لا يا محمد الدايني.. العمائم ليست جديرة بالحكم !- هارون محمد

يبدو أن عدداً من سياسيي الســـنة، وبسبب ما يتعرضون له من تهميش سياسي، واستهداف طائفي من أهل السلطة وأصحاب القرار، باتوا يغردون خارج السرب، ويطرحون آراءً غريبة، ومقترحات غير واقعية، تفتقر إلى التوازن والموضوعية، ظناً منهم ـ وإن بعض الظن إثم ـ أنها قد تُخرج العملية السياسية من مأزقها، الذي تعيش تحت وطأته، منذ نيسان 2003 الى يومنا الراهن، من دون أن يدركوا، أن طروحاتهم هي مجرد تمنيات لو تحققت، فانها ستزيد الطين بلة، وتُضيف إلى أزمات البلاد، التي لا تعد ولا تحصى، مشكلات ومعضلات جديدة.

من حق النائب السابق محمد الدايني، وهو ناشط سياسي دؤوب، ومتابع جيد للأحداث، كما نلاحظه في تغريداته ودعواته إلى التغيير، أن يُقدم أفكاراً ورؤى يعتقد أنها ربما تخفف من حالة الاحتقان السياسي وصراعات مراكز القوى على التفرد والنفوذ، ولكن أن يقترح تشكيل مجلس حكم انتقالي، برئاسة مقتدى الصدر، كما جاء في مقابلة له مع قناة (الرشيد) الفضائية، فمسألة تدعو إلى الرثاء حقاً، على حال العراق، والمصير، الذي وصل إليه، بحيث تتم الدعوة إلى تنصيب عمامة شيعية، بغض النظر عن لونها وشكلها، على رأس السلطة من دون مراعاة لمشاعر ملايين العراقيين، وهم الأغلبية الشعبية الساحقة، التي تضررت من الملالي وأصحاب العمائم، ومن قادة الأحزاب والكتل الدينية، الذين أثبتوا أنهم ليسوا رجال دولة، ولا يفهمون في شؤون الحكم، وكل همهم هو التحكم بموارد العراق ونهب ثرواته، والسعي إلى افقاره، وتحويله إلى دولة فاشلة وبلد هامشي وتابع، لا سيادة له ولا مستقبل يوحي بالأمان والاستقرار.

وإذا كان في العقل الباطني للدايني أن مقترحه هذا، قد يزيد شقة الخلاف بين أقطاب الشيعة، ويدفعهم إلى الاستقطاب والتربص بعضهم لبعض، فانه واهم بالتأكيد، لأن هؤلاء مهما اختلفوا أو تصايحوا في الكلام، أو تبادلوا الاتهامات، فانهم سرعان ما يتفقون، ويعبرون على خلافاتهم وأغلبها، شخصي أو حزبي أو انتفاعي، ويعودون إلى سيرتهم الأولى، والتجربة الأخيرة في استقدام عادل عبدالمهدي وتكليفه برئاسة الحكومة الحالية، شاهد ودليل، بعد أن تجاوز مقتدى الصدر وهادي العامري ما بينهما من نفور متبادل، وخصومة سياسية، طيلة السنوات السابقة، وصارا (دهن ودبس) بمباركة مرجعية النجف، وترحيب طهران، وتقاسما الكعكة، سواء عبر أكذوبة النافذة الإلكترونية، أم بصفة مباشرة، وكل واحد منهما أخذ نصيبه.

ويخطيء الدايني إذا اعتقد أيضاً، أن الشارع الشيعي، الذي يتبع التيار  الصدري، منضبط وله ثوابت وطنية ومنطلقات اصلاحية، لأن هذه الجموع، التي ترتهن لارادة شخص واحد وتلبي رغباته، المزاجية أو العاطفية، الصحيحة أو الخاطئة، من دون وعي وتقييم وإدراك، لا يمكن الاعتماد عليها، إلا في إحداث الفوضى وصرف الأنظار عن فشل الحكومات، كما حصل في عهد حيدر العبادي، عندما ذهب (سماحة القائد) في موكب بهيج إلى المنطقة الخضراء، ودخلها (فاتحاً) من أوسع أبوابها، في وقت حدده، قبل ليلة، مساعده أو مستشاره، حاكم الزاملي، حيث استقبله حراسها، وعلى رأسهم ضابط برتبة فريق، هو محمد رضا، بالتهليل وتقبيل يديه وصدره وكتفيه، ونصب له خيمة (ملوكية) بألوانها الزاهية وأفرشتها الوثيرة، وانتهت الحفلة، التي سميت زوراً وبهتاناً بأنها اقتحام بطولي للمنطقة الخضراء، بعودة (السيد) إلى النجف، منتصراً، على ماذا؟ لا شيء، سوى الضحك على السذج والبسطاء، الذين صدقوا فصول المسرحية الكوميدية، التي يكاد الفريق محمد رضا، الوحيد، الذي استفاد منها، حيث انضم إلى التيار الصدري، تقديراً لجهوده الشجاعة، وتكريماً لمواقفه الباسلة، في تلك الأيام المجيدة، وكُرم بامتياز، وهو اليوم رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب، (فيها شي.. لا ما فيها)!

وعادة ودائماً، عندما تتعرض الشعوب والدول، خصوصاً في العالم الثالث، إلى نكسات وانتكاسات داخلية، أو احتلالات أجنبية، مع غياب طبقة سياسية، قادرة على لمّ الشمل الوطني، فان التيارات العشوائية والنزعات الفردية والدعوات الطائفية والاستقطابات المناطقية والعشائرية والحروب الاهلية، هي التي تطفح على السطح، وتتسيد المشهد السياسي، سواء بتفاهمات سرية أم علنية، بين محركاتها، أو عبر قنوات مشتركة بين أطرافها، على طريقة (هذا لك وهذا لي!) وهو ما يحصل في العراق اليوم، ومظاهره في كل مكان وميدان في البلاد.

ومشكلة التيارات والأحزاب والكتل المتصدرة للمشهد السياسي العراقي حالياً، أنها لا تملك تصورات صحيحة، وليس لديها رؤى وطنية، وبخاصة القوى المتنفذة، ومنها التيار الصدري وزعيمه مقتدى، اللذان يعيشان في تناقضات سياسية حادة، فهما يدعوان إلى الاصلاح والتغيير نحو الأحسن والأفضل، ولكنهما في الوقت نفسه، مشاركان في جميع الحكومات المتعاقبة، بنحو مباشر، أو من خلف ستار، وضالعان أيضاً في فسادها وحماية رموزها، الأمر الذي رفع مستويات التخبط السياسي وزاد من معدلات الفساد، دون ان يلمس الشعب، وقفة جادة من التيار وقائده، غير تغريدات عاطفية ودعوات لفظية وثرثرة كلامية.

وليس انتقاصاً من المكانة الدينية للسيد مقتدى الصدر ولا مساساً بمنزلته  الشخصية والاجتماعية، إلا أنه مشوش في مواقفه السياسية، ولا يقرّ له قرار، وهذا ما ظهر في كثير من المناسبات والحالات، وأيضا في خطوات اتخذها، بحيث اختلطت المعارضة والموالاة في شخصيته وخطابه ومنهجه، وتالياً فإن من الصعب، معرفة ما يريد، وماذا في ذهنه، وهو أمر استغله نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبدالمهدي، في تمرير سياساتهم وتنفيذ أجندتهم، بلا خوف منه شخصياً، ودون خشية من ردود فعل تياره.

وبعد هذا وذاك كله، يأتي أخونا محمد الدايني، ويقترح تشكيل مجلس  انتقالي، برئاسة مقتدى الصدر، وكأن لهذه الصيغة ولهذه الرئاسة عصا سحرية لحل مشكلات العراق وأزماته، التي باتت مستعصية وشائكة، ولن تحلّ الا باختفاء هذه الوجوه الحاكمة، بالقوة أو الانقلاب، وهما غير متوافرين حالياً، أو بمعجزة، في عصر عقمت فيه المعجزات.

مقالات ذات صله