أطفال الدواعش الذين رفضهم الإزيديون ينقلون إلى أوروبا

تعمل منظمة في السويد على نقل الأطفال الذين يرفض الإزيديون قبولهم إلى السويد ودول أوروبية أخرى.

وتبين أن هناك نحو 350 طفلاً من أب داعشي وأم إزيدية، وقد قرر المجلس الروحاني الإزيدي عدم قبول هؤلاء الأطفال، ويوجد الآن 16 من هؤلاء الأطفال في دار رعاية الأيتام بدهوك.

 

أثارت تصريحات ناشط إزيدي لوسائل الإعلام السويدية سخط ناشطي حقوق الإنسان، عندما قال: “لا يمكن احتضان طفل يدا والده مخضبتان بدماء الإزيديين”، ما دفع بعض الناشطين الكورد والسويديين للعمل على مشروع لنقل أولئك الأطفال إلى أوروبا، وبالدرجة الأولى إلى السويد.

 

سمية، ناشطة كوردية في السويد وصاحبة فكرة المشروع، تقول : “أبدت السويد ودول أخرى أوروبية استعدادها الجاد لاحتضان هؤلاء الأطفال ويجري العمل الآن على قضية 16 طفلاً”، وأضافت: “سنقيم قريباً في إقليم كوردستان، مركزاً شبه سري لمتابعة القضية”.

 

كان والدا (ماريا) ينتظران بشوق نجاة ابنتهما، فانتعشا للقاء ماريا لكن الحزن خيم عليهما عندما عرفا أن لها ولداً. توسلت والدها كثيراً عله يفهم مشاعر الأمومة التي عندها، لكنه قرر تسليم طفلها لأسرة الـ(بابا شيخ) التي قررت تسليمه لدار الأيتام في دهوك.

 

بعد أن هاجم مسلحو داعش، في آب 2014، سنجار وأطرافها وخطف آلاف النساء ليبيعهن في ما بعد في أسواق النخاسة كإماء، احتدم النقاش داخل المجتمع الإزيدي حول كيفية التعامل مع الناجيات من المخطوفات. ثم لجأ الإزيديون إلى المجلس الأعلى الروحاني الإزيدي، وهو أعلى هيئة دينية لهم، لحسم المسألة. فقرر المجلس قبول احتضان الناجيات حتى إن كن قد تعرضن للاغتصاب، ورفض قبول الأولاد الذين ولدوا نتيجة لاغتصابهن. فقد استند قرار المجلس الروحاني على مبدأ في الديانة الإزيدية يقول إن الإزيدي هو من ولد لأبوين إزيديين.

 

هناك ناجيات لا يردن التخلي عن أولادهن الذين ولدوا لآباء من الدواعش، ما يدفعهن لتجنب العودة إلى المجتمع الإزيدي مرة أخرى.

 

لم ترد أن يتولى الدواعش تربية ولدها

 

عندما تعرضت (ي.م) للخطف في آب 2014، كان معها أبوها وأخوان لها وأمها وثلاث من أخوتها، قتل الدواعش أباها وأخويها في سنجار، وفصلوها على أخواتها الثلاث، وبقيت مع أمها سنة ثم أخذها مسلح داعشي يدعى (أبو أسامة) إلى الموصل، اغتصبها وبقيت معه ستة أشهر، إلى أن قتل في قصف جوي.

 

روت (ي.م) قصتها لشبكة رووداو الإعلامية، وهي تقيم في مقر منظمة نسوية، وقالت إن ذوي أبي أسامة اتصلوا بداعش بعد مقتله لحسم مصيرها، وتقول إنها بيعت في سوق النخاسة تسع مرات بعد مصرع أبي أسامة، لتجد نفسها عند (أبو مهند) في الرقة فحبلت ولكن أبا مهند قتل قبل أن تضع حملها، ونجت.

 

عادت (ي.م) إلى أهلها لتخبر زوجة عمها بأنها حامل، وكانت تريد التخلص من الجنين لكن زوجة عمها منعتها، ثم علم عمها بالمسألة وقال لها إنها لا يمكن أن تبقي الطفل بأي شكل في حضانتها، وهكذا تم تسليم المولود عند ولادته لدار الأيتام في دهوك. ليست (ي.م) نادمة على تخليها عن المولود، وتقول: “كيف لي أن أحتضن هذا الطفل؟ لا أريد أن أراه مرة ثانية”.

