هل تتجه الأقطار العربية نحو حظر الذبح دون تخدير؟! -مولود بن زادي

مع حلول عيد الأضحى في كل سنة، تتناقل وسائل الإعلام أخبار استقبال مصالح الاستعجالات في الأوطان العربية أعداد كبيرة من الإصابات المتفاوتة الخطورة في عمليات ذبح – عشوائية أحيانا – يشارك فيها الجزار المحترف والمبتدئ الذي لم يلمس سكينا في حياته. كانت لي فرصة لقاء بعض هؤلاء أثناء إجازتي بالجزائر قبل أسابيع. من المبتدئين، التقيت حمزة، أحد الأقارب، في العشرينات من عمره، أخبرني أنّه تعلّم الذبح بمشاهدة اليوتيوب مضيفا في صوت واثق: “مثلما تتعلم الأمهات الطبخ من اليوتيوب، نستطيع أن نتعلم الذبح من اليوتيوب!”. ومن المحترفين، التقيت الشيخ الطاهر المعروف في الحي بذبح الماشية منذ سنوات طويلة. واليوم، على غير عادته، أصاب قدمه الأيمن بجراح بالغة بسبب خطأ يرتكبه كثير من الذباحين وهو التهاون بذبح الماشية دون تقييدها، ما يمنحها قدرة على المقاومة، ويُفقده السيطرة عليها. الطاهر لم يكن الوحيد الذي فقد السيطرة على كبشه في الحي. شاهدت جارا آخر يدعى عبد الرحمن يطارد هو وإخوانه خروفا فر منهم وهم يحاولون طرحه أرضا لذبحه. التقيته لاحقا، فعاتبني لأني لا أذبح، ليتابع بنبرة تنم عن افتخار أنه ذبح 17 خروفا لأفراد أسرته وجيرانه. عبد الرحمن وكثير من “ناس الخير” لا يردُّون أحدا يسألهم المساعدة على ذبح الخروف، بل يتنافسون على ذلك، كسبا لمزيد من الأجر والمغفرة والثواب.

 

شر البلية ما يضحك

ومع حلول عيد الأضحى، تطالعنا وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بأحداث عجيبة أبطالها أنعام. عناوين مثيرة على منوال “فرار خروف في الطريق السيار” أو “هروب كبش بعد ذبحه” أو “استسلام كبش للذبح بعد سماعه اسم الله” تلفت كل الأنظار”. يوزعها بعضهم على أنها طرائف وتسلية أو معجزات إلهية، تتفاعل معها الجماهير معبّرة عن دهشتها. تنال من الإعجاب والتعليق ما لا يناله أي منشور أدبي أو علمي أو ترفيهي آخر! ويذهب بعضهم إلى حد التهليل والتكبير باعتبارها معجزة ربانية، غافلين عما تشعر به هذه الحيوانات من قلق وخوف وألم بالخصوص أثناء عمليات الذبح، وهو ما استخلصته دراسات علمية على منوال “تقرير عن الممارسات الجيدة والسلبية – مخاوف بشأن رعاية الحيوان متعلقة بممارسات الذبح – من وجهة نظر العلوم البيطرية” الصادر عام  (2010).

 

تتعرض للإجهاد والألم قبل ذبحها

إنّ ما قد تتغافل عنه مجتمعاتنا العربية في غمرة الاحتفال بالعيد هو تعرض الماشية للألم حتى قبل ذبحها. فالحيوانات معرّضة للشعور بالخوف والاضطراب والألم في المواقف العصيبة، وهو ما أكده التقرير موضّحا أنّ الحيوانات تعبر عن ألمها بشتى الطرق كالهروب، والجمود، واختلال في المشي أو السرعة، وعدم انتظام دقات القلب، واختلال في نمط التنفس، وارتفاع ضغط الدم، والتعرق، والسلوك العدواني، والعض، والخدش، والانعزال، والارتداد، والاختباء، والأنين، والأرق وغير ذلك… فعلى سبيل المثال، الأبقار التي يتم تقيدها لتشذيب مخالبها تبدو عليها بوضوح أعراض الإجهاد من خلال أعينها المفتوحة على مصرعيها ودوي أصواتها. وتظهر عليها اضطرابات مماثلة عندما تُنزَع الضمادة من مخالبها المصابة بالاتهاب. والتعبير عن الألم يختلف من صنف لآخر، ومن فرد لآخر. فالحيوانات التي تعيش في قطعان كالأغنام، عادة ما تظهر عليها علامات باهتة للغاية، ما يعني ضرورة الحذر عند محاولة إدراك سلوك هذه الحيوانات وأعراض الألم لديها.

