باحثون يعيدون تعريف مفهوم التسامح في عالم ملتبس

– أجمع باحثون ومختصون وأكاديميون ومسؤولون حكوميون على أن فكرة التسامح عاجزة عن الشيوع داخل المجتمعات في دول العالم من دون أن يكون تعاون سياسي جدي بين الدول. فالإرهاب أضحى ظاهرة عالمية ومواجهته يجب أن تكون عالمية.

 

وعرض المشاركون أفكارا في مداخلات خلال ندوة نظّمها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات في الرياض خلال يومي الخامس عشر والسادس عشر من أكتوبر الجاري لتعزيز التسامح الديني.

 

واعتبر جيمس مونرو سفير نيوزيلاند في السعودية ان الإرهاب لا دين ومذهب له، فهو ليس مسلماً ولا مسيحياً ولا يهودياً، متطرقا في مداخلته الى نجاح بلاده في معالجة تداعيات العمل الإرهابي الذي نفذه أحد المتطرفين على مساجد وراح ضحيته 42 من المسلمين في مارس الماضي.

 

وعرض خالد البريثن مدير إدارة التواصل الفكري في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، دور المركز في متابعة أفكار وممارسات التطرف، ليس على المستوى الديني فقط، وإن كان هو الأبرز بين بقية المستويات. فالتطرف يمكن أن يكون قبليا أو اجتماعيا عاما، أو إلحاديا أيضا.

 

وعندما تحدّث البريثن عن اهتمام المركز بمكافحة التطرف، في شكله الإلحادي، واجه استفسارات وردودا من الحاضرين بأن ذلك يُعدّ تدخلا في حياة الناس، والقرآن أعطى الحق بالعقيدة. وكانت إجابة البريثن أنه لا يقصد تدخل المركز في عقائد الناس وخياراتهم، ولكن عندما يواجه شخصا يدعو إلى الكراهية ضد الدين، فلابد له أن يقف على الأسباب التي دعته إلى ذلك، لأن ذلك يعد نوعا من أنواع التطرف، وأن يوضح له الأمر بأن الدين ليس ممارسات القوى المتطرفة، إنما الإيمان بالله.

إشكالية مصطلح التسامح

 

ميكيلي دورسو: أوروبا أصبحت أكثر تعددية فهي مزيج من الأديان والثقافاتميكيلي دورسو: أوروبا أصبحت أكثر تعددية فهي مزيج من الأديان والثقافات

 

وأوضح بقوله ليست مهمة المركز الدعوة إلى الدين، وليس معنيا بالإيمان والإلحاد أو تنوع الديانة، وإنما معنيّ إذا تحوّل الإلحاد إلى عقيدة تهاجم الآخرين، أي إذا أصبح الإلحاد دعوة وتطرفا ضد أصحاب الإيمان، فهذا لا ينسجم مع دعوة التعايش والتسامح.

 

واستهل الباحث العراقي رشيد الخيُّون حديثه بطرح إشكالية مصطلح “التسامح”، فما يتداول عربيا وإسلاميا أن المصطلح يعبّر عن مجال أخلاقي، على مستوى الأفراد، وهو يُقترن بالعفو، وفق عبارة “العفو عند المقدرة”، الشائعة دينيا، والتي تعني عفو القوي عن الضعيف.

 

وقال الخيون أنه عندما يُقال: فلان سامح فلانا، يعني هذا صفح عن ذاك، وبذلك يبقى المصطلح ضيّقا، لا يُساعد على تحقيق تسامح ديني، ولا يُكرس لتعايش اجتماعي، بلا كراهية وعنف. بينما نجد الغرب قد حددوا المصطلح بلا تقييد أي؛ مفتوح اجتماعيا، وأن “tolerance” مقابل “Extremism”، “التطرف”، أي؛ بعد شامل للثقافة والفكر الديني والاجتماعي بشكل عام، وليس مقيدا بفضيلة التسامح.

 

وهناك وثيقتان مهمتان أو ميثاقان تاريخيان يخصان التسامح الديني، صدرا من قِبل أعلى مراكز المجتمع والدولة، أشار إليهما الباحث الخيُّون، أحدهما صدر في الغرب عام 313 ميلادي أي؛ قبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون، وآخر صدر بالمدينة عام 622 ميلادي، المصادف للعام الأول من الهجرة النبوية.

