تجّار الطائفية -أ. د. عبداللطيف بن نخي

كما أن هناك تجّارا للحروب، تتضاعف ثرواتهم خلال الحروب، فإن هناك تجّارا للطائفية، تنمو تجارتهم باستمرار الاحتقان الطائفي، وتبور سلعهم كلما سارت الدولة بخطوات ملموسة نحو التعددية. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتسارع بعض تجّار الطائفية إلى تهوين وتوهين الإنجاز التشريعي التاريخي نحو التعددية الدستورية الذي تجسّد في إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفرية بغالبية ساحقة داخل قاعة عبدالله السالم كما في خارجها.
هناك سببان وراء استنفار وتهجّم البعض على الإنجاز التاريخي: الأول أنه أثبت تقصيرهم في هذا الملف المحوري، خصوصاً أنهم كانوا يمتلكون مقومات إقراره بفضل علاقاتهم المتينة مع معظم النواب والشخصيات والتيارات السياسية. والسبب الثاني هو أنه أسقط مفهومهم المزيّف للوطنية وتعريفهم المغلوط للطائفية. فالوطنية اليوم هي تبني الملفات الحقوقية المعززة للمبادئ الدستورية كالمساواة بين طوائف المجتمع، والطائفية هي التهرب عن تبنيها واختلاق الحجج لعرقلتها تماما كما فعل تجار الطائفية.
نعم، تجار الطائفية تحالفوا مع متطرّفين إقصائيّين على تحريف مفهومي الوطنية والطائفية، وعلى إجهاض وتقويض مشاريع ردم هوّة التمييز الفئوي، بوصفها مشاريع طائفية، واستبدالها بمشاريع أخرى، كما فُعل من قبل مع محاولات سابقة لإقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفرية. وبعد فشلهم في منع المحاولة الأخيرة، سارعوا إلى توجيه رسائل متنوعة يدينون فيها ذلك الإنجاز التشريعي، بحجة أنه كان نظير سكوت النوّاب عن فساد الحكومة، ومقابل تغاضيهم عن الربح الفاحش الذي تتقاضاه المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من المواطنين، الذين يستبدلون نسبة من رواتبهم، متناسين أن هذه الأرباح مطبّقة ومستمرة منذ سنوات طويلة جداً.
لا شك أن هناك أناسا شرفاء ومخدوعين شاركوا في نشر تلك الأكاذيب بحسن نيّة، وبذلك هم ليسوا تجار الطائفية، ولكنهم معنيون أيضاً بمقالي التوعوي ومطالبون أكثر من غيرهم بالحذر من تجار الطائفية الذين يرمون الوطنيين الشرفاء بدائهم وينسلون. فهذا أحدهم حاول أن يخفي هويته في مقالة مضلّلة أرسلها عبر «الواتساب» بقصد الإساءة إلى النواب الذين تبنّوا إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفرية، أسأله: عن أي رشوة سياسية كنت تتحدّث في مقالتك؟ عن تلك التي أوصلتك بالباراشوت إلى مناصب بعيدة كل البعد عن تخصصك؟ ومن أي فساد كنت تشتكي؟ من فساد في خطة تنمية سابقة كلّفت خزينة الدولة ما يقارب 37 مليار دينار، لم تظهر معالمها على أرض الواقع، وكنت أنت حينها أحد القيادات المعنية بتلك الخطة التنموية؟
احذروهم، فهم اليوم في حالة هستيرية خطرة، دفعتهم إلى إسقاط إخفاقات مجالس سابقة على المجلس الحالي زوراً. فهذا الكاتب «المجهول» يتهم المجلس الحالي بالسكوت عن «هدر مليارات الداو» و «هدر دم الحريات»، وكلاهما من إنجازات نوّاب في مجالس سابقة لم يشاركوا في إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفرية. والأغرب أنه يحمّل المجلس الحالي مسؤولية أزمة «الجامعات الدكاكينية»، وهو يعلم أن نوّاب «وطنيين» وفق منظوره هم الذين كانوا حلفاء القيادي السابق، الذي فتح أبواب تلك الدكاكين. كما أنه يعلم جيداً أن المجلس الحالي هو الذي أقر في أسبوعه الأخير قانوناً يحظر استعمال شهادات تلك الدكاكين.
لذلك أدعوكم لمضاعفة الحذر من تجار الطائفية الذين فجروا في خصومتهم… «اللهم أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه».

مقالات ذات صله