرار السياسي في مناطق معينة بالدول العربية، تهدف إلى غسل عقول النشء لخدمة توجهاتها وسياساتها. فوفق أهواء الطبقة السياسية والعسكريين تعتمد تلك الجماعات على أدلجة المناهج لخدمة أهدافها، سواء باستقطاب النشء نحو أفكارها ونهجها السياسي، أو بزرع الكراهية والحقد في نفوس النشء تجاه «أعداء» هذه الجماعات. في التقرير التالي نستعرض ثلاث تجارب لهذه الجماعات.

الحوثيون يغيرون المناهج لـ«الإيمان بمولاي عبد الملك»!

 

«اللهم إنا نتولاك ونتولى رسولك، ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليه: سيدي ومولاي عبد الملك بدر الدين الحوثي، اللهم إنا نبرأ إليك من عدوك، وعدو رسولك، وعدو الإمام علي، وعدو من أمرتنا بتوليه: سيدي ومولاي عبد الملك بدر الدين الحوثي»، هذه الكلمات هي قَسَم الولاية الذي يتلوه تلاميذ مدراس المناطق اليمنية، الخاضعة لسيطرة الحوثيين، يصدحون بأعلى أصواتهم بهذه الكلمات في طابور الصباح الذي يمتد لنحو الساعة.

 

فقد عكف الحوثيون منذ اجتياحهم العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، على العمل بالتوازي مع عملياتهم العسكرية؛ على إعادة صياغة الذاكرة الوطنية اليمنية وغسل عقول النشء في أماكن سيطرتهم، ولتحقيق ذلك انكبوا على تغيير المناهج الدراسية. فبدأوا بتغيرات محدودة مثل تعديل آية قرآنية، أو حديث شريف، أو حذف أسماء الصحابة، أو حتى إلحاق معلومات تطابق رؤيتهم عن ثورة 26 سبتمبر 1962، التي يعدونها انقلابًا على حكم الأئمة.

 

ثم أخذوا بالتركيز على كتب المرحلة الابتدائية؛ لتحقيق الاستحواذ على أفكار النشء من الأصغر سنًّا، ففي هذه المرحلة حذفت دروس لها دورها الديني، والحضاري، والتاريخي، والمجتمعي، وحل محلها دورس تكرس الكراهية والتحريض الذي يخدم أجندة الحوثيين، إذ حرفت المعلومات التي تتعلق ببعض صحابة النبي محمد، الذين نال منهم أصحاب المذهب الشيعي، فأصبحت كتب التربية الإسلامية تتناسب مع المذهب الشيعي الذي يعتنقه الحوثيون، واستبدلت أسماء الصحابة بأسماء تتناسب مع الثقافة المستوردة من إيران، وأضيفت مواد تتعلق بسيرة مؤسس جماعة الحوثيين حسين بدر الدين الحوثي، مقابل حذف بعض النصوص المتعلقة بالخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين بالجنة، أو تخفيفها، أو استبدال أسماء معينة في مناهج اللغة العربية، مثل اسم حفصة بنت عمر وغيرها، بالإضافة إلى إدخال بنود جديدة تدعم وجوب محبة أهل البيت على المذهب الاثني عشرية.

 

ودعمت جهود الحوثيين في تغيير المناهج؛ وجود شقيق زعيم الحوثيين يحيى الحوثي في منصب وزير التربية والتعليم بحكومة الأمر الواقع في صنعاء، إذ أخضع بعض مديرين المدارس لدورات ثقافية ضمن عملية حادة للاستقطاب، متزامنة مع استقطاب فتية المدراس، من أجل تحويلهم إلى موالين، ثم مقاتلين في جماعة الحوثي، بعد غسل عقولهم عبر المناهج وجرهم إلى أفكار الحوثيين، وأدلجتهم عن طريق الدورات والرحلات.

 

ونتيجة لهذه السياسة لا يستبعد المراقبون أن يوجد على الأرض اليمنية جيل كبير يدافع عن الثقافات التي يجري تلقينها للطلاب عبر المناهج الدراسية، خاصة أن هذا الجيل يترك دون إنقاذ بسبب الظروف المستمرة في اليمن منذ سنوات.

 

الأكراد يفرضون القومية الكردية عبر المناهج.. بالقوة!

 

اعتمدت الإدارة الذاتية في المناطق التي تسيطر عليها مليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا على تغيير المناهج الدراسية؛ من أجل فرض فكر الأكراد وسياستهم، عبر ترسيخ نظام تعليمي يستند على فلسفة زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، بوصفه قائدًا للشعب الكردي.

 

فقد أدركت الإدارة الذاتية ضرورة تغيير المناهج لمواكبة تغيرات الساحة السياسية في المنطقة وضمان مصالحها، ففرضت منذ العام الدراسي (2015 – 2016) التعليم باللغة الكردية على المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وهو القرار الذي تسبب في انقطاع 52 ألف طالب بين عامي 2014 و2016 عن التعليم الحكومي؛ رفضًا للغة والمنهج الذي فرض بالقوة على تلك المناطق، ثم قررت في العام الدراسي (2018- 2019) إلحاق المرحلة الثانوية بمناهجها الخاصة في مناطق سيطرتها، وبذلك أصبح المنهج معتمدًا في جميع المراحل الدراسية، بعد أن منعت 3 آلاف مدرسة في عموم المناطق الخاضعة للإدارة الذاتية، من تدريس مناهج النظام من الفصل الأول الابتدائي حتى العاشر الثانوي.

