فواتير التسامح الباهظة-عالية شعيب

كان جيراننا في الصغر مسيحيين. وكان شريك أبي الذي يسافر معه للتجارة مسيحيا. نشأت وفي قلبي معنى التسامح وتقبل الآخر ثم سافرت ودخلت الكنائس المختلفة وتأملت فنون العمارة الجميلة فيها: لبنان. برمنغهام – حيث درست الدكتوراه – نوتردام العريقة وغيرها. وأشعلت الشموع في بعضها ودعيت لأحبة أحياء وموتى في بعض آخر.

لم يدخل قلبي كره أو إقصاء أو حقد لآخر، ببساطة لأن رباني رجل عظيم. استطعت بعدها بتربيته الشاملة العميقة أن أنجو من كل منهج دراسي يكرس كراهية وإقصاء الآخر وكشف مغالطات كل بوق إعلامي منحرف يكرس الطائفية والعنصرية. أن تكون عقلانياً ونورانياً يعني أن يكون الآخر أخاك بغض النظر عن دينه. فالإنسانية للجميع.

وبذلك شاركت في احتفالية عامية كنيسة سيدة البير الأثرية في بلدية سن الفيل منذ أيام. ليس فقط لكل ما سبق. ولأن رئيس البلدية إنسان حكيم فاضل ومدير إدارة البلدية الأستاذ جورج مغامس صديق قدير وإعلامي ومثقف وله كتاب بالمناسبة. ولأن لي نشاطات عدة في البلدية وأعتز بانفتاحها وكونها منصة ثقافية تحتضن الجميع. فقدمت لهم لوحة بالمناسبة مهداة من الكويت. وتشرفت كأول خليجية تشارك وتقدم نشاطات وتقدم عملاً فنياً في هكذا مكان ومناسبة. فلا بد أن يدرك الآخرون مدى تطور وتسامح وانفتاح الخليجي. وأنه ليس مجرد بئر نفط بل علم وثقافة وإبداع. قادر على الانخراط والانفتاح والمشاركة.

لكن ليس الكل قادر على تفهم وتقبل هذا. فالتسامح له فواتير باهظة. لذلك عارضت إحداهن نشاطي هذا. وقالت عبر تويتر إن «ليس من حقي التسامح على حساب عقيدتي وأن ذهابي هو انحراف لعقيدتي»، ولا أعرف كيف يمكن لإنسان محاسبة آخر أو قذفه بمسميات فادحة قد لا يفقه معناها كلياً.

لذا فإنني أشفق على هؤلاء محدودي المعرفة والأفق الذين تشربوا عصارة العنصرية والكراهية، من كل بوق منحرف حولنا ولم يجدوا من يصحح أو يضيء لهم درب التسامح.

لكن في المقابل هناك كنوز وقناديل تسامح تنتشر كافتتاح غرفة متعددة العبادات في مطار أبوظبي أخيراً. يصلي فيها كل حسب دينه من دون تعارض أو كره وإقصاء. واستمعت بكل انصات ومحبة لحديث الدكتور علي بن تميم عنها في تسجيل خاص، يشرح فيه قيمة التسامح الديني فعلاً لا قولاً وجوهراً لا مظهراً.

إذاً هناك توازن في الكون. وهناك جمال لا يغطيه قبح وخير وصواب أكثر من ضرر وأذى. العقل هو الحكم والمنطق هو الفاصل، والقلب قادر على حب الجميع من دون تمييز. الحياة تسعنا جميعاً.

يقول حكيم: «التقدم مستحيل من دون تغيير، وأولئك الذين لا يقدرون على تغيير عقولهم وتبني الاستنارة والتسامح. لن يقدروا على فعل شيء لتطوير وإصلاح أنفسهم والمجتمع. فالسعي في قيمة المسعى، والعمل في قيمة النتيجة، والثمار في صلاح النية والاجتهاد. والحاصل ما تقدمه الأيادي وتدركه الأرواح وتعقله العقول».

مقالات ذات صله