“العنصرية” الإسرائيلية في مواجهة “التطرف” اليهودي -جودة مرسي

شهدت إسرائيل مؤخرا احتجاجات شديدة من قبل يهود “الفلاشا” على المعاملة السيئة التي يتلقونها داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يتم التعامل معهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، الأمر الذي وصل لدرجة قيام ضباط بقتل فتى من أصول إثيوبية، وتعترف الحكومة الصهيونية بأن يهود “الفلاشا” يعاملون معاملة غير إنسانية، وأنهم يحصلون على الحد الأدنى من حقوقهم، وهي أمور تعكس مدى هشاشة المجتمع الإسرائيلي وتشرذمه، وأنه على عكس ما يعتقد البعض بأن هناك لحمة وطنية واجتماعية تجمعهم، لكن لا يجمع شتاتهم سوى معاداة العرب والمسلمين فقط، وأنه لولا ذلك لتحولت إسرائيل إلى الحرب الأهلية ما بين الطوائف اليهودية المختلفة.

ما يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي ليس وليد اليوم، بل هو قائم منذ نشأة هذا الكيان فوق الأراضي الفلسطينية، ولكن كم الحروب والصراعات المتوالية التي تخوضها الحكومات الصهيونية المتعاقبة تشعل نشاط السكان اليهود، وتصدر خلاله للمواطن الإسرائيلي مسألة البقاء، وتعتبر ذلك طوق النجاة للإبقاء على هذه “الدولة المحتلة” قائمة، وربما لولا هاجس “البقاء” في منطقة الكل يبغضهم فيها لاستيقظ العالم والشعوب العربية كل يوم على صراع دموي ما بين يهود “الفلاشا” وغيرهم من الطوائف اليهودية العنصرية القادمة من الغرب والتي تنظر إلى “الفلاشا” على أنهم يهود درجة ثانية أو حتى ثالثة.
مرحلة استقطاب اليهود وتجميعهم بدأت منذ أوائل القرن الماضي، حيث تم تسويق أرض فلسطين لليهود بأنها أرض الميعاد التي تجمعهم، وعقب احتلالها عام 1948 بدأت حكومة إسرائيل في اجتذاب اليهود من كل بقاع الأرض ولم شتاتهم وترغيبهم للحياة في فلسطين المحتلة، ونظروا إلى يهود “الفلاشا” النازحين من إفريقيا ـ وتحديدا إثيوبيا ـ على أنهم طائفة أكثر تشددا وتطرفا يحتاجون إلى وجودها لمقارعة العرب في عملية الزحف والاحتلال اليومي للأراضي العربية، وسهلت الحكومات المتعاقبة لهذه الطائفة عملية التسلل عبر الحدود، ودخول إسرائيل بطرق غير شرعية، ومن ثم تقنين أوضاعهم كمواطنين إسرائيليين، لكن ما أن استقرت أمور الدولة العبرية واستكملت بنيانها حتى نضحت عنصريتها وصفح تمييزها، وتحولت النظرة إلى يهود “الفلاشا” على أنهم “عبيد”، وهو الأمر الذي أرق اليهود الأفارقة كونهم أكثر تشددا وعنصرية وتطرفا، فاندلعت احتجاجاتهم ومواجهاتهم مع السلطات المحتلة التي دعمتهم ودعموها.
هذا معناه أن ما يفرق اليهود أكثر مما يجمعهم، وأن بقاءهم واستمرارهم على هذه الحالة لهو من المستحيلات، فدولة بهذه الهشاشة والعنصرية لا يمكن أن يكتب لها البقاء، وإن كان الأمر يتطلب من الشعوب والحكومات العربية الوحدة والاستعداد لمواجهة هذه الطغمة الغاشمة التي تستغل ضعفنا لإشعال الصراعات في المنطقة وداخل الدول العربية، لأن هذا ببساطة هو سبب بقاء واستمرار وتطور هذا الكيان.
وعلى عكس حال الدولة الصهيونية الهشة تبدو الأمة العربية وبالرغم من كل ما يعتريها من أزمات وما يشتعل فيها من صراعات أكثر قوة وقدرة على مواجهة المخططات الصهيونية، بما في ذلك “صفقة القرن” التي تكسرت على عتبة الموقف الفلسطيني الصلد، بالرغم من الحصار المفروض على قطاع غزة والضفة الغربية منذ ما يزيد على عشر سنوات متواصلة، وقد اعترف مهندس الصفقة الفتى الصهيوني كوشنر بأن ورشته للسلام التي عقدت مؤخرا بالمنامة قد فشلت ولم يشفع معها التناول الاقتصادي والتلميح بمليارات الدولارات، وبالرغم من الضغوط والعقوبات الأميركية المفروض على القيادة والشعب الفلسطيني خلال الفترة الأخيرة منذ رئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وإن كنا في حاجة لمزيد من الوحدة سواء على الصعيد الفلسطيني ما بين القوى والحركات المقاومة من جهة والقيادة الفلسطينية من جهة أخرى، بحيث يتم قطع الطريق على العدو الصهيو ـ أميركي الذي يحاول تفكيك العرى الفلسطينية والعربية وبث نار الفتنة والشقاق فيما بيننا، والعودة إلى الثوابت الوطنية الفلسطينية من جديد، الأمر نفسه بالنسبة للحال العربية التي هي في أمس الحاجة إلى نبذ الخلافات والتلاحم ما بين الأنظمة والشعوب للخروج من عنق الزجاجة والاصطفاف في مواجهة المشاريع الصهيونية المختلفة، وتفويت الفرصة على كل القوى التي تحاول النيل من أمننا واستقرارنا، واستغلال حالة المواجهة بين العنصرية المؤسسية التي تمثلها حكومة إسرائيل وبين التطرف اليهودي الذي يمثله يهود “الفلاشا”.

مقالات ذات صله