في أن حلفاء أميركا يتمردون على ترامب-مصطفى كركوتي

النظام العالمي الذي صاغ السياسات الدولية منذ ما بعد الحرب الكونية الثانية يتعرض لهزة غير مسبوقة على يد الرئيس دونالد ترامب. ومشاهد ما يحصل راهناً في الشرق الأوسط وغيره من مناطق العالم، لا سيما في آسيا وأوروبا، هي ارتدادات لسياسة ترامب المعنونة «أميركا أولاً». فعلى مدى عشرين شهراً من عمر رئاسته استطاع ترامب أن يحدث قلقاً واسعاً في أوساط حلفاء الولايات المتحدة التقليديين لم يُعرف مثله خلال العقود السبعة الماضية.

 

فسياسة «أميركا أولاً» تعجل عملية تفكك صيغ منظومة العلاقات الدولية في كل المجالات تقريباً، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وأهمها في المجال التجاري. «أميركا أولاً» تعني من الناحية العملية الانسحاب من أزمات العالم ومشاكله كبيرة كانت أم صغيرة، على رغم ما يخلفه هذا الانسحاب من مخاطر ترك فراغات تتيح لقوى عاتية وطموحة المجال للتحرك بحرية في فضائها أو لملئها، مثل ما تقوم به إيران وروسيا والصين وإسرائيل.

 

«أميركا أولاً» تفرض على العالم ومختلف منظماته الدولية، لا سيما هيئة الأمم المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الدولية «نافتا» والأنروا وغيرها حالة من الإرباك والتعقيد غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الكونية. «أميركا أولاً» تخلق مشاكل عدة بدلا من تقديم الحلول. ما يفعله ترامب بالفعل هو تفكيك ما حرصت مختلف إدارات أميركا السابقة على المحافظة عليه في إطار سياسة خارجية متوازنة في التعامل مع الحلفاء.

 

لم يحدث قط منذ إدارة هاري ترومان في 1945 أن أقدم رئيس أميركي على تفكيك أواصر المنظومة السياسية لبلاده، ومعها منظومة علاقاتها مع العالم، مثلما يفعل ترامب. ترومان وضع أسس التعاون الكوني كما شاءته إدارته من خلال تقديم سلة ضخمة من المساعدات التي حُقنت في عشرات المشاريع الاعمارية في اليابان وكوريا وأوروبا إثر ما ألحقته الحرب من دمار، علماً أن ترومان كان قد ساهم في جزء من هذا الدمار، لا سيما في اليابان وكوريا واستخدامه للقنبلة الذرية.

 

وساهمت تلك السياسة بالتفاف حلفاء الولايات المتحدة حول القيادة الأميركية طوال فترة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي حتى ما بعد انهيار هذا الأخير. صحيح أن التحالف الغربي تعرض لاختبارات جدية بعد الانهيار السوفياتي، نتيجة الحرب الأميركية في أفغانستان وغزو العراق والأزمة المالية العالمية في 2008، إلا أنه استعاد بعض حيويته خلال رئاسة باراك أوباما. هذا الأخير أدرك أهمية استمرار النظام العالمي في المحافظة على ثروات ومستويات معيشة وأمن التحالف. ولكن ترامب تبنى بعد استلامه الرئاسة سياسة معاكسة تماماً، بل إنه قاد حملته الانتخابية بناء على وعود تعهد فيها التخلي عن دور بلاده في قيادة العالم ووجه من دون حياء اتهامات إلى حلفاء أميركا بأنهم يستغلون بلاده اقتصادياً وعسكرياً.

 

ومن أول قراراته بعد دخوله البيت الأبيض كان الاعلان عن انسحاب بلاده من ثلاث اتفاقيات عالمية هامة: الشراكة عبر المحيط الهادئ (تي بي بي) واتفاقية باريس للمناخ واتفاق الملف الإيراني. وعلى صعيد التجارة العالمية بدأ وضع أسس إجراءات الحماية وأعرب عن نيته مراجعة معاهدة الناتو، ناشراً بين صفوف حلفاء واشنطن من دون استثناء الشك بالتزام أميركا بمسألة الأمن المشترك. والملاحظ أن الالتزام بأمن وسياسة إسرائيل لم يتعرض لأي إشارة، بل تم التأكيد على تعزيزه (من أشكاله مثلاً نقل السفارة الأميركية إلى القدس).

 

والملاحظ أيضاً تخلي ترامب عن أحد أبرز معالم السياسة الخارجية للولايات المتحدة وهو نشر دعاوى الحرية والديموقراطية، إذ إنه على سبيل المثال لم يأت بكلمة واحدة حول روسيا وسياسات رئيسها التوسعية وحربها الإلكترونية والتجسسية في خطابه الأخير في الجمعية العامة، ما يزيد من قلق حلفاء أميركا في العالم. ومن وجهة نظره وعلى عكس جميع رؤساء أميركا السابقين تقريباً، أوضح ترامب أنه لن يعير الانتباه لمواقف حلفاء بلاده البارزين بشأن سياساته وأنه يميل لاستخدام قوة بلاده الهائلة للتنافس مع الآخرين وليس التعاون معهم. وهو يرى أن بعض حلفاء أميركا التقليديين والبارزين (ألمانيا وبريطانيا مثلاً) باتوا خصوماً ويعتقد أن الولايات المتحدة تستطيع بقوتها الفريدة أن تبني علاقاتها مع الآخرين وفقاً لمصالحها هي فقط.

 

هذا التحول الجذري في سياسة ترامب يدفع الحلفاء إلى إجراء مراجعة شاملة تضمن لهم الحافظة على ثرواتهم وأمنهم، لا سيما إذا ما تم انتخابه لدورة ثانية. وهذا أمر محتمل في ضوء نجاحه في تشجيع وتبني قضايا سياسات شعبوية في أميركا وفي العالم بدلاً من الترويج للعمل الديموقراطي والحرية وحقوق الإنسان. في كل الأحوال وحتى لو لم يفز بدورة ثانية، فالضرر قد حصل في العشرين شهراً من عمر إدارته وسيكون من الصعب على أي رئيس مقبل أن يصلح ما قام به ترامب من أضرار في فترة رئاسته. ما يمكن أن يقيد ترامب ويعطل اندفاعته هو فوز الديموقراطيين بأغلبية مجلس النواب في الكونغرس في الانتخابات النصفية في منتصف الشهر المقبل.

 

بات الحلفاء يدركون الآن أنهم وصلوا إلى نقطة اللاعودة مع الرئيس الأميركي وعليهم التصرف السريع للمحافظة على منجزات بلادهم في العقود السبعة الفائتة، وبخاصة النظام الليبرالي. إن لم يفعلوا ذلك سيكون الثمن باهظاً على اقتصادات دولهم ومستوى معيشة شعوبها. إنها لحظة حرجة تحدث عنها بعض قادة أوروبا البارزين وكانت أولهم المستشارة أنجيلا ميركل التي رأت خطر ترامب الداهم بعد أشهر من فوزه بانتخابات الرئاسة، إذ صرحت بشجاعة بأن الوقت «قد حان للتوقف عن الاعتماد الكامل على الآخرين (أي أميركا)… ونحن الأوروبيون علينا أن نُمسك بمصيرنا بأيدينا». آخر هؤلاء رئيس وزراء بلجيكا تشارلز ميشيل الذي علق على تهديد ترامب بمقاطعة الموقعين الأوروبيين تجارياً على اتفاق الملف النووي الإيراني بقوله «إن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يوافق على طلب أميركا من الشركات الأوروبية مع من يجب أن تتعامل».

 

 

 

مقالات ذات صله