لبنان يتجه نحو أزمة إقتصادية ومخاوف من انفجار نقدي وتحرير سعر الليرة

أصبح من الواضح أن لبنان يتجه نحو أزمة تضرب عمق المنظومة الاقتصادية، المختلّة أساساً. أزمة قد تصل إلى تحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار في حال لم تتم السيطرة على النزيف النقدي خلال سنوات قليلة في أكثر السيناريوهات واقعية، وسط مشكلات مالية واجتماعية متصاعدة. ما يعني الوصول إلى أفق مسدود أمام المواطنين، وتوجيه ضربة للسلطة التي راكمت فوق الفساد فشلاً في إدارة المالية العامة للبلاد.

وفي سياق التحذيرات، أعلنت وكالة ستاندرد آند بورز غلوبال الأربعاء أن لبنان يواجه خفضاً جديداً للتصنيف الائتماني واختباراً محتملاً لربط عملته إذا تسارعت وتيرة استنزاف احتياطاته المحدودة من النقد الأجنبي.

وقالت ستاندرد آند بورز إنها تُقدر انخفاض احتياطيات لبنان القابلة للاستخدام بـ19.2 مليار دولار في نهاية العام الحالي من 25.5 مليار دولار في نهاية 2018. وبينما يجب أن يكون ذلك كافياً لتغطية احتياجات الاقتراض الحكومية والعجز في المعاملات الخارجية على مدى الاثني عشر شهراً المقبلة، فإن هناك مخاطر واسعة النطاق.

وأضافت الوكالة في تقريرها الجديد “نعتقد أن هناك مخاطر من استمرار انخفاض تدفقات ودائع العملاء، على الأخص من غير المقيمين، مما سينتج عنه تسارع السحب من احتياطيات النقد الأجنبي وهو ما سيختبر قدرة البلاد على الحفاظ على ربط العملة بالدولار. استمرار تلك الاتجاهات خلال الأشهر الستة المقبلة قد يتسبب في خفض التصنيف إلى مستوى ‭‭’CCC’‬‬”.

وتعليقاً على هذا التقرير، يقول رئيس مركز البحوث والاستشارات اللبناني كمال حمدان لـ “العربي الجديد” إن الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر وتحويلات المغتربين والودائع والسياحة تؤمن النقد الأجنبي للبنان، وغالبية هذه العناصر مستقرة عند مستويات منخفضة، في حين أن التحويلات من الخارج تقابلها تحويلات العاملين الأجانب والعرب إلى الخارج وكذلك التعليم والطبابة والسياحة الخارجية وغيرها، كلها تقتطع جزءاً كبيراً من حجم النقد الأجنبي الصافي الداخل إلى لبنان.

ويلفت حمدان إلى أن لبنان يقوم بتمويل الاستيراد الخاص والعام من أدوية وفيول وسيارات وأكل وغيره بالدولار، والمصارف عندما تريد تمويل المستوردات، تلجأ في كثير من الأحيان إلى إيداعاتها في مصرف لبنان، ما يشكّل ضغطاً على الاحتياطي النقدي الأجنبي.

ويضيف حمدان: “إذن موضوع تحرير سعر الصرف أصبح “على المنخار” (وشيك)، إذا لم تنفَذ خلال ستة أشهر إجراءات تحقق تغييراً فعلياً في اعوجاج المنظومة الاقتصادية في لبنان. والإجراءات المطلوبة ليست من النوع الذي تم تداوله وإقراره خلال الأيام الماضية. توجد خطوات أكبر تحتاج إلى عمل حثيث وجدّي، ترتبط بإصلاح النظام الضريبي أولاً.

مثلاً عدم زيادة الضريبة على الفوائد بالنسبة ذاتها على كل المودعين. “إذ نعاني في لبنان من تركز شديد في الودائع، حيث إن 1 في المائة من الحسابات تمتلك أكثر من 50 في المائة من الودائع، أما إذا دخلنا إلى عدد الزبائن الذين يمتلكون الودائع فيرتفع مؤشر التركز كثيراً”.

ويلفت حمدان إلى أن حل هذه الأزمة يتم من خلال الضريبة التصاعدية التي تُقتطع بحسب شريحة الوديعة، ما يحتاج إلى فك السرية المصرفية. علماً أن إجراء كهذا يمكن أن يؤمن ما بين 700 مليون دولار ومليار دولار من الذين يمتلكون الأموال، لا من المودعين الصغار.

ويؤكد حمدان أن هذا النمط التصاعدي يجب أن يطبق في كل النظام الضريبي، إذ يوجد حوالي 200 ألف مؤسسة في لبنان، بينها 6 إلى 7 آلاف فقط تتركّز فيها الأرباح، ما يعني أن الضريبة التي تطاول الشركات يجب أن تتصاعد وفق حجم هذه الأخيرة وربحها، لا أن تكون موحدة على الجميع. والأمر لا يتوقف عند الضرائب، إذ توجد إجراءات أخرى، منها إعادة النظر في موضوع الإعفاءات، وإعادة تخمين قيمة المخالفات على الأملاك البحرية.

ويعتبر حمدان أنه توجد أبواب كثيرة لزيادة الإيرادات من دون ضرب الحركة الاقتصادية ولا إحداث صدمات كبيرة، ولكن المشكل أن من يقرر هذه الأمور هو المستفيد من المنظومة المعوجة في النظام الضريبي وبالتالي لا تطاول الإجراءات سوى زيادة سعر البنزين والضرائب والخدمات التي يحتاجها المواطن.

ويؤكد المحلل والباحث الاقتصادي أن كل هذه الإجراءات مثل الأحلام في ظل هذه السلطة، ولكن إذا وجدت إرادة سياسية لتجنب الانهيار، فيمكن تحقيق ذلك.

ويلفت إلى أن ما بين 40 إلى 50 مؤسسة عامة تحتاج إلى غربلة وتصحيح أوضاعها، ويوجد جهد كبير يجب أن يقدّم، خاصة في خفض مروحة الفروقات الكبيرة في أجور الموظفين بالقطاع العام، وتوجد صناديق يجب اتخاذ قرار بشأنها، وإغلاقها.

ويشدد حمدان على أنه في حال عدم الوصول إلى نسبة العجز وفق موازنة 2019 (7.6 في المائة) سيزداد خطر الانفجار النقدي بحيث لا تكون هناك قدرة لتأمين العملة الأجنبية “إلى هذه الدرجة الوقت قصير، ولكن إذا وجد قرار دولي في إبقاء البلد بحالة “كوما” بانتظار تسويات كبيرة في المنطقة قد تدخل قروض سيدر، ولكنها تحتاج أقله إلى عام لكي يتم صرفها في مشاريع، وهذا العام هو الوقت الرمادي الخطر”.

ويلفت حمدان إلى أنه عمل على اقتراح لتثبيت تعويضات نهاية الخدمة على سعر الصرف الحالي وكذلك بالنسبة إلى قطاع الصحة من حيث تحديد سعر الصرف في استيراد الأدوية. “ولكن لم نتلق أي تجاوب لاستباق أي أزمة ممكن أن تحصل”.

بدوره، يشرح الخبير الاقتصادي جاد شعبان، أن الطبقة السياسية القائمة في لبنان تحاول حماية مصالحها أولاً. إذ يوجد شد حبال ما بين السياسيين الذين يسيطرون على السلطة، وهم من كبار أصحاب الودائع ومالكين للمصارف من جهة، وهؤلاء يسعون لخفض العجز عبر التقشف الذي يطاول المواطنين ومصالحهم، وتفادي خفض التصنيف الائتماني لتحصين أموالهم المصرفية.

ومن جهة أخرى، تقبع غالبية المواطنين، التي تواجه نتائج السياسات الحكومية، القائمة على التقشف وتجميد التوظيف والمس بالمكتسبات وبينها معاشات التقاعد، إضافة إلى تحمل الزيادات المتواصلة بالضرائب والاستحقاقات المالية الشهرية.

ويشير شعبان إلى أن السلطة الحالية تسعى إلى الحفاظ على نسبة فوائد عالية على سندات مصرف لبنان لحماية “حنفية” السيولة، وهذه العملية تحمي حسابات الكبار وتزيد أرباحهم في عز الأزمة القائمة. في الوقت ذاته قامت بفرملة التوظيف والاستثمار وإطلاق التقشف وزيادة الضرائب، هذه الإجراءات أحدثت ركوداً وتراجعاً بالاستهلاك والاستثمار، ما يعني انخفاض الإيرادات الضريبية التي تسيطر على غالبية عائدات الموازنة، بموازاة كبح الإنفاق العام وكذلك خفض تمويل مشاريع القطاع الخاص عبر المصارف… والنتيجة، دائرة اقتصادية مغلقة تكرر الأزمات ولكن بوتيرة أسرع وأكثر حدة.

ويؤكد شعبان أنه في ظل الوضع الحالي ومن دون حدوث خضات، إذا لم يتحسن الوضع القائم فيما يتعلق بالاحتياطي النقدي ووتيرة سحب الودائع، فإنه توجد سنتان أو ثلاث سنوات يمكن خلالها تغطية النفقات والعجز التجاري والمالي. ويوجد السيناريو الأسوأ الذي يرتبط بحصول خضات استثنائية مثل الحروب أو ارتفاع أسعار البترول.

وكان رئيس وزراء لبنان سعد الحريري قد قال الأربعاء إن حكومته تستهدف خفض عجز الميزانية إلى سبعة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل في إطار “إصلاحات” لتعزيز مالية الدولة وكبح الدين العام.

وذكر الحريري في مقابلة مع تلفزيون “سي.إن.بي.سي” أن لبنان يريد أيضاً الإبقاء على عملته المحلية مربوطة بالدولار، وهو ما يشكّل عنصراً حيوياً للمضي قدماً في الإصلاحات.

وأضاف: “لذا ما نفعله هو إصلاح مشكلة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي والهبوط بالعجز إلى 7.6 في المائة هذا العام”. وتابع أن بلاده لا تفكر في اللجوء إلى برنامج من صندوق النقد الدولي بما أنه يترك تحديد تسعير العملة لقوى السوق.

مقالات ذات صله