محاكم سرية في مخيم الهول لمعاقبة النسوة اللاتي يحاولن الانحراف عن داعش

 

استعصاء التوبة عند المنتمين إلى التنظيمات المتطرفة دليل واضح على أن تفكيك الظاهرة الإرهابية لا يرتبط فقط بهزمها على الأرض وإنما يتعلق بدرجة أولى بخوض حرب أفكار ضدها.

 

قتلت امرأتان وجرح سبعة أشخاص، الاثنين، في حادث طعن وأعمال شغب داخل مخيم الهول شمال شرق سوريا الذي يستقبل الآلاف من الأجنبيات من تنظيم الدولة الإسلامية. في تأكيد لزيادة الحوادث المرتبطة التي تشهدها الأشهر الأخيرة.

 

وأوردت وكالة أنباء هاوار الكردية المحلية أن أجنبيات “شكّلن محاكم سرية لبعض النساء الأخريات بتهمة ابتعادهن عن فكر داعش المتطرف”. وقال المصدر نفسه “المرأة التي قتلت بيد نساء داعش بالسكين بعد محاكمتها من قبلهن، والجرحى أصيبوا بعد مهاجمتهم قوات الأمن الداخلي الكردية “الأسايش” على إثر رغبة الأخيرة بالتدخل لإنقاذ حياة المرأة التي كانت تتم محاكمتها “.

 

وتؤكد هذه الحادثة مدى تغلغل الفكر المتطرف عند المنتمين إلى التنظيم المتشدد، والذي ينبثق من تربة الانغلاق والتعصب والهوية المأزومة والخطابات الدينية التقليدية التي تمنع أصحابها من رؤية متسامحة مع الآخر.

 

وتكشف أن أفكار التنظيم المتشدد مازالت تسيطر على مؤيديه، رغم تقهقره وتراجع نفوذه في العراق وسوريا. ويصعب على التنظيمات، التي اعتادت على الغلو والتشدد في مواقفها ورؤاها، القبول بالأطروحات المختلفة والآراء غير المتوافقة معها. وهي التي تسترت بغطاء الدين لتحقيق أجندتها في المناطق التي سيطرت عليها، واستخدمت الخطاب الديني لجذب المزيد من الأفراد إليها، مدعية نصرة المسلمين والدفاع عن الإسلام.

 

ويفرض هذا السلوك المتشدد لنساء داعش تساؤلات عديدة حول جدوى السياسات الأمنية والعسكرية التي تتبناها دول عدة بعنوان مكافحة الإرهاب والقبول بعودة المقاتلين.

 

وكانت بعض المقاربات تقول بإمكانية استعادة هذه العناصر من بؤر التوتر تحت مسمى قانون التوبة دون التنبه الحقيقي لما يشكله أفراد الجماعات المتطرفة من خطر على الأمن والسلم المجتمعي.

 

ويعتبر مراقبون أن ما حدث في مخيم الهول شمال شرق سوريا من تبادل إطلاق نار ليس مجرد واقعة عسكرية، بل هو حدث يتطلب التمعن يمكن أن نستخرج منه الكثير من الدلالات والاستنتاجات، وأهمها أن باب توبة الجهاديات ليس ميسّرا بمجرد إبعادهن عن معسكرات التنظيم، كما يتصور البعض، بل هو أكثر عسرا إذا عرفنا أن التطرف النسوي يمكن أن يكون أكثر خطورة لأن المرأة المتطرفة لا تحمل أفكار التطرف في ذاتها فقط بل يمكن أن تورثه لأبنائها، فضلا عن صعوبة مراقبة وضبط العناصر النسوية المتطرفة تبعا للخصوصيات الثقافية والأخلاقية والاجتماعية في العالم العربي الإسلامي.

 

والكثيرات منهن مازلن فخورات بالانتماء إلى التنظيم ولا يشعرن بالندم على جرائمهن، وبالتالي فإن حراسهن الأكراد قلقون بأن يتحول آلاف من الأطفال في المعسكر في شمال سوريا أيضا إلى “إرهابيين” إذا لم يوجد برنامج لمكافحة الراديكالية.

 

وتريد ميليشيا “داعش” “نشر إيديولوجيتها من خلال هؤلاء النساء”، حيث يقول عامر علي، الذي يترأس وحدة الشرطة الكردية “أسايش” في مخيم الاعتقال في الشمال الشرقي لسوريا “هن ينظرن إلينا كأعداء، وهذا يقود إلى صعوبات”. وحتى الأطفال يمثلون إشكالية بالنسبة إلى القوى الأمنية، “هم يرموننا بالحجارة، بتحريض من أمهاتهم اللواتي يقلن لهم إننا قتلنا آباءهم ودمرنا بيوتهم”.

 

وباتت هذه التنظيمات منذ فترات تعمل على  تشريك الإناث ضمن تشكيلاتها وتوكل إليهم المهام، ليخرج التطرف من دائرة الجنس الذكري ويتحول إلى فكر متنقل يتشاركه الرجال والنساء على حد سواء.

 

ويرى متابعون أنه لا يجب الاكتفاء بالرد على المقولات الأساسية للتطرف العنيف وأخذ الموقف الدفاعي في الرد على ادعاءات التنظيمات المتطرفة المبنية على أساس ديني، بل يستوجب الأمر تفكيك خطاب التطرف وتجريده من أسانيده الدينية المزعومة ونبذه في المجتمع، لإحراق الأوراق التي تلعب بها التنظيمات المتطرفة، كما يجب تعزيز ثقافة السلم في المجتمعات الإسلامية، وأن يتخذ رجال الدين المعتدلون موقفا صحيحا وصريحا في تفنيد القضايا الدينية التي تحاول التنظيمات المتطرفة استغلالها لصالحها.

مقالات ذات صله