 

وحرصت الإدارة الكردية على أن تتضمن مناهجها فكر أوجلان، مقدمة القومية الكردية على كل القوميات الأخرى في المنطقة، وذلك عبر إلغاء مناهجها لمادة التربية الدينية، واستبدلت بها مادة التربية الأخلاقية التي تتناول تاريخ الديانة الزرداشتية والأيزيدية، وبعض الديانات التي تقدس الطبيعة، وبذلك فُرض على أطفال المناطق التي يشكل المسلمون غالبية فيها غياب مادة الديانة والعقيدة.

 

كما استبدلت بمادة التربية القومية التي بثت أفكار البعث في مناهج النظام السوري، مادة الأمة الديمقراطية التي تقدم أفكار أوجلان، وألحقت تغيرات بمادة التاريخ، كأن يستبدل الحديث عن الدولة الأموية والعباسية بالحديث عن تاريخ الشعب الكردي والسرياني في الجزيرة السورية، وفق منظور الإدارة الذاتية، ولم تنج حتى المواد الجغرافية من هذا التغيير، وذلك بالتلاعب بالخرائط التي أظهرت مقاطعة شمال سوريا (روج أفا)، تلك الفدرالية الديمقراطية التي يسعى الأكراد لإقامتها في شمال سوريا.

 

ويثير تغيير المناهج في المناطق التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» مخاوف من تأثر الأطفال بالأفكار الداعية للعنف وحمل السلاح، كما أثير قلق أولياء الأمور من أثر حذف مادة التربية الإسلامية، ووضع كتب الأديان القديمة البعيدة عن ثقافة سكان المنطقة بدلاً منها، أما عرب الحسكة فلديهم تخوفات مضاعفة من هذا المنهاج الذي يرون فيه أدلجة للتعليم بإضفاء أفكار الأكراد عليه.

الأحزاب الشيعية وراء تغير المناهج في العراق

 

بمجرد سقوط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، شهدت المناهج الدراسية تغيرًا متوقعًا يرتكز على إلغاء ما يخص هذا النظام من تاريخ يمجده أو فكر بعثي يدعمه، مع إضافة بعض الفقرات التي تخص علماء الدين الشيعة.

 

لكن مع وصول أبناء الطائفة الشيعية في العراق إلى سدة الحكم، برز إصرار هؤلاء على تغيير ثقافة العراقيين عن طريق تغيير المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، على اعتبار أنها الوسيلة الأضمن لإخراج جيل محملٍ بالعقائد والأفكار الإمامية الاثني عشرية الشيعية. حتى إذا ما حل عام 2006، كان التعليم الديني قد هيمن على المناهج الدراسية في العراق، وربط المناهج التطبيقية والتعليمية في كافة القضايا التي يتلقاها التلاميذ في المدارس، بعد أن كانت المناهج في عهد صدام حسين تركّز فقط على النصوص القرآنية، مع إخفاء الانتماء المذهبي.

 

وقد عُدِلت المناهج الدراسية تعديلًا شاملًا لتتماشى مع تعاليم ومعتقدات المذهب الشيعي، على اعتبار أن الحكومات المتعاقبة ارتكزت على المحاصصة المذهبية، فجُعلت وزارة التربية من نصيب الأحزاب الدينية الشيعية، والمليشيات الموالية لها التي تسيطر على مفاصل العراق، إذ إن معظم المديرين العاملين في وزارة التربية من «حزب الدعوة الإسلامية»، أحد أكبر الأحزاب الشيعية، أو من التيار الصدري، وعلى سبيل المثال شهدت المدراس العراقية في عهد تولي القيادي في «حزب الدعوة»، خضير الخزاعي وزارة التربية، مظاهر تتناسب مع المذهب الشيعي فقط، وقد عمل الخزاعي، وهو خريج الجامعات الإيرانية، على إحياء المدراس العراقية لطقوس مناسبات دينية من قبيل يوم عاشوراء، ويوم الغدير، ووفاة وميلاد فاطمة الزهراء، وبقية الأيام المهمة لدى الطائفة الاثني عشرية.

 

لم تكتف إيران باستقطاب العراقيين للدراسة في جامعاتها وحوزاتها الدينية في الداخل، بل عمدت إلى حث الحكومات العراقية الموالية لها على تغيير المناهج التعليمية، من خلال إعادة صياغة تاريخ الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك حذف دور الفرس في قتل الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، بشكل يخدم الصورة التي تسعى إيران لترويجها في الداخل العراقي. بينما منحت وزارة التربية العراقية عقود طباعة الكتب المدرسية إلى المطابع الإيرانية.

ساسة بوست

مقالات ذات صله