داعش فى الفلبين.. الأسباب والدوافع

عبير العدوى

لم تنبت بذرة تنظيم “داعش” من فراغ، ولم تنته مسألة التنظيم الإرهابى إلى العدم، فلطالما كان للفكرة أصول ومنهجية متطرفة وجهادية سبقتها، ومهدت لظهورها، بداية من الإخوان المتأسلمين وتلك العشرات من الجماعات المنحرفة والمتطرفة التى استقت أفكارها من خلال جماعة حسن البنا وسيد قطب.

 

ومرورًا بالعشرات من أسماء الجماعات الإرهابية التى تشعبت سموم الإرهاب فى العشرات من الدول والمجتمعات تحمل الأفكار الكارثية، من جهاديين متطرفين فى القاعدة وحركة طالبان، وحركة الشباب الصومالية، والملثمين، والمرابطين، وبوكو حرام، والمرابطين، وغيرها من عشرات المسميات للتنظيمات الإرهابية، ما يؤكد أن داعش لم تأتى من فراغ، ولم تذهب إلى العدم.

 

استراتيجيات لتجنيد المتطرفين

 

وكما تشعبت أفكار الإرهابيين والجهاديين المتطرفين من قبل وأوجدت لنفسها منصات ومناطق إيواء جديدة، فكذلك الحال مع “داعش” التى ما لبثت تواجه هزيمتها فى العراق وسوريا “أرض الخلافة” المزعومة، حتى ارتحلت بقايا وفلول التنظيم تبحث لنفسها عن مناطق إيواء جديدة فى أراض خصبة قد تعطى ظروفها العصيبة فرصة لنمو بذرة التطرف وتغلغلها، ولم يكن أكثر من جنوب وشرق آسيا كمنقطة يستطيع الإرهاب بناء نفوذه فيها، بل وإن المنطقة أصبحت بمثابة رئة جديدة لتنظيم داعش بدلاً من الأراضى التى شهدت هزيمته.

 

وإذا كانت عملية تجنيد المتطرفين والمتحمسين للأفكار الشاذة والمتطرفة هدفًا أساسيًا لـ”داعش”، فلا يوجد أكثر من مناطق جنوب وشرق آسيا، فالمنطقة يغمر بعضها تنظيمات ذات أفكار جهادية متطرفة تتسق مع أفكار داعش الإرهابية، وبعضها الآخر تغمره عوامل “الفقر، والاضطهاد، والعرقية الدينية”، وكلها استراتيجيات استفادت منها التنظيمات الإرهابية على مختلف مشاربها وتنوعاتها.

 

ففى جنوب وشرق آسيا تتواجد “طالبان” فى أفغانستان التى تبقى أرضًا خصبة لجذب التطرف، علاوة على بعض التنظيمات الإرهابية مثل جيش محمد وعسكر طيبة، والقاعدة، وأنصار الإسلام، وعسكر طيبة، وحزب التحرير وأنصار الإسلام، وجماعة المجاهدين، وهى الجماعات التى وجدت فى باكستان وميانمار وبنجلاديش والهند، وإندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، وسريلانكا، والصين، وحتى جزر المالديف التى انضم 450 من أبنائها إلى التنظيم الإرهابى، بحسب تقارير استخبارية، وتحولت هذه الدول إلى مكان لنشاط التنظيم.

آسيا تربة خصبة لداعش ـ التايمز اليابانية

 

وفوق ذلك، هناك قضايا الاضطهاد التى تجعل من اصطياد الشباب وتجنيدهم لحساب الإرهاب أمرًا سهلاً ويسيرًا بشكل كبير، فهناك قضية الأوغويرو فى الصين، وقضية كشمير التى بقيت بؤرة توتر عالقة بين الهند وباكستان، هذا بالإضافة إلى قضية الروهينجا والإبادة التى يتعمدها ضدهم جيش ميانمار بحسب ما أكدته تقارير الأمم المتحدة.

 

وبطبيعة الصراع فى المنطقة، فقد لجأ قادة التشدد إلى قضية مثل قضية إقليم كشمير، يستغلونها فى التحريض على تنفيذ عمليات ارهابية، مسوغين لمثل هذه العمليات بالترويج لفكرة الاضطهاد الدينى للمسلمين هناك، وبدا تهديد “داعش” أكثر بروزاً فى جنوب شرق آسيا، وقد عملت مجموعات اصولية فى هدوء على تعزيز نفوذها داخل عدد من الدول، لتمتد من المالديف حتى الفلبين.

