لن ينهض العراق والمرجعية الشيعية تقود الدولة العميقة !- هارون محمد

أثار الحراك الشعبي في الجزائر والسودان الذي أدى الى عزل قيادتي البلدين المتمثلتين بالرئيسين بوتفليقة والبشير، تساؤلات في الشارع العراقي تباينت بين الإعجاب بقدرة الجماهير في القطرين العربيين على إحداث التغيير، والإحباط من إخفاق العراقيين إحراز قدر من النجاح على طريق الإصلاح، برغم أن الطبقة السياسية الحاكمة في العراق أكثر فساداً وأزيد انحطاطاً من شلّتي الحكم في الجزائر والخرطوم.

ولعل أبرز أسباب إخفاقات الحراك الشعبي في العراق عن تحقيق جزء من أهدافه سواء في العاصمة بغداد أم في البصرة أم المحافظات الأخرى، وقبلها المحافظات العربية السنية، أن الدولة العميقة، التي يقودها من خلف الستار آية الله علي السيستاني (الإيراني) يساعده اسحق فياض (الأفغاني) وبشير نجفي (الباكستاني)، ويرأسها، تنفيذياً، نجله محمد رضا وممثلاه في كربلاء والنجف عبدالمهدي كربلائي وأحمد الصافي ويستقوي بها الآلاف من وكلاء الحوزة ومندوبيها في بغداد والمحافظات، ترفض أي شكل من أشكال التغيير بما يخدم تطلعات الشعب العراقي في مغادرة التخلف والتخندق الطائفي نحو آفاق التقدم والتنمية واكتساب العلم والمعرفة، ورفع مستوى الإنسان العراقي في الميادين المعيشية والتعليمية والثقافية، لأن هذه الدولة، التي باتت لها أذرع في جميع مفاصل البلاد ولها نفوذ في جميع الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات بضمنها العسكرية والامنية، ليس من مصلحتها أن يرتقي المجتمع العراقي إلى مصاف التقدم والنهوض، وينبذ العادات والتقاليد البالية ويترك الخرافات واللطم والبكاء على الماضي، وينطلق بحرية في مسار حياته ووفق خياراته من دون وصاية ولا اكراه.

ويخطيء كتّاب ومعلقون سياسيون عندما يشيرون إلى أسماء عدد من السياسيين الشيعة ويقولون إنهم يديرون الدولة العميقة في الخفاء، لأن الحقيقة الواضحة من خلال الأحداث والوقائع تفيد أن هذه الأسماء مع ما تملكه من نفوذ وسلطة ومال، هي مجرد أدوات  في إطار دولة السيستاني، ولا تستطيع العمل خارج مظلتها، وهي دولة تحولت منذ نيسان 2003 إلى امبراطورية مترامية الأطراف ومتنوعة المهمات وعابرة للقارات، وباتت تملك سلسلة مشاريع واستثمارات تدرُ عليها المليارات، لا تخضع إلى مراقبةٍ ومعفاة من الضرائب والرسوم، فهي تُتاجر في اللحوم والدواجن، ولها ماركات تجارية مسجلة باسمها، وتنشيء المصانع وتستورد السلع من الخارج بلا قيود، وتفتتح مستشفيات، أجور مراجعتها أعلى من أجور المستشفيات الأهلية، وتبني معامل طابوق وموادها من تلال الاخيضر الأثرية، وتطرح في الأسواق بضائع غذائية فاسدة وغير صالحة للاستعمال البشري ولا أحد أو جهة تمنعها، وتستقطع نسباً مئوية من وزارة التجارة عن مستوردات البطاقة التموينية من دون وجه حق، وتتبنى مراقد وهمية تُنسب زوراً وكذباً إلى آل البيت، وتدعو الشيعة إلى زيارتها والتبرك بها، بل أنها تغولت في تغيير سياقات علمية وقانونية واجتماعية، حتى وصل بها الأمر إلى إجبار الكليات العسكرية والشرطوية على تنظيم احتفالات تخرجِ طلابها في عتبات المراقد وتحت قباب الأضرحة، وأداء القسم فيها، بعد تشويه مفرداته المعروفة في حب الوطن والدفاع عنه، إلى عبارات تمجّد المذهب وتعلن الولاء للطائفة، واخترعت أربعاً وستين مناسبة دينية في العام الواحد، تُعّطل فيها الوزارات والدوائر الحكومية والمدارس والجامعات والمصارف والصحف والشركات، وتغلق الأسواق والشوارع والطرق، لتأمين سير الزوار، وزيفت صفحات من التاريخ العربي والإسلامي واعتبرت كثيراً من الأئمة وأولادهم وأحفادهم شهداء قتلتهم سلطات الحكم المتعاقبة، برغم أن أكثرهم ماتوا ـ وفق الروايات والمصادر التاريخية الرصينة ـ حتف أنوفهم وفي فراشهم ووسط عائلاتهم، وكثير منهم كانوا يتلقون المكافآت والعطايا من خلفاء وولاة زمانهم.

ولأن دولة السيستاني العميقة، ليست عراقية الانتماء، وغير عربية الهوية والولاء، فإنها عمدت إلى تقزيم المواطنة العراقية، وقدمّت الطائفية على الوطنية، وسعت إلى تهميش عروبة العراق وعملت على فصمه عن حاضنته القومية، كجزء من الأمة العربية، وسنّت توجيهات ووضعت فتاوى، عدت فيها الشيعة ممن يعتنقون المباديء والأفكار القومية والديمقراطية والليبرالية والعلمانية مرتدين، بينما اعتبرت الســنة، بلا استثناء، من أتباع الخليفة الأموي يزيد بن معاوية أو الخليفة العباسي هارون الرشيد، ولاحقاً تطور الاتهام إلى الوهابية والارهاب والداعشية، مع أن البيئة السنية في العراق تاريخياً واجتماعياً، كانت على الدوام طاردة للدعوات الدينية المتشددة، والدليل أنها لم تهضم أفكار جماعة الاخوان المسلمين برغم قدمها في الساحة العراقية، ولم تتعاطف مع تنظيمات القاعدة وداعش، إلا في حدود ضيقة اقتصرت على متضررين ومضطهدين من السلطات الشيعية.

إن دور الدولة العميقة الخفي في إفساد الحياة العراقية، ليس جدي

مقالات ذات صله