تهمة (داعشي) والاحتلال الحشدي..غيّبا المحافظات السنية عن التظاهرات الشعبية!-هارون محمد

بعد تجربة ساحات الاعتصام السلمية، التي شهدتها أجزاء من العاصمة بغداد ومحافظات الانبار وديالى وصلاح الدين ونينوي وكركوك وشمال بابل، منذ نهاية العام 2012 حتى مطلع العام 2014، ووسائل الغدر والتنكيل، التي اتبعها رئيس الحكومة، وقتئذ، نوري المالكي، للاجهاز عليها، بالتواطؤ مع الحزب الاسلامي، دفعت الجمهور السني العربي إلى حالة من الاحباط، زادت من حدتها، الملاحقات الأمنية، والاعتقالات العشوائية، والممارسات الطائفية، مما اضطر الكثير من أبناء تلك المناطق والمحافظات إلى النزوح، ومغادرة ديارهم وبيوتهم، إلى إقليم كردستان وتركيا والأردن، والهجرة الى خارج العراق، الامر الذي أحدث فراغاً سياسياً واجتماعياً فيها، استغله تنظيم داعش، بالتخادم مع حزب الدعوة الحاكم، يومذاك، وتمكن من احتلالها بسهولة غير متوقعة، وسط تخاذل حكومي، وتساهل ايراني، وتجاهل امريكي.

ولم تكتف أجهزة المالكي وفرق الموت التابعة له، بمطاردة الناشطين المدنيين، والمثقفين ورجال الدين، وشيوخ العشائر، والعسكريين المتقاعدين، وشمولهم بالمادة (4 ارهاب)، التي لا تحكمها أطر قانونية، وعدّت كل سني عربي متهماً بها، حتى لو ثبتت براءته، وانما شجعت التنظيم الارهابي، على مد رقعة احتلاله، من دون ان تطلق على مقاتليه طلقة واحدة، لمنعهم من الامتداد والانتشار، والامر نفسه حدث مع حكومة حيدر العبادي، التي في عهدها سقطت الرمادي مركز محافظة الانبار.

وبرغم ان الاعتصامات السلمية، كانت حضارية في مسارها، وحافظت على سلميتها، فلم تقطع طريقاً، ولم تخرب منشأة، ولم تدمر مرفقاً، ولم تقتل جندياً، او موظفاً حكومياً، الا ان المالكي تعامل معها بقسوة مفرطة، وطائفية طاغية، وهو سلوك ينمّ عن تخلف وعنجهية، ويبدو ان هذا النهج المتطرف، هو الذي يتحكم في طبيعة قادة الاحزاب والكتل الشيعية، والدليل ان رئيس الحكومة الحالي عادل عبدالمهدي، يتبع النهج ذاته، ويقلد ممارسات المالكي، في التعاطي مع التظاهرات السلمية الحالية، في بغداد ومحافظات الفرات الاوسط والجنوب، سواء بالمواجهات المسلحة، التي لا مسوّغ لها، أم عبر عمليات القتل العمد، وحملات الاختطاف والاخفاء القسري.

وقد خلفّت سياسات المالكي المستبدة، واجراءات داعش المتشددة، واحتلال فصائل الحشد الشيعي للمحافظات السنية، كماً هائلاً، من القلق والخيبة والانكفاء، في نفوس أبنائها، وهم يواجهون الاضطهاد والتهميش والاقصاء، بعد ان سُدت في وجوهم أبواب الرزق، مع تصاعد عمليات التدقيق الامني ضدهم، ومنعهم من العودة الى بيوتهم، وسلب ممتلكاتهم، الامر الذي أشاع أجواء من الغُربة والشعور بالاهمال، لدى الجمهور السني، الذي وجد نفسه، يُعامل من السلطات الحكومية والاطراف الشيعية، بصفة مُذلة واستخفافية، كمواطنين من الدرجة الثالثة، ومما رفع من مستويات معاناتهم أن نوابهم ومحافظيهم واعضاء حكوماتهم المحلية، تملكهم تردد وخوف، من ردود أفعال الحكومة والاحزاب والمليشيات الشيعية، التي ترفض أي شكل من أشكال العدل واسترداد الحقوق للبيئة السنية، وتعدّ دعوات انصافها، حتى تلك الفردية، التي صدرت من بعض النواب والمحافظين، نوعاً من العبث، قوبلت بسخرية وتهكم.

