جرأة الفقهاء في الكتابة عن الحب والجنس أم الأدباء ؟

 

هل كان الفقهاء أكثر جرأة من الأدباء في كتابة الجنس وخباياه؟ لماذا قبل المجتمع العربي والمغاربي والإسلامي بشكل عام حديث الفقهاء وكتاباتهم عن الجنس بتفاصيل كثيرة ودقيقة ومثيرة، ورفضها حين جاءت من كتّاب، وروائيين وشعراء، وإن كان بشكل أقل مما عرضه الفقهاء؟

لقد تشكل لدينا عبر خمسة عشر قرنا مواطن ديني بامتياز وشُيد مخيال ديني وضع المجتمع في حالة قبول جميع القيم أو رفضها بمجرد أن يتم تبريرها بالخطاب الديني، مجتمع في حالة خنوع سياسي بمجرد أن يتخذ الحاكم صبغة الديني، وبالتالي تكوّن لدينا مجتمع لا يساس إلا بالدين والديني.

 

 

فالمجتمع متسامح لا ينتقد ولا يستعمل عقله في إدارة شأن أموره الحياتية والثقافية والسياسية بمجرد أن يكون المصدر دينيا، وقد انعكس هذا على القراءة أيضا، فهو يقبل أي نص مهما كان فقط لأنه يقوم على بلاغة فقهية ويستثمر في إنشاء ديني ولو في الشكل الظاهري.

 

كتبنا التراثية، الفقهية واللغوية مليئة بكلام تفصيلي عن الجنس وطرق ممارسته وعن الأعضاء الحميمة للرجل والمرأة، تباع هذه الكتب في المكتبات العادية وعلى الأرصفة وتوضع على رفوف المكتبات العائلية الخاصة بجوار نسخ القرآن.

 

وقد لعب المطبعيون والناشرون دورا كبيرا في الترويج لهذه الكتب إذ يتم تجليدها بطرق تشبه تجليد المصحف أو كتب الأحاديث النبوية، كما تتم إعادة طبعها باستمرار وفي طبعات شعبية أو امتيازية.

 

إن قبول الكتاب والاستئناس إليه، في مجتمع يُساس بما هو ديني، يبدأ من طريقة تجليده التي يتولاها الناشر والطابع وفي ذلك مؤامرة على القارئ الساذج ذي الحس الديني الساذج.

 

إن قبول ورواج كتب الجنس التي كتبها الفقهاء يعود أساسا ومبدئيا إلى طريقة التأليف نفسها، إذ لا تختلف مداخل هذه الكتب بشكل عام من حيث الديباجة عن كتب “الشريعة التي تتناول قضايا الميراث أو الصلاة أو الصيام أو الحج…”، فهناك جو لغوي وإنشاء يستدرج القارئ من باب البلاغة الفقهية المعروفة، ابتداء من البسملة التي توضع على أول صفحة فيه ثم الصلاة على الرسول وصحبه والدعوة على الكفار بالجحيم وعلى المسلمين بالصلاح والفلاح والجنة والنعيم، ثم وبشكل مثير أيضا إلى تبرير تأليف هذا الكتاب والغرض من ذلك، فيؤكد على أن غاية الكتاب الذي هو “حول الجنس” خدمة الإسلام والمسلمين وذوي السلطان عليهم.

 

لذا نجد كثيرا من مثل هذه الكتب حول الجنس مهداة إلى الخلفاء أو كتبت بطلب من الخلفاء أو الأمراء، وفي الديباجة يبرر المؤلف ما قد يصدم القارئ من “كلام مثير مباشر” بأن يستعمل العبارة المعروفة والمتداولة “لا حياء في الدين”، وهي مفتاحه السحري الذي يخوّل له الدخول في جميع التفاصيل الجسدية الحميمة والمثيرة وبالتالي يصبح مقبولا ما هو غير مستحب الحديث فيه من الناحية الأخلاقية وترفضه العادات والتقاليد الاجتماعية.

 

فالكتب التراثية العربية والمغاربية التي تتحدث عن الجنس والجسد والمرأة والمثلية الذكورية أو النسوية تصنف عادة في باب كتب الفقه والشريعة والدرس الديني بشكل عام.

 

فكتب “الوشاح في فوائد النكاح” و”رشف الزلال من سحر الحلال” لجلال الدين السيوطي و”زهرة الألباب فيما لا يوجد في كتاب” للشيخ أحمد التيفاشي و”رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه” للشيخ أحمد بن سليمان و”تحفة العروس ومتعة النفوس” لأبي عبدالله التيجاني و”الروض العاطر في نزهة الخاطر” للنفزاوي و”الزهرة” لابن داود الظاهري و “إحياء علوم الدين” للغزالي و”زهرة الآداب” للحصري وغيرهم من الفقهاء والمفسرين، هذه الكتب وغيرها تتمتع بحرية وجودها وتداولها بين العامة والخاصة من خلال تأشيرة الفقيه.

 

يجب الاعتراف بأن هناك ذكاء فقهيا في الثقافة العربية الإسلامية جعل العامة والنخب تقبل مثل هذا الحديث عن الجنس، وتتداوله في المجالس الدينية والأدبية والمسامرات الخلانية.

 

وأعتقد لولا ارتباط هذا التراث الثقافي الجريء عن الجنس بالفقه وكتب الدين وتصنيفه ضمن هذا الإطار لكان قد أحرق وأبيد من قبل العامة والخاصة من المتطرفين، كما حدث للكثير من الأشعار والكتب الفكرية التي كتبت في الوقت نفسه مع هذه الكتب.

 

واليوم، بل وعبر التاريخ كله، تمارس الأنظمة السياسية الثيوقراطية أو العسكرية العربية والمغاربية منع الروايات والأشعار التي تتحدث عن الجنس حتى ولو عرضا، وتمارس ضد كتابها القمع والمنع والمتابعة القضائية بل قد يصل الأمر إلى التوقيف والمحاكمات والسجن، ولكن هذه الأنظمة نفسها لا تستطيع منع الكتب التراثية التي تتستر بالخطاب الديني وبالتوقيع الفقهي.

 

كثيرا ما يكتب ناشرو كتب الجنس التراثية على ظهر الأغلفة المجلدة تجليدا دينيا، بأن صاحب الكتاب هو فقيه حافظ وشارح ومفسر للقرآن الكريم وقد أخذ علمه عن فقهاء مراجع وثقاة… كل ذلك لتمرير النص ولكي يبلعه القارئ دون رفض أو شك أو اعتراض كما هو الحال مع الكتب الأدبية الروائية والشعرية (حالة حيدر حيدر في روايته “وليمة لأعشاب البحر” أو رواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري أو ديوان “طفولة نهد” لنزار قباني وغيرها).

 

إن كتب التراث الفقهي وكتب اللغة وخاصة القواميس والمعاجم هي التي حفظت “شيطان” الثقافة وحررت القراءة، إلا أنها ظلت في حرية أبقتها داخل “فضاء” الديني، حرية تضع المواطن المسلم أو الذي يعيش في أرض الإسلام بين فكي أطروحة “الحلال” و”الحرام”، ولم تسمح له بطرح السؤال الأعمق، سؤال الحرية الفردية.

مقالات ذات صله