نساء داعش.. أمهات الأيديولوجيا المتطرفة-حميد زناز

 

سقطت الكثير من المحاولات الفكرية لفهم الظاهرة الإرهابية في مطب الكسل الفكري والتهاون عن طرح قراءات جريئة للتيارات الإرهابية، فيما يشبه توفير تبرير للإرهاب أو تمكينه من الذرائع. وعلى شاكلة هذه القراءات ذهب بعضها إلى اعتبار الحضور النسوي في التيارات الإرهابية، مرده البحث عن الزواج أو الإنجاب أو الهروب من المشكلات الاجتماعية، وهي قراءات لا تعبر فقط عن سطحية في فهم هذه الظواهر، بل تنحرف بخطورة المسألة وتوفر ضربا من البراءة لمشاركات هن في الجوهر فاعلات في التنظيمات الإرهابية وملتزمات بأفكارها المتشددة.

 

تقدم وسائل الإعلام الفرنسية في أغلبها النساء الفرنسيات الملتحقات بالجهاد في صفوف تنظيم داعش بسوريا والعراق على أنهن مجرد تابعات لأزواجهن الإرهابيين، وذلك تماشيا مع الفكرة الدونية التي تعشش في أذهان الصحافيين والمحللين عن المرأة العربية التي لا دور لها في اعتقادهم سوى تلبية رغبات الرجال.

 

وتستثمر القنوات الفرنسية التابعة للقطاع العمومي في ثقافة العاطفة والأمومة في غالب الأحيان لتلطيف صورة المرأة والأم خاصة وإبعاد عنها تهمة التطرف والإرهاب الجهادي.

 

وتظهر من حين لآخر على الشاشات منقبة مرتدية الأسود دائما تحمل بين ذراعيها رضيعا يصرخ وتدعي أنها بريئة ولم تكن تعرف ما يفعله الدواعش من مناكر وأنها وجدت نفسها سجينة هناك وندمت، وكثيرا ما تدعي أنها حاولت أن تهرب لتعود إلى وطنها فرنسا لإنقاذ أولادها لكن دون جدوى.

 

فهل نساء داعش جهاديات أم زوجات جهاديين فقط؟ هل يمكن لامرأة أن تعيش مع رجل دموي دون أن تشاركه ولو من بعيد شيئا من أيديولوجيته القاتلة؟

 

من طريقة الاقتران مع إرهابي يبدو الأمر واضحا بأن العروس تشاركه نظرته وتشدده واحتقاره للمرأة. فحسب شهادات كثيرة ومحاضر العدالة والتنصت على المكالمات الهاتفية، تطرح على المرأة المقبلة على الزواج من داعشي ثلاثة أسئلة ليلة.

 

العرس: هل توافقين على تعدد الزوجات؟ هل تحبين أسامة بن لادن؟ هل تحسنين الطبخ؟ وبمجرد أن تجيب بالإيجاب، يتم إعلان الزواج الشرعي وتصبح الشابة زوجة الإرهابي أو إحدى زوجاته.

 

ويتحدث الإعلام عن التحاق حوالي 500 امرأة فرنسية بمجرمي داعش بسوريا والعراق منذ 2015 في حين بلغ عدد الذكور حوالي 5000 حسب نفس المصادر. ومن المحتمل أن يكون عدد النساء أكثر بكثير مما يذكر عادة للأسباب المذكورة سابقا، نظرا لعدد الذكور.

 

وليس هذا فحسب، بل تحاول بعض الكتابات أن تخلع صفة العنف والتشدد الديني عنهن مقدمة تحليلات شبه سوسيولوجية وبسيكولوجية انطلاقا من إجراء مقابلات مع بعض العائدات من دولة داعش في الرقة والموصل وغيرهما، فكأن هؤلاء الباحثين ينتظرون منهن أن يعترفن بأهداف التحاقهن بالمنظمة الإرهابية ويدلين بكل ما فعلن من شرور هناك! فهل هن مجنونات ليقدمن دليل إجرامهن للعدالة الفرنسية وهن في قبضتها؟ ويصل المحللون النفسانيون وعلماء الاجتماع بسرعة، باحثين عن عمق فكري يضحك أكثر مما يفسّر، إلى أن تحول الشابات الفرنسيات الراديكالي وقبولهن للأخلاقية المتشددة الصارمة التي تدعو إليها الأصولية ما هو إلا مجرد شعور بالذنب نحو أجسادهن ومسارهن الجنسي وحياتهن السابقة عموما. وما العودة للتمسك بالزواج والأمومة سوى رد فعل ضد أفكار ومثل الحركات النسوية التحررية!

 

نساء داعش زرعن الذعر من أجل تطبيق صارم لتعاليم ما يسمينه شريعة إسلاميةنساء داعش زرعن الذعر من أجل تطبيق صارم لتعاليم ما يسمينه شريعة إسلامية

 

في كتابهما “الجهاد والنساء” يخرج علينا عالم الاجتماع من أصل إيراني فرهاد خسروخافار والمحلل النفساني من أصل تونسي فتحي بن سلامة بنظرية طريفة تقول إن الفتيات لا يتوجهن إلى سوريا والعراق من أجل المشاركة في الجهاد، وإنما بحثا عن الزواج، لتكون زوجة لذلك الزوج الفحل، المقاتل المستعد للتضحية من أجل قضيته. فالرجال الغربيون غير أوفياء ولا يعوّل عليهم في تحقيق تطلعهن للإنجاب بينما يجدن ذلك لدى الدواعش وهن في سن المراهقة.

 

أحيانا. فالالتحاق بداعش هو في نظر الباحثين هروب للفتيات من مدة المراهقة الطويلة في الغرب!