 

ووقع “ميثاق ميلانو”، ملك قسطنطينية وملك روما، قبل اتخاذ المسيحية ديانة رسمية، وكانت حينها ديانة مضطهدة من قبل الدولتين الوثنيتين حينها. لكن الميثاق أقرّ بالحريات الدينية، أو من حق رعايا الدولتين مهما كانت ديانتهم أن يعبدوا الآلهة بطريقتهم، ومن حق المسيحيين التعبير عن ذلك.

 

وكذلك صدر ميثاق المدينة، الذي منحه النبي محمد للمجتمع المدني، نسبة إلى المدينة، والذي يقول إن من حق اليهود ممارسة حياتهم وعبادتهم، على طريقتهم. ومن حق المشركين ممارسة ما يريدون، وكل أهل دين، بشرط الالتزام بهذا الميثاق، والذي عُرف بعدة عناوين، مثل صحيفة يثرب، ووثيقة المدينة. وهناك من المتأخرين من عبّر عنه بدستور المدينة.

 

وقال الخيّون “تضمّن هذا الميثاق نحو ثلاثة وخمسين بندا، يخصّ القبائل وديانتها. وعلى الرغم مما كتبه الكثيرون على أنه الميثاق الأول في التسامح الديني، لكن ليس لنا تجاوز التاريخ، فميثاق ميلانو على ما يبدو كان الأول”.

 

عصف ذهني يتفق على واقع التطرف ويختلف على طبيعة التسامحعصف ذهني يتفق على واقع التطرف ويختلف على طبيعة التسامح

 

كما تحدث عن أهمية أن يكون الحوار جادا، ليس لغرض الدعاية والتعبئة الدينية، وكل دين يبرز ما فيه من تسامح، مع إهمال النصوص الأخرى، التي يستغلها المتطرفون، على أنها كلام مقدس أيضا، وهنا لا يمكن إغفال حقيقة أن المتطرفين هم متدينون أيضا.

 

ويرى الباحث أن التوصيف الشائع بأن ليس العنف من الدين وليس للمنظمة المتطرفة الفلانية دين، وأن الإرهاب والتطرف لا دين لهما، عبارة عن تسكين لا أكثر، بل الصحيح الاعتراف بوجود نصوص عنيفة، ولابد من دراسة كيفية التعامل معها أي؛ كيفية الخلاص من الآلاف من الكتب الفقهية، التي أشاعت العنف والتطرف، ومن داخل الدين، وما زالت تتداول بقوة، وتدخل في المناهج الدراسية؟

 

وهناك تجارب تاريخية ومعاصرة تعاملت مع تلك النصوص بحزم، فمثلا سعت الحكومات الغربية، بعد زوال الحكم الديني وتأثير الكنيسة، إلى فصل الدين كليّا عن الدولة والتعليم، وأنه يبقى قضية شخصية، بينما سعت تركيا الجديدة، بعد زوال الحكم العثماني، إلى تغيير أبجدية الكتابة التركية من الحروف العربية إلى الحروف اللاتينية، وبذلك أُغلق الطريق على الأجيال من الاطلاع على تلك التركة الثقيلة في مجملها.

 

ويطرح الخيّون حلّا نطق به الشيخ السوداني محمود محمد طه، والذي أعدم سنة 1985 بسببه من قبل الحكومة السودانية والإخوان المسلمين، عندما كانوا متنفّذين في الدولة والمجتمع.

 

ويشير هذا الحل إلى أن آيات “الأسماح”، مثلما يسميها، هي الأصل في الإسلام، وأن المدنية هي الأولى، ولا وجود لدولة دينية، وليست آيات الشدة والعنف، أو الأحاديث النبوية. بمعنى أنه يرى أن الفترة المكية هي التي تعبّر عن روح الإسلام.

التسامح في الإسلام

مركز الحرب الفكرية

 

يعتبر مركز الحرب الفكرية في الرياض أحد المراكز الذي تواجه به المملكة العربية السعودية التطرف الديني.

