ليبيا.. بيت القصيد في “ديوان سعيّد”- أمين بن مسعود

 

في ظلّ تعثّر تشكيل الحكومة التونسية الجديدة، وفي سياق المفاوضات بين الكتل البرلمانية التي تحولت من مشاورات إلى “مناورات” جزء منها مكشوف والجزء الآخر متخف وراء عناوين كبرى، فإنّ الأنظار اتجهت تلقائيا إلى “قصر قرطاج” حيث يعكف الرئيس الجديد قيس سعيّد على مُلامسة الحُكم ومُصافحة المطبخ الداخليّ للقرار التونسيّ.

 

ورغم أن النظام السياسي الجديد المنبثق عن دستور 2014، والذي أعطى لرئيس الحكومة اليد الطولى وحصّة الأسد من الصلاحيات التنفيذية والتقريرية مقارنة برئيس الجمهورية، فإنّ منصب الرئاسة لا يزال يحظى لدى كثير من التونسيين برمزية سياسية وميثاقية مناقبية، نجح الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بنسبة كبيرة في استعادة حضوره لدى الرأي العام.

 

ولأنّ لكل دولة “قلبها المؤسساتيّ” حيث يتداخل التاريخ مع الجغرافيا في صناعة الفاعل السياسي، وحيث تمتزج المؤامرات بالخيانات وبالنوايا الحسنة، فإنّ ساكن قصر قرطاج (وإن اختار لنفسه تطوافا بينه وبين الأحياء المتاخمة للعاصمة) يبقى دائما محلّ الأنظار والمُتابعة والمُقارنة أيضا.

 

اختار التونسيون رئيسا خارج الصندوق لمنصب لا يحتمل كثيرا الخروج عن الصندوق بما يحمله من أعراف وتقاليد ودبلوماسية وعقيدة عسكريّة دفاعيّة، وحين أثنى بعضهم على تصوّر جديد للرئاسة وصورة جديدة للرئيس، فإنهم كانوا يدافعون عن “التغيير” وسط الأطر العامّة والعناوين الكبرى أكانت دبلوماسية أم دفاعيّة.

 

لن نُجانب الصواب إن قلنا بأنّ خطاب التنصيب صبّ في ترسيخ هذه المُعادلة، مُعادلة التطوير مع المُحافظة على الثوابت الدبلوماسية والدفاعية، وأنّ سعيّد نجح نسبيا في تجاوز الفخاخ الدستورية والرمزية والإقليمية والدولية التي انتصبت أمامه منذ إعلان فوزه في الانتخابات.

 

والنسبيّة هُنا مردّها، أنّ الرجل قدّم أنصاف إجابات عن أسئلة إشكالية، وأفرد عناوين عامّة لقضايا حساسة وجوهرية، تفرض مسؤولية في الطرح ووضوحا في المُقاربة.

 

فالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي وخاصة قضية اتفاقية “الأليكا” تستوجب مصارحة، والعُمق الأفريقي الذي تأخرت تونس كثيرا عن الانخراط الاقتصادي والاستثماري فيه يفرض إجابات.

 

كما أن العضوية غير الدائمة لتونس في مجلس الأمن في ظلّ ملفات إقليمية ودولية مشتعلة، تفترض تقديرا واضحا لإمكانيات التأثير أو الحياد الإيجابيّ، إضافة إلى أن ترؤس تونس للقمة الفرانكفونية في عيد تأسيسها الخمسين، يحتاج إلى إعادة تثمين لموقع ودور تونس في الفضاء الفرانكفوني.

 

إذن، ودون احتساب القضايا الإقليمية العربيّة والدولية في السياق العربيّ، على غرار سوريا والأزمة القطريّة، فمن الواضح أنّ قضايا وملفات ثقيلة جدا تنتظر الرئيس قيس سعيّد، الذي يبدو أنه رافض لأن يصبح بيدقا في لُعبة المحاور الإقليمية الكبرى، ورافضا في المقابل لمقولات الدبلوماسية الغائبة والمتحفظة والمحايدة جدا، في زمن استراتيجي يلفظ أنصاف الحاضرين أو الحاضرين بالغياب.