 

لن تتخلى عن طفليها

 

ليست (ساهرة) مستعدة للتخلي عن طفلها والجنين الذي تحمله، وتقول ساهرة التي تستخدم اسماً مستعاراً: “لي طفل يبلغ عامين، وعمر الجنين الذي أحمله سبعة أشهر”، وتضيف أن الأطفال لا ذنب لهم وأنهم فلذات كبدها لهذا لا تستطيع التخلي عنهم “لن يفرق بيننا غير الموت”.

 

ولا تريد ساهرة، الموجودة حالياً في مخيم الهول، العودة إلى أهلها خوفاً من رد فعل الإزيديين وقرار المجلس الأعلى الروحاني.

 

لم تستطع ترك طفلها

 

يروي مهرب عمل على مدى السنوات الخمس الأخيرة على تهريب الإزيديات المختطفات، قصة واحدة من النساء اللواتي أنقذهن، وكان معها طفل لها من داعشي، ويقول إن (ماريا) البالغة من العمر 17 سنة اتصلت به قبل ستة أشهر لإنقاذها، فحدد لها مكاناً للقاء بها، وذهب مع والديها إلى المكان المحدد.

 

ويقول المهرب: “قبل أن نلتقي بها، اتصلت بي وقالت إن لي طفلاً، فقلت إن أهلك لن يقبلوه، لكنها أصرت على اصطحابه”، فذهب المهرب مع والدي الفتاة إلى المكان المحدد، فقابلت والديها بالأحضان، وقبلتهما، وأخبرت والدها بأنها ذاهبة لجلب وليدها من السيارة، لكن والدها رفض، ثم ذهبت لتودعه وقبلته وصاحت بالله عليك يا أبي دعني أصحبه معي”.

 

رق قلب أبيها، لكن شرط تسليم الطفل إلى أسرة الـ(بابا شيخ) التي عمدت إلى تسليم الطفل إلى دار الأيتام، وقد وافق والد ماريا مؤخراً على السماح لها بزيارته أحياناً.

 

تعرف مسؤولة منظمة (جين) للدفاع عن ضحايا الحروب، جيمن آميدي، تفاصيل قصص بعض النساء اللواتي لهن أولاد من مسلحي داعش، وتقول: “القصص كلها مؤلمة، لكن قصص اللواتي لهن أولاد من الدواعش أكثر إيلاماً”، ثم تروي قصة: “جاءنا رجل وامرأة يحملان طفلاً، عمره عشرة أيام، كان أبوه داعشياً، ولما سلمونا الطفل، احتفظت السيدة بقطعة القماش التي كانت تلف به رأس الطفل، ثم بدأت تشتم قطعة القماش وتبكي. لم يستطع أي منا تحمل المشهد وبكينا جميعاً”.

 

ولكن آميدي تقول إن بعض النساء يتخلين عن أولادهن من الدواعش بسهولة، وخاصة اللواتي هن دون العشرين من العمر، واللواتي لا يردن التخلي عن أولادهن لم يعدن إلى أهلهن حتى بعد القضاء على داعش، كما أن قسماً من اللواتي تخلين عن أولادهن يشعرن بالندم ويرغبن في استعادة الأولاد.

 

ومن بين نحو 350 طفلاً من أب داعشي وأم إزيدية، تخلت بعض الوالدات عنهم، ويعتنى بهم في دار الأيتام أو من قبل أشخاص آخرين، وتم نقل قسم إلى الخارج عن طريق بعض المنظمات، بينما لا يزال بعضهم مع والداتهم في سوريا والعراق وتركيا بانتظار صدور قرار جديد من المجلس الأعلى الروحاني الإزيدي يسمح لهن بالعودة مع أولادهن.

 

300 طفل بلا أبوين

 

توجد في دهوك ثلاث دور للأيتام، اثنتان في مجمعي خانكي وباعدري، وفيهما 300 يتيم كلهم إزيديون، تساعدهم المنظمات الأجنبية والأثرياء الإزيديون. الأيتام المتواجدون في دار خانكي، تعرض ذووهم للخطف من قبل داعش، وبعضهم مات أبوه أو أمه أو كلاهما، وتضم دار رعاية الأيتام والتنمية الاجتماعية في دهوك 250 طفلاً، ويقول مديرها، شيرزاد هروري: “زاد عدد الأيتام في دارنا بعد حرب داعش، ويوجد في دارنا الآن 16 طفلاً لأم إزيدية وأب داعشي”.

