معا لننقذ تاريخ “الزومبي”- جودة مرسي

يقول مرابي هذا الزمان ترامب ـ حفيد مرابي البندقية ـ إنه قرأ التاريخ وعرف سريعا أن الجولان إسرائيلية!! ولأن كذبته نطق بها في شهر أبريل كغيره من أشهر الكاذبين الذين اعتادوا مطلع شهر أبريل من كل عام على الترويج لأكذوبة أو مزحة غير متوقعة ليصدقها الناس ثم يوضح مروجوها حقيقتها بنهاية اليوم، ويبرر فعلته بداعي “كذبة أبريل”، لكن هناك كذبة تشابه كذبة ترامب ما زلنا نعيش فيها منذ أكثر من قرن، أو تحديدا منذ ظهور الصهيونية العالمية التي سيطرت على هوليود، ويستوجب توضيحها ونحن في شهر أبريل، فالجميع يشاهد “الزومبي” في سلاسل الأفلام الغربية، وفي برامج الترفيه والمقالب المنتشرة في أوروبا والأميركتين، بل ولاقت رواجا في الوطن العربية وبين الدول الإسلامية؛ لكن لا يعرفون حقيقتها، ولا يدركون أنها استنساخ الحدث الواقعي في صورة خيال علمي لتجريد البطل من ملحمته.

فمع نهايات القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر الميلاديين، احتلت البرتغال البرازيل وجلبت نحو 650 ألف إفريقي من غرب إفريقيا غالبيتهم مسلمون، واستخدمهم البرتغاليون كعبيد لهم، وحاولوا طمس هويتهم الدينية والعرقية، حتى ظهر من بين هؤلاء الأفارقة شاب يمتلك الشجاعة والبأس والقوة والحكمة، ويتمتع بمواصفات القيادة، فتزعم ثورة ضد الرق البرتغالي، وتصدى لحملاتهم القاسية، وتجمع الناس حوله وأحبوه، فازدادت شدة الحرب بينه وبين البرتغاليين حتى انتصر عليهم، وأعلن قيام دولة البرازيل الإسلامية عام 1643 والتي استمرت لمدة 50 عاما؛ وسيطر على 20 ولاية برازيلية، وفي كل مرة كانت تأتي إليه حملة برتغالية مدعمة من القوى الأوروبية كان ينتصر عليهم… هذا الشاب هو “الملك زومبي دوس بالماريس” أو “الملك الزومبي” أو “ملك بالميراس”.

لم تستكن القوى الغربية لدولته ـ رغم فشلهم في مجابهته عسكريا ـ حتى بدأوا يتآمرون عليه ويحاولون إضعاف الدولة من الداخل، عبر نشر الخيانة والجواسيس فيها، إلى أن انتهى المطاف بقتله عام 1695 عن طريق الخيانة الداخلية، وما أن عثر البرتغاليون على جثته حتى مثلوا بها، وقطعوها إربا انتقاما منه، ولبث الخوف والذعر في نفوس البرازيليين والأفارقة المهجرين.

وأطلق سكان أميركا الجنوبية على كل شخص قوي وشجاع بأنه “زومبي”؛ لكن منذ توغل الصهيونية وهيمنتها على هوليود حاولت محو صورة البطل وتصدير صورة مفزعة للشخص “الزومبي” فصورته في الكثير من الأفلام والقصص وألعاب الفيديو والرسوم الهزلية والبرامج التلفزيونية على أنه جثة من عالم آخر تتحرك لقتل ومص دماء البشر، ومع تسارع وتيرة العصر يتسع انتشار فكرتهم، حتى ارتبط اسم “الزومبي” بالموتى أو مصاصي الدماء.

ومن النقاط المضيئة لإحياء تاريخ “الزومبي” أن اعتبره المؤرخ الفلسطيني جهاد الترباني في كتابه “مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ” بأنه من أهم 100 شخصية إسلامية كان لها دور في نشر الإسلام وإقامة دولة إسلامية في أقصى غرب الكرة الأرضية، وأيضا ما زال بعض من أنواع الفلكلور البرازيلي يعتبر الملك الزومبي رمزا للمقاومة وأيقونة للحرية؛ حتى في ظل حملات التضليل الأسود التي يمارسونها لطمس التاريخ، كما أننا أصبحنا بحاجة أيضا إلى توجه حركة النقد والأدب والبحث التاريخي صوب رموزنا وأعلامنا الذين أضاءوا العالم بكفاحهم أو بعلمهم أو بقدراتهم أو بابتكاراتهم أو بخدماتهم التي قدومها للإنسانية.

إذا كانت الصهيونية تظن أنها قادرة على تلبيد السماء بغيوم الكذب حتى يصدقها الجميع، وتصبح واقعا، فإن قنوات المعرفة تجري كالأنهار تحت أقدامنا، فقط تتبقى لنا الإرادة الحقيقية بالنظر إلى الحقائق القريبة منا تحت أقدامنا بدلا من الفزع من سماء بعيدة عنا، فالامثلة من الكاذبين كثيرة وبسطوتهم وقوة مساعديهم يمكن أن يغيروا التاريخ والجغرافيا ويقلبوا الحق إلى باطل.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *