منشقون عن داعش يشككون في وجود من يستحق لقب الخليفة

يُعدُّ ما ينشره هؤلاء المنشقون من أهم ما يمكن الاستدلال به على داعش. فهم الأعلم بداعش، لأنهم منهم. قبل انشقاقهم كان لهم دور في بسط سلطة البغدادي وتدعيم تنظيمه حتى وصل أوج قوته بإعلان “الخلافة”. جلّهم رجال دين وطلاب علم  ممن كانوا ضمن مكتب البحوث الشرعية الخاص بداعش؛ اختلفوا مع قيادة التنظيم بسبب ما اعتبروه غلواً في التكفير والتقتيل وسفك دماء المسلمين.

 

شكلوا داخل التنظيم ما كان يُعرف بتيار البنعلي نسبة إلى تركي البنعلي وكان قاضياً شرعياً عُرف بمخالفته للمغالين في التنظيم. قُتل في غارة على المنطقة الشرقية من سوريا في مايو ٢٠١٧. ويعتقد أنصاره أن البغدادي وحاشيته مسؤولون عن قتله.

 

انشقوا ولما ينضموا إلى أي تنظيم أو يشكلوا تنظيماً خاصاً بهم. يكتفون بنشر الأدبيات التي تفند كل ما هو داعش، ويستخدمون لذلك منصة على التلغرام هي “ناشر المؤسسات” وتضم ثلاث مؤسسات: التراث العلمي، الوفاء الإعلامية، والمعارج.

 

 

البنعلي والخليفة الجديد

 

منذ إعلان داعش عن الخليفة الجديد في ٣١ اكتوبر وحتى منتصف نوفمبر، أصدرت مؤسسة الوفاء الإعلامية والتراث العلمي ثلاثة مقالات علمية هي:

 

“الكماشة في هتك أوهام أدعياء الخلافة”، كتبها مقتفي الأثر (ناصح أمين) في تاريخ ٢ نوفمبر ٢٠١٩

 

“سقوط الخرافة”، كتبها أبو جبير في تاريخ ٣ نوفمبر ٢٠١٩

 

و”سلطان باريشا”، كتبها أبو عيسى المصري في تاريخ ١٤ نوفمبر ٢٠١٩

 

يمكن قراءة المقالات الثلاثة كوحدة واحدة في تناولها لمسألتين هما: شرعية الخلافة وهوية الخليفة.

 

شرعية الخلافة

 

المقال الأول “الكماشة في هتك أوهام أدعياء الخلافة” يصف الخليفة الجديد بـ”الكرتوني المتسردب” أي الذي يعيش مختبئاً في سرداب. ويأخذ عليه أنه “مجهول” وأن “الطاعة مرتبطة بمعرفة الإمام.” لا يشير المقال إلى أكثر من ذلك في هذا الجانب؛ لكنه يستفيض في تفنيد  شرعية الخلافة على أساس غياب “السلطان” و”التمكين” لهذه “الدولة” بعد أن منيت بخسارة الأرض ولجأت قياداتها إلى الاختباء؛ فلا وجوداً حقيقاً وقوياً لهذه الدولة “إلا في هواتفهم وأجهزتهم.”

 

مقتفي الأثر يصف حال التنظيم “الآن” بـ”دولة وهمية” و”تنظيم أجوف ليس فيه من حقيقة الدولة شيئ.” ويقارن بين حال اليوم وحال الأمس، فيقول:

 

“إن الخلافة في العهد الأول كانت مبنية على أسس صحيحة، وركائز متينة توفرت فيها الشروط المادية والمعنوية، وشهد بذلك مشايخ وطلاب علم أعلام من أهل السبق والفضل كانوا هم نواتها، وزد على ذلك توفر القوة والمنعة والشوكة التي كانت من أهم مقوماتها.

 

قال الشيخ تركي بن مبارك البنعلي .. في إثبات صحة الخلافة في العهد الأول ’ولا شك أن الخلافة تحتاج إلى شيئ من القوة والشوكة والتمكين، وهذا حاصل في (الدولة الإسلامية) بشهادة العدو قبل الصديق’.”

 

من هو أبو إبراهيم الهاشمي؟

 

في المقال الثاني، “سقوط الخرافة”، يركز ابن جبير على هوية الخليفة الجديد وصفاته.  ويأخذ على الخليفة الجديد أنه “مجهول اسماً ورسماً” وكيف أن هذا الأمر تنتفي معه شرعية الخليفة.

