بم سُمي الثقب الأسود الذي رأيناه مؤخرًا؟

منة حمدي

ما طبيعة ذلك الثقب.. وهل وجد العلماء اسمًا له؟!

 

منذ عدة أيام، ضجّ العالم بصورةٍ الأولى من نوعها لثقبٍ أسود، يُقال أنه يقع في مجرة ​​تُسمى «M87» ويبعد عن الأرض بمسافة 500 مليون تريليون كيلومتر، أي 55 سنة ضوئية. وتبلغ مساحته 40 مليار كم -أى ثلاثة أضعاف حجم الأرض- كما تُعد كتلته أكبر 6.5 مليار مرة من كتلة الشمس!

«بويهي».. الاسم الذي أطلقه العلماء على هذا الثقب الأسود!

 

أطلق البروفيسور «لاري كيمورا»، عالم لغويات من جامعة «هاواي هيلو»، اسم «بويهي» Powehi على الثقب الأسود، ويعني الاسم -حسب ما ذكره كيمورا وطبقًا لللغة المحلية لهاواي- «الخليقة المظلمة الجذابة التي لا يمكن سبر أغوارها» أو «مصدر الخلق الجذّاب غير المتناهي».

 

استوحى البروفيسور كيمورا هذا الاسم من النشيد الديني المحلي «Kumulipo»، والذي يعود تاريخه للقرن الـ 18، ويروي هذا النشيد قصة بداية الخليقة.

ما قصة الثقب الأسود إذًا؟

 

بعيدًا عن تلك الضجّة التي أُثيرت حول ذلك الثقب وتلك الصورة، دعنا نتوقف لوهلةٍ ونتساءل ما هو الثقب الأسود في الأساس؟ وكيف ينشأ؟ ومم يتكون؟ وهل يمكننا رؤيته حقًا؟ وكيف توصل العلماء لهذه الصورة من ذاك البعد السحيق؟!

 

حسنًا، دعونا نحلق لأبعد من هذا لنصل للحظةِ الأولى لتكوّن الثقب الأسود لنفهم ماهيته بالتحديد. يعتقد العلماء أن الثقوب السوداء الكبيرة تشكلت عند تشكل الكون. وهناك من يعتقد أن الثقوب السوداء هائلة الكتلة قد تشكلت عند تشكل المجرة. وقد أثبت العلماء أن في مركز كل مجرة كبيرة هناك ثقب أسود هائل الكتلة.

 

أما الثقوب السوداء النجمية فقد تشكلت في نهاية أعمار النجوم الضخمة، حينما تتلاشى الطاقة التي تحافظ على تماسكه واستقراره خلال حياته، وعندما يحدث هذا يتكوّن انفجار مهول مسببًا ما يُسمى بالمستعر الأعظم أو سوبرنوفا (Supernova)، ومخلفًا في مركزه نجمًا نيوترونيًا أو ثقبًا أسود، لكن ما الثقب الأسود؟!

 

يوضح العلماء أن الثقب الأَسود عبارة عن بؤرة مظلمة، تصل فيها الجاذبية إلى مستوى هائل وقوة شد كبيرة بحيث يستطيع أن يجذب إليه كل شيء، حتى إنه يمتص الضوء ولا يستطيع الهروب منه، ويفسر العلماء قوة الجاذبية هذه لأن المادة ضُغطت في مساحة صغيرة وهذا يمكن أن يحدث -كما ذكرنا سابقًا- عند موت نجمٍ ما.

 

في الحقيقة، وطبقًا لما توصل إليه العلماء أن هناك ثقوبًا سوداء صغيرةً وأخرى كبيرةً، ويعتقد العلماء أن حجم أصغرها ربما يماثل حجم ذرة واحدة، ولكن لديها كتلة كبيرة للغاية تصل لكتلة جبل كبير، أما الثقوب السوداء النجمية «stellar» تصل كتلها 20 مرة أكبر من كتلة الشمس وقد يكون هناك العديد من هذه الثقوب في مجرة درب التبانة. أما الثقوب السوداء الكبيرة هائلة الكتلة «supermassive» وهذه الثقوب لها كتلة أكبر من كتلة مليون شمس مجتمعة.

هل نرى ثقبًا أسود؟

 

كما ذكرنا في حزء سابق من هذا المقال أن الضوء لا يستطيع الخروج من الثقوب السوداء، فإننا كبشر لا يمكننا رؤيته فهو غير مرئي. لكن باستخدام التلسكوبات الفضائية مع أدوات خاصة يستطيع الناس رؤية ليس الثقب الأسود! ولكن رؤية كيف أن النجوم القَريبة من الثقب الاَسود تتصرف بِطَريقة مختلفة عن النجوم الأخرى.

 

ولكن قد يمكننا التقاط صورًا للمادة التي تُحيط بالثقب الأسود، وهي تُمثل قرصًا مُضيئًا شديد الحرارة يُطلق الأشعة التي يمكن التقاطها، بالتالي سيظهر الثقب الأسود كأنه كرة سوداء محاطة بكمّ هائل من المادة المضيئة التي تدور حوله، وهو ما حدث تمامًا مع الثقب «بويهي» الذي رأيناه مؤخرًا.

«أُفق الحدث» منطقة اللاعودة

 

أفق الحدث (Event Horizon) أشبه بتلك النقطة قبل الدخول في الثقب. فهو المنطقة حول الثقب الأسود التي تُمثّل الحد الذي لا يمكن لأي شيء -بما فيه الضوء نفسه- أن يفلت منه، لا يستطيع من يوجد في خارجها أن يلاحظ ما في داخلها، فلا يمكننا أن نرى ما يحدث خلف تلك المنطقة.

 

ولتشبيه ذلك، افترض العلماء أنه إذا تم إرسال مركبة فضائية صوب هذه المنطقة، سيحدث ما يسمى بـ«تأثير المعكرونة» إذ سيصبح جزؤها القريب من الثقب الأسود شديد الجاذبية، مما يتسبب في تمدد المركبة الفضائية بشكل عمودي.

كيف رصد العلماء صورة للثقب الأسود «بويهي»

 

استطاع العلماء تكوين أول صورة لثقب أسود من خلال إنشاء شبكة تتكون من ثمانية تلسكوبات راديوية تُسمى بـ«Event Horizon». تم نشرها عبر الكرة الأرضية بأكملها، فهي تتوزع عبر فرنسا والولايات المتحدة وهاواي وغرينلاند وأنتارتيكا وتشيلي والمكسيك وإسبانيا.

 

وفي عام 2017، رصدت شبكة التلسكوبات تلك الثقب الأسود في مجرة M87، وظل العلماء لعامين في تحليل تلك البيانات التي تم رصدها، ومن خلال برامج حاسوبية وخوارزميات تم اكتشافها للتأكد من صحة تلك البيانات وإزالة كل الشوائب التي قد تشوش على مصدر الأشعة التي تحيط بالثقوب السوداء، استطاع العلماء أخيرًا تكوين صورة حقيقة للثقب الأسود.

 

في النهاية، لا يمكننا ذكر الثقوب السوداء ولا نذكر «أينشتاين» فهو أول من تنبأ بوجود الثقوب السوداء من خلال نظريته الشهيرة «النسبية العامة» بشأن ظاهرة الجاذبية فتلك الصورة تُعد دعمًا كبيرًا لهذه النظرية.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *