سلامة كيلة حيال الطغيان واليسار العربي الكسيح

موسى برهومة

لم يكتف سلامة كيلة، وهو يلوّح للحياة، بأن يعرّي المرضَ الذي نهش جسده، وأنظمةَ الاستبداد والخوف التي صادرت حريته، بل عرّى أيضاً اليسار العربيّ والأحزاب الماركسية التي ألقت بمـــظلومية البروليتاريا في سلة المهملات، وقدّمت الولاء والطاعة للهمجية في أقصى ذراها توحشاً.

 

وفي عهدين يتجليان كحلقتين متتابعتين في سلسلة، سُجن كيلة في عهد حافظ الأسد (1992 – 2000)، بذريعة معاداة «الثورة»، ثم عاود «الأسد» بشار سجنه عام 2012، محافظاً على تقاليد الأب والدولة السورية التي تحوّلت إلى سجن كبير لا يقوى فيه إلا مَن كان مثل سلامة كيلة أن يقول «لا»، متحدياً السجّان، ومنتصراً للمثقف الثوري الحقيقي الذي يعجن القولَ بالممارسة.

 

ولولا أنه شارف على الموت في زمن بشار الأسد، لما أفرج عنه، ولما أبعدته السلطة الغاشمة من سورية، كما أبعدته من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي من بلده فلسطين التي أحبّ أن يدفن فيها.

 

بإرادته الفولاذية وجسده النحيل، قدّم سلامة كيلة نموذجاً للمثقف الماركسي الذي يلتحم بما يؤمن به، فلا يجيد التكتيك في القضايا المصيــــرية المتـــــصـــــلة بالحرية والعدالة والحق. لذا، كان عليه، حتى يواصل اتساقه مع ذاته، أن يصمد في أشد الظروف اللاإنسانية، وفي أكثر الأحوال مهانة، كأن يُجبر على شرب بوله، كما قال كيلة لكاتب هذه السطور، من دون أن يرتجف لسانه وهو يبوح بهذا الألم البشع، ليقينه بأنّ هزيمة القيد، والتطلع إلى شمس الكرامة، يستحقان هذا العناء.

 

لم يكن الراحل سلامة كيلة منظّراً رومانسياً يقرأ الحياة من شرفة أناه المتغطرسة، كما تفعل غالبية المثقفين، بل مضى يشتبك مع الواقع ويعاينه ويحدّق في تفاصيله ويستلهم منه أفكاره ويطوّرها. بهذه الممارسة النزيهة، انحاز صاحب «أطروحات من أجل ماركسية مناضلة» للثورة السورية، ودافع عن مشروع البشر في الانعتاق وتقرير مصيرهم وتنسّم هواء الحرية، والخلاص من الحكم الاستبدادي الذي خنق ببوليسيّته سورية، وحطّم شموخها.

 

ولو لم يفعل سلامة كيلة ذلك، ولو لم يمارس النقد والنقد الذاتي الذي حوّلته الأحزاب الماركسية إلى نكتة سمجة، لما استطاع أن يطوّر النظر إلى الماركسية، ويعمل، سواء وفّق في ذلك أم لا، على «المــــؤاخاة» بين الماركســـية والـــقومــية، بالتالي يتحرّر من السلفية الأيديولوجية التي جعلت الأفكار الثورية أيقونات حجرية لا تتأثر بالظروف والمستجدات وعوامل التعرية.

 

تقدّمَ سلامة كيلة كمثقف «ماركسي يساري قومي» لا يساوم على الحرية، فيما تراجع سواه من قادة وأعضاء الكهنوت الماركسي الذين هاجـــموه وهو مســـجى وقبل أن يوارى الثرى، لأنهـــم رأوا فيه متآمراً ضد «الدولة الــسورية» ومتحالفاً ومستفيداً من دول البترودولار، مع أنّ الذين يعرفون الرجل جيداً، يدركون أنه عاش فقيراً ومات كذلك، لكنّ أكثر «الرفاق» الماركسيين لا يعلمون!

 

في حــياته ومـــماته جــسّد سلامة كيلة روح المقاومة الحقيقية وكافح المرض والاستبداد والاحتلال بسائر صوره سواء كان إسرائيلياً أم استبدادياً طائفياً سورياً، فكان درساً عميقاً للمثقفين العرب، وملهماً لمن تبقى من اليسار النظيف. لهذا، يكتسب رحيله ميزة استثنائية لكونه يتعدى فكرة الموت الذي يطوي صفحة صاحبه، هو انبثاق لحياة متجدّدة تُعدّد روافد الأمل، وتدشّن الدروب أمام مقاومة عنيدة لا تساوم ولا تصالح ولا تفاوض على قضية الإنسان وعذاباته وأشواقه.

 

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *