قريبا.. بدء الحوار الأمريكي البعثي رسميّا!-هارون محمد

برغم العديد من اللقاءات التي أجريت في واشنطن وعدد من الولايات الأمريكية بين ممثلين عن حزب البعث العربي الاشتراكي ومسؤولين أمريكيين في إدارة الرئيس ترامب، وخصوصا في العام الماضي، إلا أنها كانت غير رسمية وبعيداً عن الأضواء، وركزت على تبادل وجهات النظر في أفضل الحلول المتاحة لمعالجة الأوضاع المتردية في العراق، والأمر نفسه ينطبق على الرسائل المتبادلة بين الحزب والخارجية الأمريكية التي لم يتم الإعلان عنها أيضا.

 

رسائل بعثية إلى الإدارة الأمريكية

ووفق مصادر أمريكية وعراقية مشتركة في واشنطن، فإن أكاديمياً مرموقاً، عراقي الأصل أمريكي الجنسية يدرّس في أرقى جامعات الولايات المتحدة، كان أنشط المحاورين مع أعضاء في الكونغرس وقياديين بارزين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقد نجح في إيصال رسائل سياسية مهمة إلى عدد من السناتورات (جمع مجازي لمفردة السناتور)، والقريبين من إدارة الرئيس ترامب، ومسؤولين في وزارتي الخارجية والدفاع، حتى يقال عنه إنه يكاد يكون العراقي الأمريكي الوحيد الذي لا يستمتع بـ (الويك إند) العطلة الأسبوعية، بسبب تنقلاته بين الولايات الأمريكية وكثرة اجتماعاته المتعددة مع المسؤولين والنواب والشيوخ الأمريكيين، وهو هادئ الطبع وقليل الكلام حتى يخيل لمن يراه ويتحدث إليه، أنه معلم في إحدى مدارس جلولاء (مسقط رأسه) وليس مندلي كما نُشر عنه خطأ، بالإضافة إلى بساطته وحلو معشره. وقد لا يصدق من يلتقيه لأول مرة، أن هذا الرجل كان (عراكاً) في شبابه وهو من أفشل بمفرده احتفالاً لحزب الدعوة في إحدى الجامعات البريطانية في العام 1987، وضرب بمطرقة حديد وتسمى بالعراقية الدارجة (جاكوج) رأس منظم الاحتفال حيدر العبادي وأدماه، في وقت هرب (الدعوجية) وتركوا مسؤولهم تنقله سيارة الإسعاف إلى أقرب مستشفى، ويقاد صاحب الجاكوج إلى قسم الشرطة وتحكم عليه محكمة بريطانية بالسجن عاماً واحدا وطرده من الجامعة التي كان يتلقى العلم فيها وترحيله إلى بغداد، ومنها طار إلى أمريكا وحصل على شهادته العليا من إحدى جامعاتها.

وصحيح أن عددا من الأعضاء والكوادر البعثيين ممن يقيمون خارج العراق بخاصة، لا يستسيغون الحوار مع الأمريكيين، ولا يهضمون التفاوض معهم، مستندين في تسويغ مواقفهم، بأن أمريكا هي التي قوضت نظامهم السابق، واحتلت بلادهم، وطاردت قادة حزبهم واعتقلت الرئيس صدام وحاكمته وأعدمته، وقد عاتبني شخصياً عدد منهم في لندن واسطنبول وعمان، لأنهم تصوروا أنني روجت للحوار البعثي الأمريكي في لقاء تلفزيوني مع الزميل أنور الحمداني في قناة (الفلوجة) برغم أني ذكرت معلومات وتحدثت عن توقعات، ولكن الصحيح أيضاً أن غالبية البعثيين في الداخل والخارج يؤيدون المفاوضات بين قيادة حزبهم مع الأمريكيين، ويتحمسون لعقد مباحثات رسمية بين الطرفين، وبعضهم يحبذ التعاون السياسي وما يتفرع منه بين الجانبين، حتى إن قيادياً بعثياً من الفئة الأخيرة قال لي: الآن صرت أتباهى بأبي أحمد -ويقصد عزة الدوري- بعد سنوات من الإحباط ضربت عدداً من البعثيين وأنا منهم، لأن الرجل أثبت أنه برغم أعبائه الثقيلة ومسؤولياته الكثيرة، قائد سياسي وميداني من طراز رفيع، ورجل دولة بمستوى متميز.