 

وقد تنطبق هذه النظرية على بعض الملتحقات بداعش كحالات خاصة، أما القول إن أغلبيتهن ذهبن من أجل البحث عن الحب والإنجاب وهروبا من برودة الرجل الغربي وأنهن لا يشاركن هذا الزوج المثالي أفكاره التهديمية الإجرامية، فهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة كي لا نقول إنه تحليل مضحك ومضلل.

 

وتتحدث التقارير عن وجود المئات من النساء الموقوفات، تتراوح أعمارهن من 25 إلى 50 سنة، كنّ من مناصرات ومجاهدات داعش قبل الإطاحة به وطرده من مدينة الموصل بلغ عددهن 509 أجنبية من بينهن 300 تركية ومعهن 813 من الأطفال.

 

وبعيدا عن الحب والإنجاب المبكر والتمتع بفحولة الأزواج الدواعش كما يعتقد الباحثان المذكوران سابقا، وبغض النظر عن عدم المشاركة الكثيفة المباشرة في القتال، قدمت الداعشيات الفرنسيات والأجنبيات بشكل عام خدمات كبيرة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بوضع خبراتهن في مجالات عديدة تحت تصرف الإرهابيين كالغسيل  والطهي والخياطة والتعليم والإعلام الإلكتروني والدعاية.

 

ويكفي لإدانتهن أخلاقيا وقانونيا أنهن عشن من مدخول واحد هو السرقة. أكلن من عرق العائلات العراقية والسورية التي استحوذ أزواجهن بالقوة على محاصيلها، ومن بيع البترول المسروق، ومن تفكيك المصانع وبيعها في سوريا، ومن نهب التحف وبيعها.. ولكن الأمرّ والأدهى أنهن عشن من بيع النساء غير المسلمات في الأسواق.

 

في الحقيقة لا فرق بين من حمل السلاح ومن أمنّت له القواعد الخلفية. وداعش نفسه يعتبر كل المدنيين مجاهدين. فأن ترفع المرأة ملعقة لإطعام جريح داعشي أو كلاشنيكوف لقتل بريء فالأمر سيان ما دام الهدف خدمة تنظيم إجرامي. فهي تقوم بدورها في العملية التدميرية الإجرامية تحت مسمى الجهاد. وحتى وإن لم تقتل أحدا مباشرة فقد قتلت بشكل غير مباشر عن طريق زوجها أو غيره من الإرهابيين. وقانونيا تصنف كمساندة لوجستية ومساعدة لمنظمة إرهابية.

 

وفي شهادتها “في ليل داعش” المنشور تحت اسم مستعار، تسرد صوفي كازيكي حكاية اعتناقها للإسلام وكيف سافرت وابنها، ابن الأربع سنوات، لتشتغل في مستشفى مدينة الرقة، حينما كانت عاصمة للدولة الاسلامية.

 

نساء داعش زرعن الذعر من أجل تطبيق صارم لتعاليم ما يسمينه شريعة إسلامية فقمعن المخالفات لتلك الشريعة المزعومة

 

عاشت قرابة الشهرين في جهنم كما تقول قبل أن تتمكن من الفرار بجلدها هي وابنها. لقد سجنت 24 ساعة في مركز النساء أو المقر كما يقول الدواعش وهو نقطة عبور إجباري تمر عليه كل الجهاديات الأجنبيات عند وصولهن ولا يخرجن منه إلا إذا تزوجن، ولكن ما صدمها فيه هو بربرية الأمهات الجهاديات اللواتي يعلمن البربرية لأولادهن الصغار.

 

تكتب صوفي كازيكي مفندة ادعاءات الإعلام الفرنسي والمثقفين “المقر هو إقامة، نوع من دار حضانة للنساء، مع بعض أطفال، جميع أبوابها مغلقة عليهم بإحكام، مفاتيحها في يد شبه مديرة ماخور مسلحة. أعتقد أنها فرنسية إذ تتحدث فرنسية جيدة. توجد قاعة تلفزيون وأشرطة فيديو دعائية، مليئة بصور الذبح وجميع الفظائع التي يرتكبها الدواعش والتي اعتاد الأطفال على مشاهدتها قرب أمهاتهم وغيرهن من النساء اللواتي يصفقن أو يضحكن من مشاهد الرعب. كان عمر الأطفال الذين  رأيت من 2 إلى 6 سنوات ويبدو أنهم معتادون على العنف فهم ذاتهم يتصرفون كالوحوش الصغيرة”.

 

وفي هاتف جهادية عائدة من سوريا، عثر المحققون على رسائل قصيرة وتسجيلات وصور لمشاهد رعب مروعة ووحشية. تقول دنيا بوزار وهي مسؤولة عن مركز الوقاية من أخطار الانحرافات الطائفية المتعلقة بالإسلام والتي اطلعت على تلك الوثائق “مثل الذكور يتبادلن صورا يظهرن فيها وهن يحملن رأسا مقطوعة وأخريات يظهرن وهن يعلمن الأطفال لعب كرة القدم برؤوس مقطوعة. وهن صبيات لم يكنّ قبل ذلك بسنة سوى تلميذات في السنة الثانية ثانوي بالريف الفرنسي”.

 

لقد تميزت نساء داعش بقسوة كبيرة كما ظهر من تصرفات عناصر كتائب الخنساء التي أسسها داعش بالرقة سنة 2014 لمراقبة سلوك السوريات ونشر النموذج الذي يجب أن تكون عليه المرأة في دولة الخلافة. لقد زرعن الذعر من أجل تطبيق صارم لتعاليم ما يسمينه شريعة إسلامية فقمعن المخالفات لتلك الشريعة المزعومة واستعملن السوط ضد أخواتهن النساء.

مقالات ذات صله