 

تقارير: 4 آلاف داعشى فى افغانستان

 

وكانت على سبيل المثال الحادثة الأخيرة التى تبنتها داعش فى أفغانستان، عندما فجروا حفل زفاف، كفيلة بالكشف عن تقارير مرعبة، فقد كشفت دراسة لمركز الدراسات الدولية فى واشنطن “سى إس آى إس”، عن أن عدد المقاتلين الدواعش فى أفغانستان يترواح ما بين 2500 إلى 4 آلاف مقاتل داعشى، موضحة أن هؤلاء المتطرفين يتمركزون فى إقليم نانجرهار.

 

إلا أن حدود التنظيم الإرهابى فى أفغانستان لم تتوقف عند حدود ذلك الإقليم، فقد تمدد النتمين لداعش تحت رايه تنظيم “داعش فى خراسان” منذ عام 2015، وذلك اشارة الى دولة خراسان، وهى “منطقة من العصور الوسطى تضم أجزاء من أفغانستان وإيران ومناطق فى آسيا الوسطى كانت قد دخلت إلى حدود الدولة الإسلامية قديمًا”.

 

وكانت بداية “داعش ـ خراسان” على يد الباكستانى حافظ زيد خان، والذى تعهد بالولاء لزعيم تنظيم “داعش” الأم، أبو بكر البغدادى، فى عام 2014، وبدأ جماعته الإرهابية بفرقة صغيرة من القتلة، أو المقاتلين، ينتمى معظمهم لإقليم ناننجرهار، شرقى أفغانستان، ثم التحموا بمجموعة من المجندين من حركة “طالبان”، ما يعنى أن مشارب هذه التنظيمات واحدة ويمكن أن تلتحم لتكوين مجموعات أكبر وأكثر خطورة.

 

الفكرة التى يتبناها “داعش” عمومًا، سواء فى فرعه الأصلى، أو التشعبات الأخرى، هى السيطرة على جزء أكبر من الأرض تحت مسمى أرض الخلافة، ولا يمانع المنضوين تحت لوائه من شن الهجمات الوحشية وقتل المدنيين، بما فيهم النساء والأطفال، لأجل تحقيق هذا الغرض، وهو ما يثبته الهجوم على حفل الزفاف الأخير فى باكستان.

داعش فى أفغانستان

 

 

ويحذر التقرير الأمريكى من أن أفغانستان على وجه الخصوص يمكن أن تكون تربة خصبة لتمدد داعش، وإعادة تجميع صفوفها.

 

فى بداية أغسطس الجارى، حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، من أنه “بعد خسارة مناطق نفوذها فى العراق وسوريا، تخزن مجموعات داعش الارهابية مئات الملايين من الدولارات لتمويل الإرهاب، وتظل أفغانستان منطقة نزاع خصبة لتجنيد المقاتلين.”

 

اللافت هنا أنه فى الوقت الذى يتمدد فيه نفوذ داعش وعملياته الإجرامية على أرض أفغانستان، تخطط الإدارة الأمريكية للانسحاب من هناك، وتتفاوض منذ أشهر مع الجناح الإرهابى الآخر “طالبان”، لأجل هذا الانسحاب.

 

وبحسب أحدث مسودة لاتفاق السلام الذى تتفاوض عليه الولايات المتحدة وطالبان، فإنه من المقرر أن يتم سحب اولى لنحو 5 آلاف من القوات الأمريكية البالغ عددها 14 ألفًا فى أفغانستان، وذلك مقابل تخلى طالبان عن تنظيم “القاعدة”، وهى مسألة غير مفهومة، فكيف ستتخلى طالبان عن أفكارها التى تقاتل وتتفاوض على أرضيتها؟!

 

وبهذه المناسبة، قالت الحكومة الأمريكية إنها طالبت “طالبان” بالتخلى عن “داعش” و”القاعدة”، إلا أنه حتى الاتفاق المكتوب بين الطرفين لم يشر إلا إلى القاعدة فقط.

 

أرض خصبة للإرهاب وتجنيد المتطرفين

 

أشارت التقارير والدراسات المتعددة حول “داعش” إلى أن أكثر من 700 إندونيسى وماليزى سافروا إلى سوريا والعراق، وانخرطوا كمقاتلين معًا كوحدة قتالية خاصة تنتمى لجنوب شرق آسيا، وهو ما يطرح التساؤل، ماذا كان مصير هؤلاء المتطرفين بعد انتهاء التنظيم فى “دولة الخلافة” المزعومة؟!

«داعش خراسان»

 

 

فى رسالته مصورة شهيرة أصدرها التنظيم الدعائى لتنظيم القاعدة يوم 9 يوليو، قال زعيم التنظيم أيمن الظواهري: “لا تنسوا كشمير”، وهو العنوان الذى حملته رسالته التى أذاعها عبر عبر منصة رسائل الفيديو على الإنترنت “تيليجرام”.

