عن حجي حمزة والحلبوسي والترجمة للامريكان!- هارون محمد

انتشر تعليق طريف وساخر، في صفحات التواصل الاجتماعي والمنصات الاعلامية في العراق، مؤخراً، على صورة تجمع بين ضابط أمريكي، منتفخ الاوداج، حاد النظرات، مع حجي حمزة الشمري، أيام كان يعمل مترجماً مع قوات الاحتلال، قبل ان يتغول في ميادين القمار والسمسرة والتهريب، ويصبح أكبر ممول لفصائل الحشد الشعبي، وبخاصة عصائب قيس الخزعلي، إذ يقول التعليق: هل هي صدفة ان يتحول المترجمون لدى الامريكان الى رجال اعمال وسياسيين، ويصل أحدهم الى رئاسة (المافيا) العراقية، ويصير الثاني رئيساً لمجلس النواب، والمقصود به محمد ريكان الحلبوسي!.

واذا كان الحلبوسي، يُحسن شيئاً من اللغة الانكليزية بصفته خريج كلية هندسة، فان الامر مع حجي حمزة (المترجم) يثير أكثر من علامة استفهام، فهو متوسط التعليم، ولم يُكمل دراسته الاعدادية، كما تشير سيرته، وكان يشتغل شرطياً في مديرية حماية المنشآت التابعة لوزارة الداخلية، فكيف عُين مترجماً، وهو لا يحفظ من الانكليزية غير كلمات (ييس ونو واوكي)؟.

وابتداءً.. فان القوات الامريكية، وهي في مستهل انتشارها في بغداد والمحافظات، لم تكن تحتاج الى مترجمين، لانها كانت تضم بحدود 3000 مترجم رافقها، منذ بداية الحملة العسكرية في التاسع عشر من آذار 2003، وفقاً لتقارير نشرتها وزارة الدفاع (البنتاغون)، أغلبهم أمريكيون من أصول عربية، او حاصلون على اقامة مؤقتة او دائمية (كرين كارت) وعُدوا بمنحهم الجنسية الامريكية اذا عملوا في العراق، وهذا الرقم كان يغطي الوحدات القتالية ومقرات القطعات العسكرية، وتالياً فهي لم تكن تحتاج الى مترجمين (طك عطية) يعملون معها، او يصاحبون تحركاتها، وانما كانت تحتاج الى (أدلاء ووكلاء وعملاء)، ولكن نصائح جاءت اليها، من الانكليز، حذرتها من تجنيد اشخاص، وفقاً لهذه العناوين وتحت تلك المسميات، لان الشارع العراقي، يمقتها ولا يتجاوب معها، كما ان أكثر العراقيين، يستنكفون من العمل في وظائف من هذا النوع، لدواع اجتماعية، حتى ان الشيعة في النجف وكربلاء والحلة، ما زالوا يعيرّون أحفاد علماء (الحفيز) المأخوذة من الكلمة الانكليزية الـ(اوفس) لان أجدادهم تعاونوا مع الاحتلال البريطاني، والامر نفسه ينطبق على الســنّة، واذكر شخصياً ان رجلاً عالماً وتربوياً وادارياً، من طراز متمّيز، ظل يعاني من (سبّة) تعاون والده مع الانكليز، برغم ان تعاون (المرحوم) لم يكن سياسياً ولا استخبارياً، كل ما في الامر، ان الانكليز لما احتلوا بغداد، ثبتوّه في موقعه السابق، الذي شغله في العهد العثماني، مختاراً لاحد أكبر الاحياء (المحلات) الشعبية، والمختارية في العراق، لم تكن وظيفة حكومية، بدوام يومي، أو راتب شهري، وانما كانت تكليفاً اجتماعياً ينصرف لخدمة سكان الحي ومساعدتهم، لاحظوا كيف كان المزاج العراقي ضد الاغراب والاجانب والمحتلين!.

وقد أخذ الغزاة الامريكان بنصيحة (ابو ناجي) ولجأوا الى صفة المترجم، في عمليات التجنيد والاستخدام، برغم ان مهمات هذه الوظيفة في ملاكات قوات الاحتلال، هي نفسها، التي يقوم بها الدليل والوكيل والعميل، وأحياناً أقسى وأحقر، ولكن مفردة المترجم تبقى أخف وقعاً، وأكثر قبولاً، في الاوساط الشعبية، التي كانت تنظر باحترام وتقدير الى المترجمين في الدوائر والوزارات والشركات.

