العدوان التركي: الضوء الأخضر الروسي أسطع.. إنها قذارة السياسة يا سادة- الدكتور محمد بكر

يتواصل القصف التركي على مدن وقرى في الشمال السوري، هذا القصف الذي لم يستنثي المدنيين مطلقاً ويتجاوز المعلن بأن الهدف هو محاربة ما تصفه أنقرة بالإرهاب، وسائل الإعلام السورية الرسمية تضج هذه الأيام “بالصراخ” والتنديد بالعدوان، والشغل الشاغل لديها هو تصريح نائب وزير الخارجية فيصل المقداد لجهة وصف أردوغان وسلوكه بالمجنون والمجرم، وإلى حين كتابة هذه السطور لم تترجم دمشق عملياً في الميدان ما تقوله وتكرره أنها ستواجه العدوان بكل الوسائل المشروعة، ولا نعرف ما الذي يقيد تكاثر تلك الوسائل، والتركي يعتدي في النهاية على أراض سورية، ربما موسكو هي من يقوض ذلك، فبالرغم من إعلانها قبيل التدخل العسكري التركي بأنه يقوض التسوية السلمية في سورية، لكنها ضمناً تصادق على العمل العسكري التركي في الشمال، وملامح صفقة تركية روسية بدأت تتمظهر أكثر في المشهد السوري، تعطيل موسكو لإعلان أميركي في الأمم المتحدة يدعو لوقف الهجوم التركي، هو يدلل بشكل قطعي على تلك الصفقة، تماماً كما جرى في عملية ” غصن الزيتون” التي أفضت إلى احتلال عفرين ولم تكاثر موسكو حينها ولا حتى دمشق ما يفرمل اندفاعة أردوغان ، والجميع يعرف كيف تخلت أنقرة فيما بعد وبعد جولات عديدة عن التزاماتها ببنود اتفاق سوتشي وتفاهمات استانة ، فما الذي تملكه موسكو اليوم ليضمن فيما بعد صدق النيات التركية، إذ يبدو ضوءها الأخضر لتركيا أسطع من الضوء الأخضر الأميركي.

ما يثير كثير من علامات الاستفهام هو عدم وضوح السلوك الروسي حيال العدوان التركي على شرق الفرات، مقابل وضوح السلوك الأميركي وكيف يلعب على التناقضات ولكن الهدف واحد، صحيح أن ترامب أعطى أمراً تنفيذياً لمسؤوليه لجهة صلاحيات واسعة تقود لفرض عقوبات على أنقرة ،لكن إعلان البنتاغون إرسال آلاف الجنود الأمريكييين للسعودية وتزويد الأخيرة بصواريخ ثاد رداً على هجمات أرامكو، هو يشي عن كذب ترامب لجهة النيات الأميركية بالانسحاب من الشرق الأوسط، ويفضي بطبيعة الحال لترجيح أن واشنطن غضت الطرف عن العدوان التركي من أجل توريط إردوغان بحرب ستكلفه الكثير، سيما وأن ترامب أكد مساعدته للأكراد عسكرياً، حتى استهداف ناقلة النفط الإيرانية قبالة جدة هو ليس بعيد عن العينين الإسرائيلية والأميركية، بهدف الضغط على إيران وحلفائها لجهة تشتيت أي تفاهمات مع التركي في عدوانه على شرق الفرات وتبديد أي تقاطع للمصالح.

السؤال الأبرز؟ ماذا لو رمى أردوغان أي صفقة مع الروسي في سلة المهملات، وتالياً إمكانية أن نشهد تحرك فعلي لدمشق يؤسس لتصادم مع التركي، فهل سيدعم الروسي حينها تحرك دمشق، أم يعمل على قاعدة ” السبق العسكري” والتوجه لتحرير ادلب ووضع أردوغان على المحك.

المؤكد أن المخفي كثير وكبير جداً، إنها قذارة السياسة يا سادة.

* كاتب صحفي وأكاديمي فلسطيني

روستوك – ألمانيا

مقالات ذات صله