 

المشكلة الكبرى التي يواجهها هؤلاء الأطفال هو مشكلة الهوية، لأن آباءهم غير موجودين، كما أن المجتمع الإزيدي ينكرهم، ويقول هروري: “نرفع ملف هؤلاء إلى المحكمة، وعندما يتبين أن آباءهم مختفون، تقدم أسماؤهم لدائرة الأحوال الشخصية لاستخراج هويات لهم، حيث يضاف اسم وهمي للأم وللأب إلى الهوية التي تستخرج لهم”.

 

الأيتام ينقلون إلى أوروبا

 

الناشطة الكوردية في السويد (سمية) تعارض قرار المجلس الروحاني الإزيدي رفض قبول أولاد الإزيديات من الدواعش، وتقول: “هذا يثير استغرابي، فالإزيديون من أقصى اليسار إلى مراكز القرار في مجتمعهم متفقون على العداء لهؤلاء الأطفال الذين هم أصلاً ضحايا حرب”.

 

وتعتقد سمية أن المجلس الروحاني تعرض لضغوط أجبرته على إصدار هذا القرار: “كانت هناك إرادة جيدة في البدء بين الشيوخ وفي المجلس لاحتضان أولئك الأطفال، لكن هناك حركة متشددة بين الإزيديين هددت المجلس وأجبرته على إصدار هذا القرار”.

 

وتقول سمية إنها مطلعة على حالات عدد من النساء اللواتي لا يردن التخلي عن أولادهن: “حياة الأطفال مهددة إلى حد القضاء عليهم، كما تم تهديد النساء اللواتي لا يردن الإذعان لهذا القرار، لذا فإن قسماً من الناجيات مختبئات ويطلبن عدم تسليمهن إلى ذويهن”، ولم تكشف عن المزيد من المعلومات بسبب الظروف الأمنية للحالات والخطط المستقبلية للمشروع، لكن رووداو علمت أنهم يعملون على 26 حالة.

 

أصل المسألة

 

قانون الأحوال المدنية العراقي ينسب الولد إلى دين أبيه، وبات هذا تقليداً، ما قدم للإزيديين ذريعة لعدم قبول أولئك الأولاد، لأنهم سيسجلون كمسلمين وفق ذلك القانون.

 

تقول القانونية بيان ياسين: “القانون العراقي يفرض إلزام الولد بدين أبيه، وسدَّ كلَّ الطرق في وجه تغيير الدين”.

 

وقال الناشط الإزيدي وسام جوهر، في حوار مع قناة إعلامية سويدية: “لا يمكن السماح بأن يعيش طفل داخل مجتمع قتل منه العشرات على يد أبيه”.

 

ويدعم جوهر قرار المجلس الروحاني الإزيدي: “لا يستطيع المجتمع الإزيدي احتضان هؤلاء الأطفال، لأنه أصلاً مجتمع جريح”. في حين أنه يؤيد مشروع سمية: “من صالح أولئك الأطفال أن يجري إبعادهم عن المجتمع الإزيدي وتوفير ملاذ لهم في بلد أوروبي”.

 

السويد قلقة

 

إلى جانب المتطوعين والناشطين، تعمل حكومات السويد ودول أخرى أوروبية وبعض المؤسسات والوكالات الأوروبية الكبرى على مساندة مشروع سمية، لكنهم في نفس الوقت قلقون.

 

فتأييد السويد للمشروع يأتي في وقت تعاني هي فيه مشكلة أخرى، إذ بدأت باستعادة أعضاء داعش وأولادهم، وقبل أسبوعين تسلمت سبعة أطفال يخضعون الآن لعملية إعادة تأهيل وتربية.

 

ومع أن مجتمعات قررت عدم مساعدة الدواعش العائدين، كما تخشى الشرطة منهم وتراقب تحركاتهم، وتظهر البيانات المتاحة لرووداو بأن 150 شخصاً عادوا إلى السويد حتى الآن، لكنهم لم يتخلوا عن التصرفات العنفية بعد عودتهم.

 

وتفيد البيانات بأن 45 من أصل هؤلاء الـ150 ارتكبوا جرائم قتل وسرقة واحتيال.رداو

مقالات ذات صله