 

الأخبار من داخل قصر قرطاج، تؤكّد أن سعيّد يولي اهتماما كبيرا للملف الليبي ويعتبره ملفّا “خارجيا/محليا” منطلقا من حقيقة أنّه لا تنمية ولا أمان في تونس طالما أنّ ليبيا تحرّكها الصراعات وتحرقها الأجندات الإقليمية والدوليّة.

 

وبالتالي فالملف الليبي سيكون قطب الرحى، الذي ستدور حوله غالبية المسائل الدبلوماسيّة، وهو ما يفسّر تنصيبه لثلاث شخصيات دبلوماسية معروفة بتجربتها المعتبرة في السياسة الدولية عامة وفي الملف الليبي خاصة، كمستشارين له في الديوان الرئاسي وهم طارق بالطيب وعبدالرؤوف الطبيب وطارق عكاشة.

 

ويؤكد ذلك استقباله لوزير الخارجية الألماني هايكو ماس في وقت تحضّر فيه برلين لاحتضان مؤتمر دولي حول ليبيا، قبل استضافته لخالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا.

 

ولا يمكن تجاهل الأخبار المتداولة في أروقة وزارة الخارجية بأنّ منجي الحامدي وزير الخارجية الأسبق والوسيط الدولي في الملف الماليّ، الذي يولي اهتماما كبيرا للملف الليبي، مرشح بقوة لشغل منصب متقدّم في الحكومة القادمة. وهي كلها مؤشرات توضّح أنّ كلمة السرّ في العهد الرئاسي الجديد لسعيّد تكمن في “حلحلة الأزمة الليبية”.

 

وبين “التجريد” و”التجريب” حقول ألغام كثيرة، لعل أولها أن ينجح قيس سعيّد في استثمار الإقليم المجاور لليبيا دون استثارة القوى الإقليمية المتكاسرة فيها وعليها.

 

وهُنا تكمن قيمة استثمار قوى الجوار الليبي الجنوبي قبل الشرقيّ، والبناء على اتفاقية الصخيرات ومُبادرة الراحل السبسي لحلّ الأزمة في ليبيا، ولكن مع تطويرها لتشمل تشاد والنيجر، وربما مالي أيضا، حيث تشكل كل هذه الدول الصحراء الممتدة والشريان المفتوح للجماعات الإرهابية المستوطنة للساحل الأفريقي نحو المغرب العربي ومنه إلى أوروبا.

 

وبين “التجريد” و”التجريب” فخاخ عدّة، لعل من بينها مُعاودة الحنين السياسي والاستراتيجي لبعض القوى السياسية، التي عادت إلى خطاب الثورة على حين غرّة، لتجيير البلاد والعباد في لعبة محاور جديدة تنتظرها ساحات مشتعلة وأخرى على صفيح ساخن.

 

وبين “التجريد” و”التجريب” ذئاب إقليمية ودولية، وإكراهات مالية وشراكات غير متكافئة قد تحُول نسبيا دون الانطلاق إلى البدائل الاستراتيجية والنقدية الأخرى، حيث “تكلفة الخضوع” أقلّ والعائدات المالية أوفر.

 

ويبدو من نافل القول، التذكير بأن الراحل السبسي تمكن من أداء دور محترم ومعتبر في الدبلوماسية التونسية، حيث نجح في الأهمّ من حيث الزمن الدبلوماسيّ، والكامن في استرجاع الدبلوماسية التونسية لثقلها ووزنها وحيادها الإيجابيّ.

 

ويفرض ذلك على سعيّد أن ينجز الأهم حاليا والذي يكمن في الرهان على تأمين دور مهم وأساسيّ في سبيل التئام الجرح الليبي الدامي والنازف، لأن نزيفه المستمر يستنزف المنطقة المغاربية برمتها ويضرب في الصميم أية محاولة للتنمية وللاستنهاض.

مقالات ذات صله