الدوري.. ملامح قيادية

وما قاله هذا القيادي البعثي السابق في تقييمه لقيادة الدوري يستند إلى جملة معطيات ظهرت على الساحة خلال السنوات الخمس الماضية عبر تصريحات وخطب ورسائل زعيم حزب البعث الذي بات واقعياً ويتعاطى مع الأحداث العراقية برؤية ثاقبة وعميقة من دون أن يتنازل عن ثوابته الوطنية والقومية، واعترف بشجاعة وعلنا بأخطاء فادحة وسياسات خطرة، ارتكبها نظامه الحاكم، من دون أن يبرر أو يسوغ أو يتهرب، وعزة الدوري وأنا شخصياً هاجمته في مقالات صحفية عدة، وندوات تلفزيونية قبل الاحتلال، حتى إن أحدهم هاج وماج لأني دافعت عن زعيم البعث وهو يتعرض إلى حملات مطاردة وعمليات ملاحقة لم تنقطع، تقودها إيران ومليشياتها الغادرة للقبض عليه، ونشر موالاً أو أبوذية حسب اختصاصه، يذكّر بمقال لي نشرته في عام 2003 أهاجم الدوري سياسياً وأنتقده بشدة، معتقداً بأنني سأنكر مثلاً أو أنفي، وأنا الذي لا يتبرأ من كل كلمة قلتها أو حرف كتبته سابقاً وحالياً وإن شاء الله مستقبلاً، وقد اكتشفت لاحقاً عقب الاحتلال من رفاق للدوري وقريبين منه، أنه كان يعاني ويكظم غيظه، لأن انضباطه الحزبي قاد مساره السياسي والوظيفي، فهو بعثي ملتزم ويرفض كل أشكال المشاكسة والتمرد والانشقاق، ولأنه متدين بصدق فقد مال إلى الصبر وسعى إلى التهدئة في الأزمات، وهو (محضر خير) دائماً في الاجتماعات والمؤتمرات الحزبية، وقالوا أيضا إنه كاد يفقد حياته في عدة أحداث شهدها العراق وحوادث مرت بالحزب، ولكنه ظل صامداً لأنه قدري الطبيعة والنزعة، مؤمن بالله ومقتنع بمواقفه وأدواره دون تردد أو مواربة.

ومن راقب عزة الدوري كسياسي قبل الاحتلال، ومن تابعه كمقاوم عقب الاحتلال، لا بد أنه لاحظ أن ثمة تغييرات طرأت على شخصيته وتفكيره ولغته وكيفية تعاطيه مع الأحداث، وجمعه بنجاح بين المبدئية والواقعية، وهذا يعني في المفاهيم السياسية أنه استوعب تجربة السلطة بايجابياتها وسلبياتها واستفاد من الحالتين، وغادر المنصات الثورية وما تحمله من مبالغات وادعاءات، إلى منابر الاتزان وما تفرضه من آثار ومعطيات تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الجديدة وإفرازاتها، حيث تعامل مع الأحداث القائمة بموضوعية، وحرص على الدم العراقي سواء كان هذا الدم بعثياً أم لخصم سياسي، ورسالته إلى الأستاذ حسن العلوي في العام الماضي حافلة بالمروءة وطافحة بالصدقية في هذا المجال، وفي المقابل لم يسجل عليه أنه تخلى عن بعثيته أو فرط برفاقه، حتى الذين اختلفوا معه ما زالوا يكنون الاحترام له، وأنا شخصياً التقيت بالسيد محمد يونس الأحمد أربع أو خمس مرات عامي 2008 و2009، في دمشق الشام، ولم أسمع منه كلمة تمس الدوري، بل كان يضحك ويقول لي إنه كان محسوباً على (الحجي) ما يعني أن مشاكل تنظيمية وليس خلافات فكرية أو سياسية باعدت بين الاثنين.

إدارة ترامب مستعدة للحوار مع البعثيين

وعودة إلى موضوع الحوار الأمريكي ـ البعثي، فإن المعلومات بهذا الشأن تفيد بأن إدارة ترامب باتت مستعدة للمباشرة به فور انتهاء المباحثات الأمريكية مع حركة طالبان الأفغانية التي اختتمت جولتها الثانية في العاصمة القطرية بنجاح، ووفق مصادر في وزارة الخارجية الأمريكية فإن جنرالا متقاعداً ممن عملوا في العراق، سيتولى رئاسة الجانب الأمريكي في المفاوضات المرتقبة، في حين تشير المصادر البعثية إلى أن قيادة الحزب قد انتهت من اختيار فريق مقابل يضم سياسيين ودبلوماسيين وإعلاميين وأكاديميين وعسكريين بعثيين يقيمون خارج العراق، حرصاً منها على حياة رفاق الداخل وهم يعيشون تحت وطأة المراقبة والملاحقات، يضاف إليه عدد من السياسيين القوميين والديمقراطيين والمستقلين، لإضفاء التعددية على الوفد العراقي الذي سيتم الإعلان عن تشكيلته قبل بدء المباحثات مع الإدارة الأمريكية التي يعتقد أن جولتها الأولى ستكون في واشنطن وبعدها تنتقل إلى عاصمة أوروبية أو عربية يتفق عليها الطرفان.

مقالات ذات صله