الإعلام العربي والاضطراب العقلي-محمد علاونة

خلال 2015 كشفت دراسة أمريكية طريفة أن الإعلام والصحافة من بين أهم المهن التي يختارها المضطربون عقلياً على اعتبار أنهم يتميّزون بعدم الخوف، لا يضعفون تحت الضغط، غير متعاطفين، قاسيون، أنانيون، غير مسؤولين، مندفعون وقلّما يشعرون بالذنب، ويتميّز سلوكهم الاجتماعي بالعدائية، التطفل والإجرام.

اليوم، يعلن رئيس تحرير صحيفة «فايناشال تايمز» ليونيل باربر أنه سيترك منصبه في يناير لنائبته رولا خلف، لتكون أول امرأة تتولى الرئاسة تايمز منذ بدء إصدار الصحيفة قبل 131 عاما لتنضم إلى كاثرين فاينر رئيسة تحرير صحيفة الغارديان لتكون ضمن قلة من النساء يتولين رئاسة تحرير صحف كبرى في بريطانيا.

ليونيل يترك منصبه بعد أن تميزت قيادته بتوجيه المؤسسة الإخبارية إلى المسار الرقمي الذي ساعدها على تحقيق أرباح طائلة، وتجاوزت الصحيفة حد المليون قارئ، وفاقت نسبة المشتركين فيها عبر الإنترنت 75 بالمئة من إجمالي التوزيع، وأصبحت المجموعة منتمية إلى أكبر مؤسسة إعلامية في اليابان بعد أن اشترت أسهمها من دار النشر البريطانية “بيرسون” التي كانت تحتضنها منذ سنة 1957، مقابل 844 مليون جنيه إسترليني.

أما رولا فأشرفت على تخطيط المبادرات داخل غرفة الأخبار وإطلاقها، ومن هذه المبادرات خدمة أطلق عليها اسم «الأسرار التجارية» (تريد سيكرتز) التي تركز على التحاليل المتعلقة بالتجارة العالمية، وسعت خلال السنوات القليلة الماضية إلى زيادة عدد القراء من النساء، وكذلك المحررات في الصحيفة المكونة من 100 مراسل أجنبي.

في عالمنا العربي يعاني الإعلام بشكل عام من شح موارد بسبب آليات عمل ليست على أسس تجارية «بزنس»، وتدن في مستويات التأهيل والتدريب وكبح للمبادرات والابداع ليبقى الإعلاميون في دائرة ضيقة يتحكم بها المسؤولون، غير سقف الحرية والتعبير الذي لم يتعد حدود آمال الحكومات وأصحاب القرار.

اليوم نرى تخبطا في الفضائيات العربية وانحدارا في الصحف الورقية، حتى الإعلام الرقمي بنى قواعده على الابتزاز، وما نراه في فضاء التواصل الاجتماعي من انفلات ليس إلا انعكاسا طبيعيا لتلك الحالة.

للعلم، رولا شغلت منذ انضمامها للصحيفة قبل 20 عاما مناصب عدة، منها رئيس تحرير الشؤون الخارجية ورئيس تحرير شؤون الشرق الأوسط وقيادة تغطية الصحيفة لأخبار الشرق الأوسط خلال حرب العراق والربيع العربي الذي اندلعت شرارته الأولى في 2011، وهي البيئة المتاحة والجاهزة لأي إعلام عربي ليتقدم ويتنافس محليا قبل أن يصل إلى العالمية.

هنيئا لـ»فاينانشال تايمز»، ولا عزاء للإعلام العربي الذي باتت تحكمه صفات الاضطراب الذي ذهبت إليه الدراسة الأمريكية الطريفة!

مقالات ذات صله