 

تتعرض لآلام حاد أثناء ذبحها

يُعَرّف (الذبحُ) في المعاجم العالمية ب”قتل (الحيوان) بقطع حُلقومه”. ويتم ذلك بقطع الأوعية الدموية في رقبته، ما ينتج عنه توقف إمدادات الدم والأكسجين إلى الدماغ، ما يؤدي إلى فقدان وعيه وموته. إن ردود الأفعال الناتجة عن الشعور بالألم لا تتأثر باختلاف أصناف الحيوانات وأفرادها فحسب، بل أيضا بعملية الذبح نفسها. إذ أن تقييد الحيوانات لذبحها يحد من قدرتها على التعبير. فالحيوانات المقيدة لا تستطيع التعبير عن ألمها بشكل طبيعي مثلما تفعل وهي حرة طليقة. والذبح لا يسمح لها بالتعبير عن ألمها بأصواتها لأن قطع الأوعية الدموية الكامنة في رقباتها يمنع خروج هذه الأصوات، مثلما كشفت هذه الدراسة التي أكدت أن الحيوان معرض للإجهاد والاضطراب والألم قبل عملية الذبح وأثناءها وإلى غاية فقدان الوعي. من الحجج التي يقدمها المدافعون عن النحر وفق الطقوس الدينية أنّه إذا تم على يدي ذباح ماهر وبطريقة سريعة يجنّب الحيوان الشعور بالألم. لكنّ التقرير ينفي ذلك نفيا قاطعا مؤكدا أنّ الذبح السريع وعلى يد شخص خبير قد يقلل من الألم لكنه لا يمنعه تماما. ففي الوقت الذي يحتاج فيه الإنسان إلى تمرير السكين مرة واحدة لذبح الدواجن، فإنه يحتاج بين مرة وست مرات لذبح المواشي، ما يسبب ألما أكبر. ويوضّح التقرير أن مقدار الزمن الذي يحتاجه الحيوان بعد الذبح ليفقد وعيه ويسكن بذلك ألمه يتراوح لدى الغنم بين 2 و20 ثانية، وتزداد بشكل منذر لدى الأبقار حيث تتراوح بين 5 و 90 ثانية. الدراسة سجلت أيضا تواصل نشاط جذع الدماغ من خلال رد الفعل المنعكس بالعين لمدة تصل إلى 200 ثانية لدى الغنم، و330 ثانية لدى الأبقار، مشيرة إلى استمرار النشاط التنفسي بعد الذبح إلى 220 ثانية لدى الأغنام، و420 لدى الثيران.

 

تقنية التخدير والصعق الكهربائي

إن أبسط معاني التخدير هو وضع الشخص أو الحيوان في حالة شبيهة بالنوم حتى لا يشعر بالألم. وقد أدرك الإنسان أهمية التخدير منذ نشأته على سطح الأرض، فراح يبحث عن مسكنات لقتل الألم لا سيما في الجراحة. فاستخدم الصينيون الوخز بالإبر لمنع انتقال الإحساس بالألم إلى المخ في العمليات الجراحية. وكان الهنود الحمر يمضغون أوراق الكوكا ثم يبصقون عصارتها الغنية بالكوكايين على الجروح لأجل تخدير الألم. واستخدم الإنسان الأعشاب والكحوليات مسكنات للألم منذ آلاف السنين في بلاد الرافدين ومصر وبقاع أخرى في العالم. وابتكر مخدرات من الكوكايين والأفيونات في القرن التاسع عشر. واليوم يملك الإنسان أنجع العقاقير وأفضل تقنيات التخدير، فأصبحت نسبة الوفيات من التخدير لا تتعدى شخصا واحدا في كل 300 ألف شخص! وقد اتسع نطاق استخدامها ليشمل الحيوان على عكس الأزمنة الغابرة حيث كان الإنسان يلجأ بوسائله البسيطة إلى أساليب الذبح التقليدية. واليوم بتوفر هذه التقنيات، لم يعد ثمة مبرر لعدم استخدامها عدا اعتراض الطقوس الدينية عليها بدعوى مخالفتها التعاليم والقيم الشرعية الموروثة.

