الباحث فتحي المسكيني: لا معنى لأي نقاش بشأن توبة الإرهابيين

يحتدم النقاش داخل المجتمعات التي شملتها الظاهرة الإرهابية حول عودة الإرهابيين من بؤر التوتر، فيما يشير إلى تبني جهات داخلية تنتمي إلى تيارات دينية لأطروحات تسمح بالتساهل مع هذه العناصر المتشددة وتجد لهم المبررات والمسوغات لإعادة إدماجهم داخل المجتمع، متجاهلة ما يمثلونه من خطر وتهديد للسلم والأمن المجتمعي. وفي سياق مشاركاته المتواصلة في الجدل العام حول القضايا الإشكالية يطرح المفكر التونسي فتحي المسكيني في كتابه “الإيمان الحر أو ما بعد الملة” رؤيته الناقدة للمغالطات الفقهية التي تخلط بين فهم توبة المؤمنين في الفقه الديني وتوبة الإرهابيين في قانون الدولة الحديثة، منتقدا الدفاع السياسي عن المتشددين باعتباره تبريرا للقتل باسم الدين، مؤكدا أنه لا معنى لأي نقاش حول توبة الإرهابيين.

 

يؤكد المفكر التونسي، المتخصص في الفلسفة فتحي المسكيني، أن قتل الأبرياء ليس زلّة؛ أي ليس فعلا من الصغائر يفعله الفاعل من غير قصد، بل هو معصية؛ أي فعل حرام يقصد إلى نفسه مع العلم بحرمته. ويقول “إن المؤمن لو كان يعتقد أن القتل ليس معصية بل هو جهاد صُراح، فهو في حِلٍّ من أي توبة، ومن ثَمَّ إن النقاش معه على أساس التوبة هو مغالطة فقهية لغير الناطقين بها. لا يندم المرء على المباح أو على الطاعة لأولي الأمر؛ هذا يعني أن الإفتاء بالقتل يجعل المؤمن في حلٍّ من التوبة. وفجأة يتعقد الإشكال، لأن التكليف قد غيّر من وجهه. لا يندم، إذاً، إلا من كان يشعر أن فعله معصية دينية وليس مجرد زلة شخصية”.

 

ويتناول المسكيني في كتابه “الإيمان الحر أو ما بعد الملة”، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، مفهوم الإيمان الحر بوصفه ورشة تأويلية وليس عقيدة جاهزة. ويقول “من دون أن نحتاج إلى تنصيب أيّ عدوّ افتراضي من أجل التفكير ضده، حتى نشعر بأننا حققنا شيئا يُذكر؛ علينا أن نرتاب من أيّ حرية غير حرة، نعني حرية لا يمكن لأي جهة أن تستعملها بوصفها أداة لشيء آخر.

 

ويحذر المفكر التونسي من الذين يعوّلون على أجوبة أخلاقية عن أسئلة التفكير. ويشير إلى أن “تملّق الأمة هو فن العديد من قراء التراث؛ مثله مثل تملق الحداثة أو تملق الليبرالية..”. فتملق الهوية لم يعد يليق بالأرواح الحرة. معتبرا أن كل تفكير في الاختلاف “الهووي” من الصعب ألّا ينقلب إلى مجرد ألق أسلوبي أو تنويعات جمالية على مشكل يقع خارج أفق الفن. وعلينا أن نحترس من الخلط بين الاختلاف الجمالي والخلاف الفقهي.

 

وفي سياق الجدل الدائر في تونس والعديد من البلدان الأوروبية، حول عودة الإرهابيين من مناطق التوتر، يطرح المسكيني تساؤلات جد مهمة وخطيرة من بينها، ما هي صلاحية مطالبة “الجهاديين” بالتوبة باسم السلم الاجتماعية مثلا؟ أو باسم الدساتير الوطنية؟ ألا يُعد ذلك مهاترة ما بعد حديثة معهم؟

 

ويؤكد أن شرط كل نقاش عن التوبة مع الجهادي المعاصر؛ “أي القاتل باسم الدين راهنا” هو أن نقنعه أولا بأن القتل “معصية”.. فإذا لم يقتنع القاتل بأن القتل هو معصية؛ “أي معصية من حيث ماهيته” فإن كل حديث عن التوبة هو شجار أخلاقي خارج قواعده. حتى لو أنه أقر بأن فعله معصية يجب أن يصاحب ذلك الإقرار “عزم أن لا يعود إليها إذا قدر عليها”.

 

فتحي المسكيني: قتل الأبرياء ليس زلة؛ فهو ليس فعلا من الصغائر يفعله الفاعل من غير قصد، بل هو معصيةفتحي المسكيني: قتل الأبرياء ليس زلة؛ فهو ليس فعلا من الصغائر يفعله الفاعل من غير قصد، بل هو معصية

 

وهو يعتبر أن العزم قرار، لكن مضمونه ليس الفعل بل تعطيل القدرة على الفعل؛ ذلك يعني أن العاجز أو غير المتمكن من “القتل” لا يُعد موضوعا للتوبة. ومن يترك ما لا يستطيع ليس تائبا. وحده القادر على القتل يمكنه أن يعزم على عدم العودة إلى القتل.