 

وتأسس المركز عام 2017، ويعمل على الفئات العمرية المختلفة، ولكن يبرز الشباب في المقام الأول بين اهتماماته. يتم هذا التأثير عبر العمل الثقافي والفكري في المدارس، وأبرزها متابعة المناهج الدراسية، التي هي المهم في توجيه الجيل وما كان يركز عليه الإسلام السياسي في أعوام ما عُرف بفورة “الصحوة الدينية”.

 

ويتعامل المركز بثلاث لغات؛ العربية والإنكليزية والفرنسية. فاهتمامه ليس محصورا بالمملكة العربية السعودية، وإنما على مستوى العالم، فله اتصال بأفريقيا وآسيا.

 

ويرى أن كل بلد له ظروفه ومعالجاته المناسبة، في مواجهة فتاوى التطرف الديني. وللمركز مبادرات اندماج، أي التأثير في دمج الجاليات المسلمة في مجتمعاتها التي تعيش بينها.

 

ويرى وزير العدل السعودي السابق والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الحالي محمد بن عبدالكريم العيسى أن مصطلح التسامح لا يعبّر عن جوهر عملية التسامح الديني والاجتماعي، فالذي يُقابل tolerance وهو “التسامحية” أي؛ الفضيلة غير المقيدة بحدود، وليس التسامح وهو الفضيلة المقيدة بمصلحة فردية أو شخصية، كالعفو مثلا.

 

ويعتبر العيسى أن الكثيرين لم يفهموا حقيقة الإسلام، من الغربيين على وجه الخصوص، أو من الباحثين العرب، لذا يكون العداء بسبب الجهل. بينما آخرون يفهمون ويصرون على العداء وهذا يعبر عن موقف فكري عدائي، لا ينفع معه الحوار والجدل لأنه لا يقف عند حد الإقناع.

 

كما يقر آخرون بعدم المعرفة وكشف الحقيقة. لكن ما أكدته مجالس الحوار مع الجماعات المتنوعة دينيا، أن الاختلاف يكون فضيلة إذا وقف عند حدود الاختلاف والاعتراف بالآخر.

 

وأشار العيسى إلى أن رابطة العالم الإسلامي لها صلات بالفاتيكان الممثل لفاتيكان العالم، والكنيسة الأرثدوكسية في روسيا، ومع مؤسسات يهودية في فرنسا، وأنها تحرص على السلام والتعايش بين الديانات، التي يُعبّر عنها بالإبراهيمية.

 

وثمن ميكيلي دورسو سفير الاتحاد الأوروبي في الرياض خلال مشاركته وثيقة مكة التي تعزز القيم الإنسانية النبيلة وتسهم في بناء جسور المحبة بين الأديان والثقافات المختلفة، مشدداً على أننا نتواصل كبشر بعيدا عن الدين والثقافة، وذكر أن أوروبا أصبحت أكثر تعددية فهي مزيج من الأديان والعادات والثقافات مما أسهم في تقوية التسامح والاحترام والتعايش المشترك.

 

وقال دورسو “لدينا شراكة عميقة مع مركز الملك فيصل للبحوث في مجال التسامح الديني والتنوع، وهذه بداية وليست نهاية في مجال التسامح الديني والتنوع الثقافي، فالمركز يبني على إرث الملك الراحل فيصل فيما يخص تعزيز مبادئ التسامح الديني”.

 

ومن جانبه، أشار الباحث مايكل بريفت، مدير الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية، وهو من الأوروبيين الذي أشهروا إسلامهم في بلادهم، إلى الآيات التي أقرت التسامح الديني، التي وردت في سورة المائدة والحج والبقرة، وهي الآيات التي اعترفت بالأديان كافة، وأن الفصل بينهم هو الله.

 

إلا أن تلك التصورات التي قدمها الباحث بريفت والشيخ العيسى تدخل في مجال البديهيات، وأن الجميع يؤكّدها، وخصوصا الآية “لا إكراه في الدين”. غير أن المشكلة الحقيقية التي لم يلفت إليها، في العديد من الندوات، والتي طُرحت من قِبل الحضور في قاعة المؤتمرات، هي أن هذه الآية وغيرها من الآيات التي تحث على التسامح أو التسامحية، حسب تعبير العيسى، منسوخات بآية “السيف”، وهي الآية الخامسة من سورة “التوبة”، وقد سماها المفسرون وفقهاء الناسخ والمنسوخ آية “السيف”، لأن فيها القتل.

 

وشطب الناسخ والمنسوخ، آيات الأسماح، حسب تعبير الشيخ طه، حكما والبقاء عليها نصا، كان لضرورة السلطة الإمبراطورية، فسلطة الخليفة حدود أطرافها الدين، ولذا وجدت آليات الحفاظ على المسلمين من الارتداد الفكري والعقائدي، لأنه بالتالي ارتداد على سلطة الخليفة لا عن الله، فالله لا يهمّه ذلك لأنه “غني عن العالمين” حسب الآية، فجاء الناسخ والمنسوخ لإلغاء العمل بتلك الآيات، بينما الدولة الوطنية حدودها الجغرافية هي التي تحدد كيانها، وليس امتداد العقيدة الدينية، فالدولة الأخيرة لا يمكن أن تكون دينية، وهذا لا ينطبق على الدول التي يقودها الإسلام السياسي، فدولة إيران مثلا حدودها حيث يوجد الشيعة، وأن وجود ميليشيات تابعة لها ليس لتوسيع إيران، وإنما لتوسيع سلطة الولي الفقيه، فهو، حسب الأحزاب الدينية الشيعية، “ولي المسلمين” أي؛ أن ولاية الفقيه لا يُراد لها أن تبقى إيرانية وإنما إسلامية، تمتد حيث تمتد عقيدة المهدي المنتظر، ومعلوم أن الولي الفقيه نائب له.

عاصفة التطرف

 

رشيد الخيُّون: علينا الاعتراف بوجود نصوص عنيفة ودراسة كيفية التعامل معهارشيد الخيُّون: علينا الاعتراف بوجود نصوص عنيفة ودراسة كيفية التعامل معها

 

واتسمت مناقشات ندوة “الفرص والتحديات لتعزيز التسامح الديني”، التي عقدت ضمن الجلسات التي نضمها المركز، بجدية الآراء المطروحة، والنقاشات التي عبّرت عن المعتاد من المجاملات للآراء الدينية الفقهية، وكذلك الردود عليها، والسبب أن الأمر وصل إلى مفترق طُرق بين طريق تكريس التعايش والتسامح، وهذا يحتاج إلى نقد الثقافة الدينية المتراكة، والتي قيدت المجتمع، حتى بما لم يأت به كتاب المسلمين القرآن، وإنما البقاء على عقد ندوات باهتة، متكررة الآراء، تنتهي إلى النسيان عند انفضاض الندوة.

 

ولا يتحول التسامح إلى ثقافة تمارس على أرض الواقع في المجتمع إلا بالنقاش الجاد غير المقيد وغير المحسوب، والذي تصاحبه القوانين التي تصدرها الدولة لحماية المجتمع من ثقافة الكراهية، وهذه مهمة مشتركة بين المثقف والملك أي؛ السلطة، في أيّ دولة تنزع إلى تحصيل هذه الثقافة. هذا إذا أريد الوصول إلى نتائج وتحقيق ما ينزع إليه الشباب، الذين فتحوا أعينهم على ثقافة عالمية، فهم في الرياض يعرفون بدقة ما يجري في أعماق الصين، وبلمح البصر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ويتصاعد حراك التسامح، لمواجهة عاصفة التطرف والعنف التي هبت على المنطقة والعالم لأسباب دينية ومذهبية منذ سنوات، فالإمارات العربية المتحدة اعتبرت العام 2019 عاما للتسامح، ووقعت فيه وثيقة “الإنسانية” بين البابا فرانسيس بابا الفاتيكان وأحمد الطيب إمام الأزهر في أبوظبي، وكذلك بدأت أبوظبي بإنجاز مشروع “العائلة الإبراهيمية”، وهو صرح معماري في ثلاثة أبنية، وكل بناء يختص بديانة من الديانات الثلاث؛ اليهودية والمسيحية والإسلام. وكذلك وقعت في مكة لهذا العام “وثيقة مكة” النابذة للعنف والتطرف، والمؤكدة على التسامح الديني والتعايش. وتعد ندوة مركز الملك فيصل واحدة من تلك المواجهة الفكرية مع التطرف والعنف.

مقالات ذات صله