 

النحر ممارسة سابقة للأديان

لكنّ الذبح من الممارسات السابقة للأديان. تذكُر صحيفة (الغارديان) البريطانية، أنّ الإنسان بدأ ينصب الكمائن لاقتناص الحيوانات وذبحها قبل ما يناهز مليوني سنة! نرى الذبح بعد ذلك في سفر التكوين (1450 إلى 1400 سنة قبل الميلاد) والذي يسجّل بتفصيل وقائع قصة إبراهيم وإسحاق: “فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ”. ونرى الذبح في النظامِ الطقوسيِ الوثنيِ لدى العرب قبل الإسلام حيث كانوا يقومون بالنحرِ في الكعبةِ للآلهة الأوثان والأصنام. وكان شائعا عند نزول الرسالة الإسلامية، فجاء ذكره في القرآن (مطلع القرن ال7 للميلاد) “قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ” ﴿71 البقرة﴾. فقد كان الذبح ممارسة عالمية، ولم يقتصر على مجتمع أو عقيدة.

 

لا تعارض مع الدين أو الحرية الدينية

إنّ الذبح الإنساني بتخدير الحيوان أو صعقه بتيار كهربائي لا يتناقض مع الدين لأنه لا يسبب موت الحيوان قبل ذبحه، وهو بذلك جائز شرعا. وقد أيد هذا الحكم المجمع الفقهي معلنا أنه “لا يحرم ما ذكي من الحيوانات بعد تدويخه باستعمال مزيج ثاني أكسيد الكربون مع الهواء أو الأكسجين، أو باستعمال المسدس ذي الرأس الكروي بصورة لا تؤدي إلى موته قبل تذكيته.” ومن فوائد هذه العملية إضعاف مقاومة الحيوان وتسهيل عملية الذبح بحيث تتم بشكل سليم ودقيق دون إلحاق الألم بالأضحية. فالصعقة الكهربائية تُفقد الحيوان وعيه حتى قبل شعوره بالألم!

 

لأجل ثقافة أكثر رفقا بالحيوانات

لقد أجمعت الدراسات الميدانية والتقارير العلمية على تعرض الحيوانات للألم والاضطراب عند ذبحها بغض النظر عن مهارة الذباح أو سرعة العملية. واليوم، وعلى عكس الأزمنة الماضية، فقد توصّل الإنسان، بفضل أبحاثه العلمية واكتشافاته التكنولوجية، إلى تقنيات متطورة كفيلة بضمان ذبح الحيوانات دون إلحاق الألم بها. إن أكبر ذنب يرتكبه الإنسان المعارض لتقنيات التخدير اليوم هو عدم مبالاته بمشاعر حيوانات وديعة تحيا بجواره. ففي الوقت الذي لا يرضى فيه بإجراء عملية جراحية واحدة تقطع جسده دون تخدير خشية الألم، فإنه لا يتردد في حرمان الحيوانات من ذلك باسم أديان ظهرت في بيئات مختلفة كان فيها الإنسان يستخدم وسائل بدائية بسيطة، ولا يملك مثل هذه التقنيات المتطورة. ومع استمرار معارضة هذه التقنيات رغم تأكيد علماء الفقه أنها لا تتعارض مع الذبح الشرعي، قد لا يبقى للأوطان العربية والأمم الأخرى الممارسة للطقوس الدينية في المستقبل غير خيار واحد وهو اللجوء إلى تشريع حظر الذبح دون تخدير وتطبيقه بشتى الوسائل، على منوال النموذج الدانماركي حيث قامت حكومة كوبنهاجن في عام 2014 بإصدار قوانين تحظر الذبح وفق هذه الطقوس رفقا بهذه الحيوانات.

 

مولود بن زادي كاتب جزائري بريطانيا

مقالات ذات صله