الشريعة الناعمة تخنق المرأة المسلمة في فرنسا

يعمل الإسلاميون وعلى رأسهم الإخوان المسلمون على عزل الجاليات المغاربية في الغرب بشتى الوسائل. وبما أنهم ينحدرون هم أيضا في غالبيتهم من تلك الأمصار ويدركون مدى حساسية الوافدين من تلك البلدان تجاه المرأة، فقد وجّهوا كل سهامهم نحوها باعتبارها هي الرقم الأساسي في تربية الأولاد. وليس هذا فحسب، بل عملوا على أسلمة حتى الذين ولدوا في الغرب من أجل تقديمهم كمثل مؤسلم أعلى يحتذي به القادمون.

 

استثمر الإخوان في تلك البطريركية المترسّخة في دواخل الرجال الجزائريين والتونسيين والمغاربة والتي ترى المرأة كائنا ضعيفا ينبغي توجيهه وصيانته والسيطرة عليه كي لا يلوث شرف العائلة.

 

وإن كانت تلك القيم زراعية ومتخلّفة، فإن الإخوان يحاولون إعطاءها صبغة دينية إسلامية كي تتحول إلى شريعة ناعمة متجذرة في وعي ولاوعي المسلمين القادمين. وبخبث يركز الإسلاميون جميعا على حق النساء وحريتهن في ارتداء الحجاب والجلباب وكل مشتقاتهما وهم في الحقيقة يدافعون عن حقها في اختيار رضوخها وعبوديتها فقط. إذ في نهاية الأمر، لا يبحثون سوى عن حرمانها من حريتها وإيهام أبيها أو زوجها أو أخيها بأن ذلك من هويته الثقافية الدينية.

 

وينتهجون أسلوبا غير مباشر لإقناع الفتيات بدونيّتهن حتى يأتي خضوعهن تلقائيا كأنه غير مفروض من الغير، ثم يتبجّحون بحرية المسلمة.. ولكن حينما تختار ما يريدون هم فقط.

 

وعلى الرغم من ذلك الاندماج الظاهر والشكلي لأغلبية القادمين من شمال أفريقيا، فإنهم يعتبرون كل امرأة عزباء أو مطلقة أو أرملة ترغب في الانفلات والتحرر من القهر الاجتماعي والثقافي والذكوري امرأة مارقة فاسدة، وعلى الأخ أو الأب أو القريب أو العربي عموما أن يتدخل لإعادتها إلى الحظيرة الثقافية الإسلامية.

 

وقليلات جدا هن اللواتي تحدّين الضغط العائلي وضغط الحي وتحررن. ولكنهن دفعن من أجل انعتاقهن ثمنا باهظا، فقد شوهت سمعتهن في المسجد والحي وهناك من تعرضّن للعنف اللفظي والجسدي وقد عرفت فرنسا بعض جرائم الشرف.

 

لا يطفو التشدد على السطح وقد لا يُرى إذ كثيرات هن غير متحجبات ولا منقبات. ولكن على الرغم من هذا المظهر العصري الشكلي، ففي عمقهن هن خاضعات لتعاليم تلك الشريعة الناعمة التي يتخفى من ورائها سلفيون وإخوان أساسا. يبقى التراكم الثقافي والعرفي والديني مترسبا في أنفس معظم المسلمين المقيمين في فرنسا وربما أقوى من مسلمي البلد الأصلي بسبب رهاب الذوبان التدريجي في المجتمع الفرنسي وفقدان الهوية.

 

وهذا الاضطراب هو ما يستغله الإخوان المسلمون فيحاولون عبر المجال الأسري والجمعوي والاجتماعي إيهام مسلمي الغرب بأن ما يضمن الحفاظ على هويتهم هو المرأة إذا ما التزمت بما تأمر به الشريعة. وهكذا تجد المسلمات أنفسهن ملتزمات رغم أنوفهن فيضطررن إلى ارتداء الحجاب أو النقاب أو البرقع أو الجلباب، أو أن يلبسن كالأخريات مع وضع منديل على الرأس أو قبعة لإخفاء شعرهن، وألا يخرجن ويدخلن كما شئن بل يعدن إلى البيت قبل مغيب الشمس وهذا إن سمحت لهن ظروف الرقابة بالخروج لوحدهن..

 

وينجم عن هذا الالتزام حالة نفسية مضطربة كما يؤدي هذا التشبث الاضطراري بتقاليد متكلسة في مجتمع عصري إلى الانعزال عن مكونات المجتمع الفرنسي الأخرى.

 

وفي كل الأحوال تتعقد العلاقة مع المحيط المغاير كما يحدث مع الأمهات المسلمات المحجبات وعلاقتهن المتوترة مع المدارس التي يدرس بها أبناؤهن والتي لا يقبل المعلمون بها مرافقة المحجبات للتلاميذ في الخرجات البيداغوجية.

 

الشريعة الناعمة هي أن تبقى المرأة المسلمة في فرنسا ومهما كانت مكانتها الاجتماعية والمالية والعلمية تحت نظرة ووصاية المحيط العائلي، محكومة بأعراف من عصور غابرة وتجد نفسها مسجونة في ثقافتها الأصلية فتمنع عن نفسها كل علاقة غرامية مثلا مع مواطنها الفرنسي إن كان غير مسلم ولا ينتمي إلى إثنيّتها. وصاية أخلاقية قامعة تفرض على النساء هذه الشريعة الناعمة تحت يافطة الإسلام المعتدل.

 

ولكن في نهاية الأمر، فهو إسلام معتدل وشريعة ناعمة انتقالية تكتيكية تدخل في إستراتيجية الإخوان المسلمين المسماة بــ”التمكين” في انتظار التطبيق الحرفي للشريعة “الصلبة”.

 

ما يمكن أن يحرر نساء الغرب المسلمات من قبضة الإخوان المسلمين هو الصدى الذي قد يصلهن من الحركات والنضالات النسوية التي تقاوم الظلامية في بلدانهن الأصلية مثل تونس والجزائر والمغرب.

 

حميد زناز

 

كاتب جزائري مقيم في فرنسا

مقالات ذات صله