واذا كان المترجم محمد الحلبوسي، لم يستمر طويلاً في وظيفته، التي هيجّت غضب اسرته وعشيرته عليه، خصوصاً، وان والده انسان فاضل، وتربوي كبير، ويقيم في الفلوجة، ولم يعلم بـ(شغلته) الجديدة في الرمادي، الا متأخراً، الا انه استفاد منها لاحقاً، في الترشح لعضوية مجلس محافظة الانبار، والتعرف على عُصبة (الكرابلة) بقيادة جمال الكربولي، والتعاون معهم سياسياً، والاخير هو من التزمه، وأوصله الى مجلس النواب في دورته السابقة، وعينّه محافظاً للانبار، بعد تحرير المحافظة من داعش، ووصول التخصيصات المالية اليها، ومن ثم رشحه لرئاسة مجلس النواب، بالتعاون مع (داينمو التضبيط) أحمد الجبوري ابو مازن، والقصة معروفة!.

اما حجي حمزة الشمري، فقد قادته وظيفته شرطياً في حماية المنشآت، التي أتاحت له الاختلاط بالقوات الامريكية والعمل معها، الى مجال ترفيهي، عندما وافقت سلطات الاحتلال، المسؤولة عن حماية الفنادق الكبرى، على تأجير احدى صالات فندق (فلسطين ميريدان) له، لتحويلها الى (ديسكو) نهاري، وملهى ليلي، يساعده شقيقه حجي عباس، وهو شرطي سابق مثله، وبدأ مشواره القصير، في عالم القمار والسمسرة والتهريب.

ولان الحجي أدرك، منذ البداية، ان التعاون مع الامريكان وتقديم الخدمات لهم، لا يكفيان وحدهما، لاستمرار عمله وتوسيع أعماله، لذلك اتجه الى القيادات الشيعية من رؤساء أحزاب ومليشيات ونواب ومسؤولين في الاجهزة الامنية، لتعزيز صلاته بهم، على طريقة ( إنفع وانتفع) والقوم كما هو معروف عنهم، يصطادون العصفور من ذيله، فقد رحبوا بـ(الشدات) الدولارية، واستمتعوا بالليالي العاطفية، وناموا في الغرف و(السويتات) الملوكية، وهلا بالخميس!.

ان انحدار أي بلد الى الحضيض، يبدأ من فساد الطبقة السياسية الحاكمة، وينزل عمودياً، الى الحلقات الوسطى وصولاً الى القاع، ولا يترك زاوية او مفصلاً، الا ويزحف عليه، وهذا ما حصل ويحصل، في العراق اليوم، فلو كانت العملية السياسية سليمة، لما صار كثير من اللصوص والسفلة، رؤساء ووزراء ونواباً وقادة ومسؤولين كبار، ولو كان القانون فاعلاً، لما تمكنت شريعة الغاب، من مد أظفارها وأنيابها الى جسد العراقي، لتحيله الى شبح، مسلوب الارادة وغائب عن الوعي، ولو كانت الوطنية سائدة، انتماءً وولاءً، لما تسنى للطائفية والعشائرية والمناطقية، ان تنتعش وتتحكم، هذه هي الحقيقة المرّة التي يتجرعها العراقيون، وكأنهم قبلوا بها مع الاسف.

لقد بات واضحاً، ان قوات الاحتلال الامريكي، زرعت بذرة الفساد الاولى، التي أينعت وتضخمّت، وكان في انتظارها جواسيس وعملاء وذيول، وزمر وعصابات، وقادة أحزاب ومليشيات، وقطاع طرق، واصحاب سوابق، قطفوا ثمارها، مكاسب وامتيازات وصفقات، (فيها شي؟) لا ما فيها!، سوى انها، نهب موارد البلد وثرواته، وتهجير أهله، واجتثاث نخبه، وتسّيد الاغبياء والمتخلفين عليه، واشاعة العهر في جميع مفاصله.

مقالات ذات صله