وقد أثار الهدوء الحذر، الذي تعيشه المحافظات السنية العربية، وهي المعارضة أصلاً، لحكومات الفساد والمحصصات، والمتحفزة دوماً، للانتفاض واشعال الساحات، تساؤلات لدى كثير من المراقبين والمتابعين للشأن العراقي، وخصوصاً في الخارج، عن سر السكون، الذي يلف الانبار وصلاح الدين والموصل وديالى وكركوك، وعدم التحاقها بشقيقاتها الثائرات، محافظات الفرات والجنوب، من دون ان ينتبهوا الى ان المحافظات السنية تعيش أوضاعاً مأساوية، فهي ما زالت تئن من آثار سياسات المالكي، التي دمرتها، ومن بعده العبادي، الذي استمر في اهمالها، وما زالت، ايضاً، تدفع ثمن احتلال تنظيم داعش لها، وتهمة (داعشي) الجاهزة، تلاحق أبناءها، حتى أولئك الذين تصدوا لمسلحي التنظيم، ودفعوا شهداء وضحايا، في المواجهات معه، وأخطر من هذا كله، انها خاضعة لسيطرة مليشيات الحشد، التي أمعنت في ايذاء سكانها، والحاق أضرار جسيمة بهم، تتمثل في مصادرة حقوقهم، وتكميم أفواههم، وسلب حرياتهم، وسرقة مواردهم.

ومن يتابع ما يجري في الموصل على سبيل المثال، يلحظ بوضوح، ان مليشيات الحشد هي صاحبة القرار فيها، حتى وصل الامر بفصيل صغير منها يقوده النائب الشيعي، استرالي الجنسية، أحمد الاسدي، الى فرض معلمة لا خبرات تربوية لديها، مديرة عامة لتربية المحافظة، التي تزخر بالاف الاساتذة والعلماء والخبراء والمتخصصين، برغم ان وزير التربية وكالة قصي السهيل، رفض في كتاب رسمي، تعيينها، المخالف للقانون، ولكن ارادة الاسدي، هي التي مشت وسادت.

وفي محافظة ديالى، التي تتحكم بها مليشيات بدر وعصائب قيس الخزعلي، ما زال ربع مليون نسمة من سكانها النازحين، ممنوعون من العودة اليها، في وقت يعاني سكان المحافظة وغالبيتهم من السنة العرب، أوضاعاً كارثية، بعد ان استولت المليشيات الشيعية، على ممتلكاتهم ومزارعهم وبساتينهم، وحرمتهم من العمل والوظائف، وتصوروا ايضا، على سبيل المثال، ان مليشيات بدر، التي يقودها المحافظ مثنى التميمي، تمتلك جميع محطات الوقود في المحافظة، وتدير منفذ مندلي الحدودي مع ايران، وتشرف على مركز الصفرة التجاري على طريق كركوك ـ بغداد، وايراداته اليومية وحده، وفقاً للجنتي الخدمات والنزاهة البرلمانيتين، اكثر من مليار دينار (مليون دولار)، علماً أنه محظور على السنة العرب العمل في تلك المحطات والمنافذ والمراكز.

أما محافظة صلاح الدين فان حاكمها العسكري العام هو ابو مهدي المهندس، القائد الميداني لقوات الحشد، يديرها ويستحوذ على مبيعات حقولها النفطية، التي تنتج 55 ألف برميل يومياً، وفق تقارير وزارة النفط، التي تلتزم الصمت أزاء هذا النهب المنظم، ويعاون المهندس في سرقاته، النائب عن صلاح الدين ومحافظها السابق، أحمد الجبوري (ابو مازن) ورئيس مجلس المحافظة علي الكريم، وشقيقه النائب السابق شعلان الكريم.

أما محافظة الانبار، فان عشرات الفصائل الشيعية تتواجد فيها، وتحكم سيطرتها عليها، وخصوصاً منافذها الحدودية مع سوريا والاردن والسعودية، التي يشرف عليها، موظفون ومحاسبون وحراس، من خارج المحافظة.

وبرغم الشدة التي يعيش تحت وطأتها سكان المحافظات السنية، وقيود العزلة والاهمال والتهميش، التي تسوّرهم، والملاحقات الطائفية التي تستهدفهم، الا ان صبرهم بدأ ينفد، ولم تعد لهم طاقة على تحمل الظلم المليشياوي، واستمرار الاحتلال الحشدي، وباتوا يتطلعون الى فرجِ آتِ، تلوح مقدماته في الافق القريب، وعندها سيكون التحامهم مصيرياً، مع اخوتهم المتظاهرين، في تجسيد حي، لشعار (اخوان سُــنّة وشيعة.. هذا الوطن ما نبيعه) سياسياً واجتماعياً وميدانياً، وليس كما استغلته الطبقة السياسة الحاكمة، في المرحلة السابقة، للاستهلاك الدعائي والخداع الطائفي.

_____________________________________

مقالات ذات صله