العراق: عن الفساد المتواطئ عليه- يحيى الكبيسي

ظل وعد مكافحة الفساد في العراق شعارا يتردد في البرامج الحكومية التي يقدمها رئيس الوزراء المكلف إلى مجلس النواب من أجل الحصول على الثقة، بل إن الوجوه الأكثر فسادا هي غالبا ما يكون صوتها الاعلى في الحديث عن الحرب على الفساد! لكن الوقائع على الأرض، أثبتت، بما لا يدع مجالا للشك، بأنه ليس هناك إرادة سياسة حقيقية لمواجهة الفساد، لأن الأخير تحول إلى عنصر رئيس في بنية الدولة نفسها، وفي بنية النظام السياسي نفسه، ولعل قانوني العفو اللذين أصدرهما مجلس النواب في الاعوام 2008 و2016 التي شملت المتهمين بقضايا فساد، والمحكومين بقضايا فساد، مجرد مؤشر على هذه الحقيقة، فقد تحول الفساد إلى ظاهرة عامة قادرة على شرعنة نفسها اجتماعيا وأخلاقيا!

كانت لحظة 9 نيسان/ أبريل 2003 لحظة حاسمة في سياق تكريس هذا الفساد، ففي السنوات التي سبقت وصول الرئيس صدام حسين إلى السلطة في تموز/ يوليو 1979، كانت مظاهر الفساد في الدولة العراقية محدودة عموما، وكان ثمة منظومة قانونية/ اخلاقية قادرة، إلى حد بعيد، على الحد من مظاهر الفساد في بنية الدولة، على الرغم من منطق الزبائنية الذي كان حاضرا في مفاصل الدولة. لكن هذا الواقع تغير بعد عام 1979، حيث وجد نمط خاص من الفساد، ارتبط باستغلال رموز العائلة الممتدة لصدام حسين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، للسلطة والنفوذ، بطريقة لم يشهدها أي عهد سابق!

في سنوات التسعينيات، وبسبب ظروف الحصار الدولي الذي فرض على العراق عام 1991، واستمر إلى لحظة الاحتلال في 2003، وبسبب تحلل قوة الدولة، لا سيما في قدرتها على الرقابة والمتابعة، فضلا عن تحلل المنظومة القيمية والاخلاقية بشكل شبه تام في المجتمع، تحول الفساد إلى ظاهرة واضحة للعيان، طالت قطاعات الدولة دون استثناء.

ومع بداية الاحتلال الامريكي للعراق في 9 نيسان/ابريل 2003، حصل تغيير جذري في الدولة نفسها؛ إذ تم «اجتثاث» مؤسسات الدولة جميعها، وقامت( الدولة الجديدة) على قرارات فردية، وارتجالية، وبذلك تحول الفساد من فساد افراد إلى ان يكون جزءا من بنية هذه (الدولة)، إلى حد يمكننا معه ان نتحدث عن ( بنية اقتصاد فساد ) ويكون التوصيف دقيقا جدا.

إن مثل هذه البنية لا يمكن أن تتسق مع شعار الديمقراطية الذي رفع عاليا؛ فالديمقراطية تقوم أساسا على دولة القانون والمؤسسات، وهذا ما لم يتم العمل به في العراق الى هذه اللحظة، والنتيجة شكل ديمقراطي ينقضه بالكامل محتوى قائم على الفساد.

لقد كشفت تقارير المفتش الخاص لإعادة الإعمار الذي عينه الكونغرس الامريكي عن سيطرة الفساد بشكل غير مسبوق على طريقة إنفاق الأموال التي خصصها الكونغرس لإعادة الأعمار في العراق. وتحدث التقرير عن (أكبر فضيحة مالية في التاريخ)، فضلا عن انه أطلق على العراق عبارة منطقة الاحتيال الحر بديلا عن منطقة التجارة الحرة. وتحدثت التقارير عن مليارات من الدولارات التي لا يمكن تتبعها، إذ لم يستطع أن يعثر على أي وثائق تبين آليات صرفها، وقد حدد هذا المبلغ بـ ( 8 مليارات دولار) خلال مدة عام واحد تقريبا، هي مدة ولاية سلطة الائتلاف. بل إن الأمريكيين أنفسهم لم يقدموا أي كشف حساب لطريقة صرفهم لمليارات الدولارات العراقية سواء تلك التي تم الاستيلاء عليها من مخازن البنك المركزي العراقي والمصارف العراقية، أو المبالغ المتراكمة من برنامج النفط مقابل الغذاء الذي منح سلطة الاحتلال صلاحية استخدامها بقرار من مجلس الأمن، والتي تقرب من 20 مليار دولار، ولا يعرف ما إذا ما كان تدقيق صرف هذه الأموال قد تم بالصرامة نفسها التي دققت بها الأموال الأمريكية المخصصة للعراق. خاصة وأن الحكومات العراقية المتتالية: الانتقالية والمؤقتة والحكومات الأربع المتتالية 2006 ـ 2019 لم تهتم إلى حد اللحظة بالتدقيق في طريقة صرف هذه الأموال!

ان بنية الفساد التي حكمت لحظة تأسيس الدولة الجديدة ظلت تعيد إنتاج نفسها بأشكال متعددة وبصيغ مختلفة، مع تواطؤ جماعي لم يوقفه حتى الصراع المحتدم بين السياسيين! وبذلك اصبح الفساد بضاعة عراقية بامتياز، يبدأ من الدولة نفسها ولا ينتهي بأصغر موظف في أي دائرة من دوائر الدولة، على امتداد البلد دون استثناء، الامر الذي أتاح إهدار عشرات مليارات الدولارات بشكل منهجي في عقود ومقاولات مبالغ في أسعارها، و لم تنجز أصلا، وكل ذلك كان يتم بناء على العلاقات القرابية، والحزبية، والمناطقية، والعرقية، والمذهبية، او اعتمادا على العمولات الضخمة التي كانوا يحصلون عليها. وكان اغلب الأشخاص، أوالشركات، الذين حصلوا على هذه العقود، لا يتمتعون بالخبرة او الكفاءة او حتى الامكانيات المادية والفنية.

