عالم‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬بوصلة

صدر في الآونة الأخيرة كتاب خليق بالاهتمام، حول العالم، أو وضع الحضارة الإنسانية المهددة بالأفول أو الغرق، بعنوان «غرق الحضارات» (باللغة الفرنسية) لأمين معلوف، كما لو أن العالم سفينة تتقاذفها الأمواج والعواصف، مهددة بأن تهوى في عمق البحر. معلوف صاحب كتابات رصينة، منها كتابه الأول الذي حاز به الشهرة «الصليبيون من منظور العرب»، وكذا «الهويات المتناحرة»، وهو كتاب ذو راهنية حارقة، مثلما يقال. وأمين معلوف، وهو مفكر وصاحب تجربة عريضة في الكتابة، ليس ممن يُلقون القول على عواهنه، لذلك فكتابه حول الحضارة الإنسانية المهددة بالأفول، يكتسي أهمية بالغة.

يستعير الكاتب صورة سفينة التيتانيك حيث الركاب يستمتعون برحلتهم ويستمعون لكونسيرت، فيما السفينة مقدمة على الارتطام بالجبل الثلجي. العالم ذاهل عن الأخطار حسب الأكاديمي الفرنسي من أصل لبناني، ومن شأن هذه الأخطار أن تُطوّح بالسفينة.

أول هذه الأخطار هو الاختلال البيئي، ويفسح أمين معلوف المجال للعلماء للحديث عن هذه الاختلالات البيئية، لمن ينتابهم الشك، فالتحولات المناخية تتهدد أرجاء عدة بالقحط وندرة المياه، منها منطقة الساحل والعالم العربي عموما، ومنها كذلك ذوبان الجبال الثلجية، ما يهدد جزرا وأرخيبلات، فضلا عن أخطار كلاسيكية، منها سباق التسلح، والهويات المتناحرة، وسطوة السوق، وظاهرة رئيس أمريكي يتصرف مثل كاوبوي، وأوروبا من غير قيادة أو رؤية جامعة. «من الواضح، يقول معلوف، أننا دخلنا في فترة مضطربة، يصعب التكهن في مآلها، عرضة لكل الاحتمالات الممكنة، ومن شأنها أن تستمر. فغالبية المعاصرين اليوم لم يعودوا يؤمنون بمستقبل التقدم والرفاهية. وحيثما هم، يكتنفهم شعور الضياع والغضب والمرارة وفقدان البوصلة».

 

الأخطار التي تتهدد سفينة العالم، من شأنها أن تهوي بها إلى الأعماق. ويُذكّر أمين معلوف بسابقة غرق نموذج، من هذا العالم، وهو العالم العربي. كان هذا العالم واعدا، وعانق التوجهات العالمية، سواء أكانت الليبرالية أو الماركسية، وبرزت منه أسماء واعدة، إلى أن هوى كما تهوي السفينة، وانفصل عن العالمية ليغور في الخصوصية.

 

اللحظة المفصلية التي أضاع فيها هذا العالم الفرصة التاريخية، يقول لنا أمين معلوف، ليست هي 67، حينما غار العالم العربي في اليأس، ولم ينهض منه إلا ليسقط في شعور مدمر آخر وهو الغضب، اللحظة المفصلية، أو اللحظة التي تخلف فيها العالم العربي عن الركب، هي 56، بعد تأميم قناة السويس، ومطاردة الرأسمال الغربي. منذ ذلك التاريخ كفّت مصر، وكانت هي القاطرة، من أن تكون كوزموبوليتية أو عالمية. نأت عنها الرساميل، وهجرتها الأفكار المتفتحة.. عاشت على ميراث الفترة الليبرالية، ولكن ككل ميراث إن لم يتم استثماره فهو مهدد بالنضوب. 67 ليست هي مصدر المأساة، بل صورتها، وهي المفضية لحالة اليأس التي لم ينهض منها العالم العربي.. ومنذ غرق سفينة العالم العربي سنة 67، لم يبق منها إلا حطامها. تعطُّلُ المركب يرجع إلى 56، وليس 67. السفينة الثانية التي غرقت ولم تنهض من غرقها، وهي لبنان. يقر معلوف بأن النظام الطائفي (أو المحاصصة مثلما يقال اليوم) كان لها مسوغ، في فترة معينة من تاريخ لبنان، ولكن كمرحلة، للانتقال للمواطنة. والذي حدث هو أن تمت قرصنة فردوس الشرق الأوسط، بناء على اعتبارات طائفية، ودخلت البلاد حربا أهلية خلفت جراحا غائرة…

 

اللحظة المؤثرة في مسار الشرق الأوسط، هي 79، المتزامنة مع الثورة الإيرانية، حيث حل الغضب محل اليأس، ووجد في التنظيمات الدينية الجسم الحاضن.. لكن القصة لم تنه، في هذا السرد الممتع، لوضوح بيانه وثاقب تحليله، والمخيف كذلك، أنه لا يتستر عن الأخطار المحدقة، الشرق الأوسط هو نتاج الغرب، أو يتأثر به، كما لو هو جسد غانية تعرضت للاغتصاب، وتحمل من ثمة أثر مغتصبها. ولكنه في الوقت نفسه، فيما هو عبارة عن مكر التاريخ، يؤثر في الغرب… لن يسلم الغرب من اهتزازات العالم العربي، أول أعراض هذا الاهتزاز هو الإرهاب، ومن القضايا ذات المضاعفات العميقة، الهجرة. الغرب، موزع بين أوروبا وهي بغير قياد، أو سفينة ثملة، حسب التعبير الفرنسي، وأمريكا تحت ظاهرة شعبوية مرشحة لأن تستمر، فضلا عن أزمة فكرية جعلت الغرب يفضل السعادة على الحرية.. أو السعادة الزائفة، التي يتيحها نظام السوق والمنظومة الاستهلاكية. ولكن هل يستطيع العالم العربي أن يكون مرآة للغرب؟ مرآة تكشف عيوبه وزيغه.  في الوضع الذي يوجد فيه العالم العربي يتعذر ذلك… فإذا كانت سفينة الغرب تمخر من غير بوصلة، فسفينة العالم العربي حطام، من غير محرك، تتقاذفها الأمواج، من غير وجهة.

 

لكن هل ينبغي الارتكان لليأس؟ دور المثقف هو هذا التمرين الذي يبدو متناقضا، التشاؤم في النظرة أو التحليل، والتفاؤل في الفعل. يقر معلوف أن الأسوأ ليس بالضرورة مؤكدا، ومن الضروري، وقد أزيح قوس سقوط برلين، وتبدت مساوئ النيوليبرالية، التفكير في معالم العالم الجديد. ولعل الشيء الطريف والمفيد الذي يوحي به هذا الكتاب بدون أن يسفر عنه، هو التداخل الحضاري والتاريخي ما بين أوروبا والعالم العربي، فمصلحة العالم العربي هي مع عالم يحمل تراثا تاريخيا وقيما فكرية، على أن يرهن مصيره لتصور يطبعه البزنس والمغامرة والمقامرة والمساومة، وهي النظرة التي تجسدها الولايات المتحدة.

حسن أوريد

 

“القدس العربي”

مقالات ذات صله