 

وهكذا، لا تنتج التوبة عن العجز أو الفشل. فالتوبة ليست فشلا إجرائيّا، بل هي قرار شرعي، حيث لا معنى لأي عامل نفسي “مثل صداع شارب الخمر أو خفة عقله”، أو اجتماعي “الإخلال بالمال”، أو أخلاقي “العِرض”. ومن ثَم إن توبة المتديّنين تقع خارج مفردات النقاش الحديث عن “النقد الذاتي”، أو “مراجعة المواقف”. هي اعتراف بأن القتل مثلا “معصية من حيث هي معصية”. وهذا تقرير مقولي يتعلق بمقولة التوبة، كونها موقفا تأويليا يفهم المعصية “بوصفها” معصية، وليس بوصفها شيئا آخر لا يدخل في تعريفها الشرعي. بذلك يتوضح أن الندم ليس توبة إلا استبشارا؛ أي كنوع من الدعوة إلى التوبة، وهي دعوة لا يمكن أن تتم إلا بين “متدينين” داخل الجماعية الدينية نفسها، وليس بين “جهاديين” و”مجتمع مدني” حديث.

 

ويواصل المسكيني تساؤلاته، كيف يمكن الجمع في مستوى حجاجي واحد بين توبة المؤمنين في فقه الملة وتوبة الإرهابيين في قانون الدولة الحديثة؟ إذ بقدر ما تتبين طرافة مفهوم التوبة في فقه الملة؛ حيث إن التوبة هي صفة عامة للمؤمنين، يرعبنا الدفاع السياسي عن توبة الإرهابيين، وكأن مفهوم التوبة يمكن أن يخرج من عقيدة الإرهاب الحديثة.

 

ويمثل الإرهاب، من وجهة نظر الفيلسوف التونسي، نوعا من العدمية الخاصة بالمجتمعات التي لا تزال تستمد من الدين شطرا أخلاقيا حاسما من مشروعيتها العميقة. ومن ثَمّ إن فصل الدين عن الإرهاب هو الشكل الوحيد من تحرير التوبة من غير المؤمنين بها. لا معنى لأي نقاش حول توبة الإرهابيين. لا يتوب إلا المؤمنون. موضوع الإرهاب هو قتل الأبرياء. أما الإيمان فهو براءة الله في أفق الإنسانية. وحده الله إذا يتوب عن المؤمنين.

 

ويذهب المسكيني إلى اعتبار مصطلح “الإسلام السياسي” مفهوما زائفا. فهو حشو خطابي وعلينا الكف عن استعماله لأنه يوحي للسامع بوجود إسلام غير سياسي. وهذا ممتنع سلفا، إذ ليست السياسة غير آلية الطاعة والانقياد تحت سلطة ما مهما كان نوعها. ثم لماذا تم حصر التعريف الفقهي في شرط واحد هو الطاعة أو الانقياد؟ ما الذي جعل الفقهاء يختزلون دلالة الإسلام المتشعبة في معنى الطاعة أو الانقياد؛ أي في نوع من الحرية السالبة؟

 

ويضيف المسكيني، إذا كان الجذر الفقهي قادرا على اختراع ادّعاءات الصلاحية الكافية للدفاع عن حقيقة الإيمان الحر، فلماذا عزف الفقهاء عنه، وعوضوه بأنماط من الإيمان لا تختلف عن “الإسلام”؛ أي عن سياسات الطاعة والانقياد؟ لماذا تمت إزاحة الإيمان من “المعرفة” إلى “الطاعة”؟ ويشير “يبدو الإيمان بمثابة واقعة روحية خطيرة جدّا، لا يجوز للحاكم أن يتركها من دون قيد فقهي. وكل تاريخ الملة هو تاريخ تقنيات السيطرة على فعل الإيمان وتدجينه في سياسات الطاعة.

 

ويرى سياسة الطاعة تكمن في ربط الإيمان بشروط غريبة عنه إلى حدِّ صياغة مبدأ خطير جدّاً لسياسة التكفير، مفاده أنّ «من ترك شيئاً من الطاعات فعلاً كان أو قولاً خرج من الإيمان» نفسه. إنّ الخروج من الإيمان هو التهديد الفقهي الرسمي لكلّ إيمان حرّ في أفق الملّة. ومن المؤسف أنّ المعتزلة «أو دعاة العقل في ثقافة الملة» لم ينجحوا في أكثر من تحقيق مكاسب خطابية حول هذه المسألة أشاروا إليها بعبارة «المنزلة بين المنزلتين»: أنّ من خرج من الإيمان «لم يدخل في الكفر؛ بل وقع في مرتبة بينهما» نفسه.

 

ويشدد المسكيني على أن ما يهم هذه الأجيال الجديدة ليس الفرق بين الإيمان الموجب “الطاعة” والإيمان المنفي “المعصية”، أو بين الإيمان الذي هو “منقول شرعي” والإيمان الذي هو “مجاز”، أو بين “الإيمان المنجي” والإيمان غير المنجي من النار، بل مدى علاقة الإيمان بالحرية، ولاسيما الحرية الشخصية.

 

قال القاضي الآمدي «التكليف بالإيمان تكليف بالنظر الموصل إليه وهو فعل اختياري» نفسه. الدعوة إلى النظر في حكمة الخلق ليست من جنس سياسة طاعة. والتكليف بها هو نمط الحرية الموجبة في أفق الإيمان؛ ذلك أنّ التصديق هو كما لدى الأشعري «كلام نفسي»وليس طاعة لأحد. وهو فعل كلامي إنشائي من نوع الفعل «المتضمّن–في–القول» كما صار يقول التداوليون. وأكثر النتائج طرافةً، هنا، هو اعتبار التصديق «كلام النفس»، ثمّ اعتبار كلام النفس هذا «عقد الإيمان» نفسه. ومنه أنّ «التصديق هو نسبة الصدق بالقلب أو اللسان إلى القائل» نفسه. الإيمان، إذاً، فعل كلامي وليس موقفاً سياسيّاً. وهذا بالتحديد ما طرح مسألة التغاير مع معنى «الإسلام».

 

محمد الحمامصي

مقالات ذات صله