 

وفى هذه الرسالة حاول الظواهرى استخدام القضية الأزلية للترويج للتنظيم الإرهابى وأفكاره، متهمًا الهنود الباكستانيين، قائلاً إن المسلمين فى كشمير محاصرين بين “وحشية هندوسية” و”خيانة ومؤامرات” باكستان التى تواطئت مع الولايات المتحدة فى اضطهاد “طالبان” وجماعات متشددة أخرى تعمل فى المنطقة، بصورة أساسية أفغانستان.

 

وعمومًا تنظر القاعدة إلى كشمير باعتبارها عنصر محورى فى أسباب وجودها فى جنوب آسيا، وهو ما كان سببًا لتواجد القاعدة فى شبه القارة الهندية منذ سبتمبر 2014، عندما أطلق الظواهرى رسالة مصورة أعلن خلالها تشكيل تنظيم “القاعدة” هناك، وتعاون هذا التنظيم الجديد بنجاح مع جماعة “أنصار غزوة الهند” الكشميرية، بما يشكل شكلاً آخر للتلاحم الوارد بين التنظيمات الإرهابية.

 

وفى هذا الصدد يشير مسؤولو الشرطة فى كشمير الهندية إلى مدى  الاتصالات المفتوحة بين الجماعات المتطرفة الداخلية والقاعدة الواقفة على الحدود، وقال أحد مسؤولى الشرطة، حينذاك: “رأينا أنهم على اتصال بجماعات داخل أفغانستان وسنعاين وجود كوادر على استعداد لتنفيذ هجمات”.

 

وفى هذا الصدد، يربط المحلل السياسى، مادهورى مادهوك، بين رسالة الظواهرى وتنامى وجود رايات داعش فى المنطقة أكثر من ذى قبل، فهو يرى أن الصراع ليس منفصل.

 

جماعات راديكالية ترحب بـ«داعش»

 

اللافت للمتابع أن منطقة جنوب وشرق أسيا هى الرئة الحقيقية التى يعيش عليها “داعش” الإرهابى حاليًا، وأكثر من أى جزء آخر فى العالم، فالبنسبة للتنظيم تتميز هذه المناطق بما تضمه من تنظيمات وجماعات راديكالية تتوحد مع “داعش” فى أرضيتها الفكرية المشتركة، وهو ما عزز نفوذ التنظيم الإرهابى هناك، علاوة على عوامل الفقر والاضطهاد التى تضرب الكثير من هذه الدول، الأمر الذى يخلق فى النهاية ترحيبًا بوجود التنظيم المتطرف “داعش”.

 

ويقر الباحث السياسى، وأستاذ الدراسات الاستراتيجية فى نيودلهى، براهما تشيلانى، بأن “آسيا تبقى المنطقة الأكثر معاناة من الإرهاب.. وبجانب وجود الغالبية العظمى من مسلمى العالم بها، فإنها تضم كذلك مجموعة من (الملاذات الآمنة) بسبب صعود حركات راديكالية محلية، وسنوات من التساهل والتراخى السياسى والأمني”.

 

كما يؤكد تشيلانى أن عائدين من القتال فى سوريا والعراق يتواجدون حاليًا فى الكثير من الدول الآسيوية، من الفلبين وإندونيسيا حتى المالديف وأوزبكستان، ومثلما كان الحال مع أسامة بن لادن وزعماء “القاعدة” الآخرين، ممن تدربوا على القتال وقويت شوكتهم فى خضم الحرب التى دعمتها الولايات المتحدة ضد الاحتلال السوفيتى لأفغانستان، فإنه لا يستبعد “أن يشكل هذا الجيل الجديد من المقاتلين المتشددين تهديداً خطيراً لأمن آسيا مع عودة مقاتلين إلى المنطقة وتعزيزهم صفوف تنظيمات إقليمية قائمة فعلاً”.

 

وبحسب التقارير البحثية والرسمية، فإن نحو 700 إندونيسى وماليزى سافروا إلى سوريا والعراق وقاتلوا معاً فى إطار وحدة قتالية تنتمى لجنوب شرق آسيا، وهى الكتيبة التى أطلق عليها “كتيبة نوسانتارا”.

 

دواعش ماليزيا يدفعون بالروهينجا إلى العنف

 

ويؤكد محللون ومراقبون، أن الكثير من الدواعش فى ماليزيا، دفعوا بالروهينغا نحو نشاطات متطرفة، وهو ما يثبت بوضوح أن “داعش” بإمكانه استغلال الأجانب فى إنجاز أهدافه الوقتية.