ونشير هنا إلى ثلاثة تمظهرات للفساد ظل مسكوتا عنها حتى اللحظة!

تمثل المظهر الأول في الأموال الطائلة، التي حصلت عليها الأحزاب/ الشخصيات السياسية التي هيمنت على المجال السياسي في العراق منذ 2003، مع عدم وجود بنية قانونية قادرة على رصد او ضبط حركة رؤوس الاموال. مع كل ما يترتب على ذلك من عدم تكافؤ فيما يتعلق بالسباق الانتخابي، وهو ما يفسر قدرة هذه الاحزاب/ الشخصيات الدائم على إعادة انتاج نفسها برأسمال الفساد.

المظهر الثاني يتمثل في الاعتداء العلني والمنهجي على المال العام، المتمثل في أملاك الدولة، أو الأملاك التي يفترض أن تؤول عائديتها إلى الدولة، حسب القوانين التي أصدرتها هذه النخب السياسية نفسها. إذ قامت الأحزاب وأعضاؤها بالاستيلاء على كل ما وقعت أيديهم عليه من أملاك، وقد شمل الاستيلاء حتى المباني التراثية المحمية بموجب القانون. وهناك خشية حقيقية من تحوله إلى أمر واقع. أي الحصول على هذه الأملاك بطريقة شرعية شكلا، وغير شرعية مضمونا، بمعنى تمليكها لشاغليها من دون بدل أو بدل رمزي، بخاصة مع تفشي ظاهرة (المكرمات) في ثقافة النخب السياسية الحاكمة، ومن ثم فإننا أمام (فرهود) للمال العام تقوم به هذه الطبقة السياسية نفسها.

المظهر الثالث هو اعتماد البنى القرابية والحزبية، والمذهبية، والجهوية، والإثنية، في التعيينات في وظائف الدولة. وقد بدأ هذا منذ اللحظة الأولى لتشكيل الدولة الجديدة.

إن مراجعة أسماء أعضاء مجلس الحكم ونوابهم والوزارات ومستشاريها ومدرائها العامين، تبين بوضوح أولوية هذه البنى على أي معيار آخر في التعيينات. والغريب أن سلطة الائتلاف المؤقتة، كانت شاهد عيان، بل وفاعلا أساسيا في عملية التعيينات هذه، وهو ما يعكس، مرة أخرى، تناقض الدور الأمريكي في العراق بين ارادة الشكل الديمقراطي و السكوت عن المحتوى القائم على الفساد. وقد تكرس هذا الوضع بشكل تام في المراحل اللاحقة، حيث أصبحت العلاقة «العصبوية» بمعناها الخلدوني تحكم المؤسسات الحكومية بلا استثناء، وجزءا طبيعيا من بنية السلطة/الدولة العراقية، خاصة أن الفصل بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة ليس مفكرا فيه في الثقافة السياسية للطبقة السياسية العراقية عموما.

الظاهرة الاهم التي يمكن رصدها هنا في سياق هذا التواطؤ الجماعي على الفساد، هو ما أسميناه ب «الفساد في إطار القانون» أي الفساد الذي يستخدم القانون لشرعنة نفسه! المثال الأبرز على ذلك تمرير الموازنات الاتحادية من دون الاطلاع على الحسابات الختامية للميزانية السابقة كما يشترط الدستور الذي قرر ان « يقدم مجلس الوزراء مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي إلى مجلس النواب لإقراره» (المادة 62). وبدعة «المنافع الاجتماعية» التي استمرت لسنوات، والتي أعطت للرئاسات الثلاث؛ رئيس الجمهورية ونوابه، ورئيس مجلس الوزراء ونوابه، ورئيس مجلس النواب ونوابه، صلاحية صرف ملايين الدولارات من دون الخضوع لأية رقابة او تدقيق!

في الانتخابات الأخيرة، والتي كشف تقرير رسمي صادر عن مجلس الوزراء بأنها شهدت تزويرا واسعا، وقد شرع مجلس النواب قانونا يلزم بإعادة العد والفرز بالكامل، أجهضته المحكمة الإتحادية التي تحولت نفسها إلى سلطة تشريعية وقررت العد والفرز للمحطات والمراكز التي عليها شكاوى فقط؛ حيث الغي العديد من المراكز والمحطات التي ثبت تزويرها، ولكن لا أحد من المزورين تمت محاسبته! ففي محافظة الانبار التي شهدت نسب عالية من التزوير المنهجي على مستوى المحافظات، ألغيت أصوات الكثير من الفائزين، من دون أن يتم معاقبة احد منهم على الأصوات التي ثبت تزويرها و ألغيت!

وألغيت العديد من المراكز والمحطات الانتخابية الوهمية التي استخدمها هؤلاء الفائزون للحصول على أصوات مزورة من دون ان يعاقب أحد! بل إن العقوبات التي وجهت للمسؤولين عن الانتخابات في هذه المحافظة التي ثبت التزوير فيها ألغيت لاحقا بكل بساطة!

أخيرا نتساءل حين يتحول المزورون إلى مشرعين بتواطؤ جماعي، هل هناك حقا من يعتقد ان الفساد في العراق يمكن مكافحته؟

 

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *