الأثر الاجتماعي للإسلاميين.. الحجاب وتحويل الانتماء الديني إلى فرجة اجتماعية

 

 

زينب التوجاني

لا يقتصر تأثير التيارات الإسلامية في المجتمعات العربية على الجوانب الدينية والسياسية والأمنية، وهي تأثيرات قائمة وعميقة، لكنها تمتد أيضا إلى الأثر الاجتماعي، وهو الأكثر خطورة والأعسر مواجهة. ذلك أن التيارات الإسلامية توصلت على مدى عقود من العمل الديني والدعوي والسياسي إلى تسريب رملها داخل المجتمعات، إلى درجة تحولت معها بعض الأفكار الإسلامية الحركية إلى ثوابت تقترب من القناعات، تستحيل معها كل محاولة لدحضها أو تكذيبها إلى ما يشبه الكفر أو الخروج عن الإجماع. في هذا الصدد ركز الإسلاميون خطابهم على جملة من القضايا والسلوكيات المتصلة بموقع المرأة في الفضاء العام، من قبيل النقاب والحجاب وغيرهما من التعبيرات، ما أدى إلى تأجيل النقاش حول أهمية حضور المرأة في المجتمع وحوّل الاهتمام من المطالبة بالمساواة إلى الذود عن حق المرأة في نوع حجابها.

 

خلعت صاحبة كتاب “القرآن والنساء.. قراءة للتحرّر” الطبيبة والكاتبة المغربيّة أسماء المرابط “الحجاب”، وكتبت على صفحتها بموقع التّواصل الاجتماعي فيسبوك “التحرّر ليس في اللّباس ولا الشّكل، الكلّ حرّ في ذلك… اتخذت قرار تركه أمام الله بعد تدبر وتأمّل عميقين، وقررت إعلانه لأنّني دائما أتحمل بكل وضوح وشفافية أفعالي من دون نفاق”.

 

وتحدّت الكاتبة النسويّة الإسلاميّة بذلك سلطة المؤسّسات الحارسة للدّين وعلى رأسها الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب التي اضطرتها إلى تقديم استقالتها بسبب موقفها الداعم للمساواة في المواريث بتونس، ودعمها للأصوات المغربية المنادية بالمساواة في المغرب.

 

لقد مرّ أكثر من قرن على دعوات السّفور وخلع النقاب والحجاب وخروج النّساء العربيّات المسلمات إلى الحياة العامة للمشاركة بوجوه سافرة في بناء ما سمّاه رفاعة رافع الطهطاوي منذ أكثر من قرن “الأمّة الجديدة”.

 

ومع ذلك لا يزال قرار سيدة مسلمة بخلع حجابها يثير ردود فعل عنيفة لدى بعض النّخب المحافظة وعند حراس المؤسّسة الفقهية التقليدية. ولا يزال على النّساء المسلمات مواجهة الاتهامات حين يقررن نزع غطاء الرأس. فيُتّهمن بالاعتداء على الحدود الدينية وعلى المقدسات وكأن الحجاب حدّ من الحدود أو ركن من أركان الدين، في حين أن الحدود لا تتعلق بشكل اللباس الذي يجب أن تكون عليه المرأة، وكذلك أركان الدين أبعد ما يكون على تفاصيل ما ترتديه النساء.

إضفاء القداسة

 

حارسات المؤسسة الفقهية حارسات المؤسسة الفقهية

 

فمن أين نبعت هذه القداسة لهذه القطعة من الملبوس التي التصقت بتمثل المسلمة فصارت رمزا لها في الوقت الذي تكون فيه سيدة لا ترتدي قطعة القماش تلك وكأنها في نظر الجميع ينقصها شيء ليكتمل به إسلامها؟ أيحتاج الإيمان بالله حقا إلى علامة تظهره أم إلى قلب خافق عامر بالتقوى والإخلاص والخشية والمحبة والرغبة والرهبة؟

 

نلاحظ أن أسماء المرابط حمّلت نفسها مسؤولية أخلاقية تجاه علاقتها بربها، متحدثة عن مفهوم ديني جوهري في تجربة كل مؤمن، إنه مفهوم “الصدق”.

 

فكل تجربة إيمان حقيقية تستوجب الصدق، وهي أعلنت أنها بينها وبين ربها علاقة صدق، ولذلك هي ليست مضطرة إلى النفاق ووضع ما يظهر ذلك الإيمان للناس، فشعورها الديني لا يخص الناس وعلامة إسلامها لا تعنيهم في شيء، وكل ما يهمّها بالنسبة إليها هو رضا الذات الإلهية عنها وتلك الذات تدرك الغيب وما يخفى في صدور الناس، ولذلك تعوّل أسماء المرابط على ألوهية الرحمن الذي يعلم ما في سرائر العباد من صدق ومن كذب ويحاسبهم على نواياهم وما خفي منها، ويميز بين منافقيهم وصادقيهم.

 

وهكذا حوّلت الكاتبة والطبيبة إسلامها من فرجة اجتماعية للتأكيد على الانتماء إلى “مجموعة المسلمين” حتى ولو كان قائما على النفاق الاجتماعي بلا قناعة حقيقية، إلى تجربة روحية تصلها بخالقها الذي آمنت به بين أضلعها. فلا حاجة لها بالحجاب وهي التي رفعت بينها وبين معبودها كلّ حجاب.

 

 

ويكون السؤال هنا: هل يشترط الإيمان حقا أن نغطي شعر الرأس؟ ألم يُعلِ القرآن نفسه في الآية 26 من سورة الأعراف ما سمّاه “لباس التقوى” جاعلا إيّاه أرقى من كلّ أنواع اللباس؟ وأليس لباس التقوى هو ذلك الصدق الذي أشرنا إليه؟ وهل يٌلزم القرآن النّساء بلباس ما؟ ولماذا ترتبط بالنساء المسلمات محرمات في اللباس فيما لا وجود في القرآن لأي آية تجبرهن على ارتداء ثوب معين وتخبرهن ماذا ينجر عن عدم ارتداء ذلك الثوب. فلا ثواب لمن لبست حجابا ولا عقاب لمن وضعت عنها الحجاب.

 

وحتى آية سورة النور الشهيرة لا تقرّ جزاء لمن التزمت بالأمر الذي فيها، والذي نعلمه من علم أسباب النزول أنّه وُجه لغير المؤمنات اللواتي أتين بعد قرون من الوحي، فإن للآية سياقا لنزولها وجهت فيه الأوامر لمؤمنات بأعينهنّ كن في جوار النبيّ في ذلك السياق الدعوي الذي انقضى بانقضاء الدعوة والوحي والنبوة وبقيت عبرته لا غير، وفي ما بعد ذلك بسنوات عديدة جعله الفقهاء معنى عامّا يشمل النساء جميعا بلا استثناء وصار ذلك عبر حقب زمنية دشنها تأويل عمر ليميز بين الحرائر والإماء وتطوّر إلى أن ألزم المودودي به النّساء.

 

لا يزال على النّساء المسلمات مواجهة الاتهامات حين يقررن نزع غطاء الرأسلا يزال على النّساء المسلمات مواجهة الاتهامات حين يقررن نزع غطاء الرأس

 

ولذلك فإن الاجتهاد في فهم الآيات القرآنية وارد ومفتوح على مصراعيه، ولا يلزم القرآن النّساء بتغطية شعورهن، وإنما ألزمتهن بذلك تقاليد المجتمع وأحكامه ومؤسسة الفقهاء التي وضعت قوانين وفق ما كان سائرا من عادات وتقاليد ومقاصد، وما لاءم أحوال المجتمع الذي وُضعت فيه القوانين العامة المسمّاة بالشريعة الإسلامية.

 

ولو تأملنا تاريخ الحجاب في الإسلام، لوجدنا من تقاليد النّساء العربيات تغطية الشّعور وحتى الوجه اتقاء لرمال صحراء الحجاز وحرارة شمسها وعبث العوامل الطبيعية التي يحتمين منها بأقمشة تخفّف عنهن تأثير المناخ الجافّ المهلك للشّعور وللجلد والمتلف للجمال.

 

فهي إذن تقاليد لها صلة بعوامل الطبيعة لا أكثر، ولا معنى لكل الأدبيّات التي ستجعل من هذا الحجاب واجبا دينيا، لأنّ تلك الأدبيات لم تزدهر إلا في ظروف الصحوة الإسلاميّة التي أتت بريحها تقلبات التاريخ بسقوط الخلافة العثمانية، وصعود أصوات جماعة الإخوان المسلمين في مصر ابتداء من العام 1928، ثم انتشار هذه الأصوات السلفية الدعوية لتهبّ في كامل أرجاء البلاد العربية مستنفرة قوى الخوف والشعور بالهزيمة أمام التقدم الهائل والتنمية العجيبة التي صدمت بلداننا.فإذا بنا أمام مشروعين.

 

أحدهما يحاول أن ينهض بالأفراد ويحررهم ليطلق لهم عنان المبادرة للفعل والعمل، والثاني يحيي نموذج الدعوة التي انقضت شروطها ليوهم أفراد المجتمع بأن الحل هو المجتمع النبوي المثالي المنشود الذي كان فيه للأخوات المسلمات دور في شد عزائم الإخوة المسلمين.

 

وهكذا أمسى الحجاب واجبا وكأن الزمن توقف لنجد أنفسنا بعد 14 قرن مطالبين بإعادة حياة فاتت ومجتمع غير قابل للتكرار، لا لأنه مجتمع النبوة والعلاقة بالسماء فحسب وقد انتهت النبوة بوفاة النبي واكتمال الوحي وتدوين القرآن واختتام النبوات، بل لأن شروطه الموضوعية قد انقضت، فأمام ثورة صناعية وتقدم في المواصلات وفي الأدوات وفي الطباعة وأمام تغير أنماط الإنتاج يجد الدعاة أنفسهم منفصمين ينادون بتكرار مجتمع الأخوة القائمة على الجهاد والانتماء إلى الأمة المحمدية المنشودة التي يختزلها الحجاب الذي تضعه المسلمة لتعبر به عن هذا الانتماء في زمن انفتاح العالم وتداخل الفضاءات وسرعة المعلومة واختزال المسافات حيث صار العالم قرية صغيرة لا شيء يفصل عوالمها القديمة عن بعضها سوى المعتقدات والذاكرة والممارسات البشرية.

عورة المجتمع

 

لقد أمست المسلمة التي جعل لها أبوالأعلى المودودي الحجاب حدا بيتيّا من حدود الشريعة بعد أن لم يكن كذلك من قبل، مسيّجة بقوانين لا من المؤسسة الفقهية فحسب، بل بقوانين من وضع دعاة الصحوة الإسلامية أيضا، وأمست مطالبة بتغطية لا شعرها فقط بل بتغطية عورة مجتمع كامل، يعجز عن توفير الكرامة لكل فرد فيه بسبب تخلف أنماط الإنتاج، وبسبب عدم تأهله لدخول الحداثة من بابها الكبير وبسبب تأخر التنمية وارتفاع الأمية والبطالة والعجز عن منافسة البلدان الصناعية الكبرى. إن كل هذه الهزائم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عورات على الحجاب الذي تضعه المرأة المسلمة لأن تغطيها.

 

فإذا نزعت المرأة حجابا قيل إن الأخلاق قد انهارت، وأن الدين ضاع وأن الشريعة قد فرط فيها أهلها واتهموا مَن حولها مِن الرجال بأنه ديوث وصوبوا نحوها ونحوه أسهم التكفير والتشنيع، وأخرجوهما من الملة والأمة وحمّلوهما عبء الهزائم المتلاحقة والآلام الحضارية.

 

والحقيقة أن عالمة بالقرآن وبالتفسير وبالفقه، وفي الوقت نفسه طبيبة مختصة في مجالها العلمي الدقيق، مطلعة على ما كتب الفقهاء والسلف في آيات القرآن وحاملة لمشعل الفهم والتفكير وملتزمة بإيمانها بهذه الذات الإلهية التي تعلم ما في الصدور، ليست بحاجة إلى آراء علماء المؤسسات الجامدة التي لم تراجع مسلماتها من أكثر من خمسة عشر قرنا.

 

فبأي حق يسمحون لأنفسهم باتهامها بالمروق عن الدين ويحكمون على الضمائر وما خفي؟ وبأي حق يتمسكون بتأويل تاريخي انتهت شروطه منذ قرن من الزمان على الأقل؟ وبأي حق يصادرون حق كل إنسان أن يؤمن وأن يترك إيمانه في قلبه ولا يرائي به ليُقال هذا مؤمن وهذا مسلم؟

 

متى يكف “الفقهاء” عندنا عن التدخل في مشاعرنا الدينية للحكم لها أو عليها والله هو العليم الحكيم؟ متى يرفع “الكهنوت” أياديهم عن ضمائر المؤمنات ومشاعرهنّ الدينية وشعورهن التي خلقَ الله وسواها في أجمل صورة وأبهاها؟

باحثة تونسية في تحليل الخطاب الديني*

 

 

مقالات ذات صله