 

ويرى الدكتور عادل رشيد، الباحث بمعهد دراسات وتحليلات الدفاع فى نيودلهى، أن “قرب ميانمار من ماليزيا سيشجع (داعش)، إذ أنه سيكون من قبل الدواعش مساعى ومحاولات لاستغلال الصراع الدائر فى راخين، خاصة وأن ميانمار أقرب إلى ماليزيا من سوريا وجنوب الفلبين، وأصبحت راخين اليوم الوجهة الأحدث لما يطلق عليه الدواعش (الجهاد)”.

 

كوماندوز ماليزيا يتجهون لـ«داعش»

 

الكارثة فى ماليزيا أكبر وأكثر خطرًا، فقد حددت السلطات أن 70 عسكريًا على الأقل لديهم صلات بـ”داعش” ـ بينهم أفراد سابقين من قوات كوماندوز، وهو الأمر الذى فجّر مخاوف متنامية من إمكانية نقل هذه العناصر عالية التدريب، معرفتها ومهاراتها إلى أجانب آخرين فى جنوب شرق آسيا من المنضوين تحت لواء التنظيم المتطرف.

 

ووفقًا للتقرير الذى أصدرته الأمم المتحدة، فهناك نحو 10 ألف أجنبيًا سافروا إلى سوريا والعراق، وانضموا ضمن صفوف داعش بالفعل، ومايزالوا أحياءن منهم من يتحرك فى المنطقة، وآخرين محتجزين، بينما الغالبية العظمة منهم انتقلوا إلى بلدان أجنبية جديدة، سواء أوروبا أو شرق وجنوب آسيا، وتحديدًا إندونيسيا وماليزيا والفلبين.

 

لذا لم يكن غريبًا أن تتركز من أحداث العنف المسلح المرتبط بـ”داعش” حتى الآن فى جنوب الفلبين والسواحل البحرية التى تتشارك بها ماليزيا وإندونيسيا والفلبين، ولا يمكن نسيان تفجيرات الفصح الدامى فى سريلانكا، وكأن التنظيم يحاول أن يخلق لنفسه “دولة خلافة” جديدة بدلاً من التى فقدها فى سوريا والعراق.

 

 

 

تحذيرات أمنية

 

وهنا يحذر الأمنيون من توقعات بالتحامات جديدة للتنظيم الإرهابى مع جماعات راديكالية موجودة بالقعل، مثل “عسكر طيبة”، و”جيش محمد”، و”جماعة المجاهدين”، و”حزب التحرير”، و”أنصار الإسلام”، فى بنغلاديش، وهى التنظيمات التى اتسعت وتمددت بعد استغلال “القاعدة” لأحداث العنف فى ميانمار فى الدعوة لحمل السلاح والقتال.

 

وعمومًا، تؤكد تقارير الأمم المتحدة، أن “القاعدة” لازالت قوية ومستمرة فى تجنيد جماعات إرهابية داخل باكستان والتعاون معها، مثل “عسكر طيبة” و”شبكة حقاني”، إلا التقارير ذاتها تشير إلى خطورة “داعش” كتنظيم يشكل تهديدات فورية، ويسعى للتمدد فى منطقة جنوب وشرق آسيا على امتداد وفضائها السيبرانى الرخو والمفتوح أمام عمليات التجنيد.

 

داعش يستثمر فى مناطق جديدة للإرهاب

 

الواقع والأحداث تؤكد أن داعش يسعى لإعادة استثمار خبراته وأمواله فى خلق مناطق نفوذ جديدة فى جنوب وشرق آسيا، وستعتمد الجماعة الإرهابية لأجل تحقيق ذلك على عمليات إرهابية نوعية، كما حدث فى تفجيرات أحد الفصح الدامية فى سريلانكا، والتى كانت حصيلة الضحايا فيها تفوق حرب أهلية بعد 9 تفجيرات متتالية، لتسفر عن مئات القتلى وآلاف الضحايا من المصابين، وكذلك تفجير حفل الزفاف فى أفغانستان، والذى أسفر عن عشرات القتلى ومئات الضحايا.

 

التقارير الاستخبارية لـ”سى إن إن”، تؤكد أن عناصر داعش المسلحين تسللوا عبر إيران إلى داخل إقليم بالوشستان الباكستانى، ومنه إلى داخل العمق الأفغانى، كما ينظر التنظيم إلى شبه القارة الهندية، ذات الكثافة السكانية العالية، كأرض واعدة لانتشاره بما تضمه من 9 دول، وتأجيج التوترات القائمة أصلا بين الهندوس والمسلمين.

مقالات ذات صله