 

يُذكّر ابن جبير بمبايعتهم أنفسهم البغدادي وكيف برز وقتئذ  “اختلاف بينهم حول ظهوره برسمه ليراه المسلمون فيطمئنون ويبايعونه” وكيف أن تركي البنعلي أشار بخروج البغدادي باسمه ورسمه رغم معارضة آخرين من مستشاري البغدادي خاصة المعروف باسم فرقان، أمير ديوان الإعلام المركزي وقتئذ.

 

واضح في هذا المقال أنهم لا يعرفون هوية الخليفة الجديد، أبي إبراهيم الهاشمي القرشي. بل يستطرد ابن جبير في ذكر الصفات الواجب توفرها في الخليفة وكيف أن هذه الصفات تغيب في القيادات المؤهلة لتولي مهام الخليفة.

 

مثلا، عندما يتحدث عن صفة “العالم”، يعتبر ابن جبير أن أحداً من المقربين من البغدادي لا يمتلك هذه الصفة.، بل إن البغدادي نفسه كان جاهلاً. يقول: “وقد قلتم في تعريفكم لأبي إبراهيم: “العالم العامل العابد”، وهي العبارة ذاتها التي روّجتم بها للبغدادي، ليتضح فيما بعد أن الرجل لا يكاد يحمل من العلم شيئاً … وأما العدناني؛ فكان بنّاءً ثم فتح الله عليه في السجن وحصّل شيئاً من العلم. وأما فرقان؛ فكان طبيب أطفال وهو أجهل من حمار أبيه… ”

 

ثمّ يذكر حجي عبدالله التركماني، قرداش، المرشح الأقوى ليكون أبو إبراهيم الهاشمي. قرداش هو نائب البغدادي وأمير “اللجنة المفوضة” والرجل الثاني في التنظيم. يأتي ذكره عرضياً ضمن هؤلاء القيادات من دون أي تخصيص. وعنه يقول: “وعن ’حجي عبدالله’ -عبدالله قرداش- فحدّث ولا حرج، ولا ننسى أنه صاحب المقولة الشهيرة: ’آني ما يهمني كل هذي المسائل العقدية، آني أهم شي عندي ’الدولة’” وهنا جاء الاقتباس باللهجة العراقية للدلالة على جهل الرجل.

 

ويلفت في هذا المقال عدم التطرق قط إلى مسألة وجوب أن يكون الخليفة عربياً قرشياً.

 

وهو بحث يُستكمل في المقال الثالث.

 

 

 

هو “سلطان باريشا”!

 

كاتب المقال “سلطان باريشا” هو أبو عيسى المصري وكان شرعياً وخطيباً لدى داعش قبل أن ينشق عنهم، وصدر هذا المنشور عن مؤسسة التراث العلمي.

 

صدر هذا المقال بعد ١١ يوماً من صدور المقال السابق، ويبدوأن المعرفة اختمرت لدى هؤلاء المنشقين حول هوية أبي إبراهيم الهاشمي؛ أو على الأقل من قد لا يكون.

 

أولا،  يستدل أبو عيسى المصري على أن هذا الاسم غير موجود. فيقول: “لا يُعرف في جماعة ’الدولة’ أحد من الشرعيين اسمه ’أبو إبراهيم الهاشمي’ فهو مجهول عندنا، وقد كنت في ’الدولة’ قرابة خمس سنين، وبحكم عملي في المجال الدعوي والشرعي أعرف أكثر المشتغلين بالعلم الشرعي قضاءً ودعوةً وبحثاً وتدريساً، ولا يُعرف منهم أحد يقال له ’أبو إبراهيم الهاشمي’”

 

وبنفس الطريقة يستدل على أن أحداً من الصف القيادي الأول أو من “أمراء الحرب” لا يُعرف بهذه الكنية.

 

ثانياً،  ثمة مباشرة في الحديث عن قرداش كمرشح للخليفة. يستبعدون أن يكون هو المعني؛ بل إن في تعيينه مخالفة شرعية. يصفه أبو عيسى ب”المجرم السفاح” ويقول عنه: “فمعروف أن الرجل مبتور الرجل اليمنى، وهذا قادح في أهليته لجماعة أو كتيبة أو سرية جهادية، فضلاً عن أن يكون إماماً للمسلمين، فأهل العلم نصّوا على أن سلامة الحواس والأعضاء شرط من شروط صحة الإمامة، فضلاً طبعاً عن بقية الشرائط.”

 

ثالثاً، عن النسب القرشي، يستدل أبوعيسى على أن هذا ليس شرطاً واجباً وأن الأصل في البيعة هو المشورة والإجماع.

 

رابعاً، السؤال الأهم، من هو أبو إبراهيم الهاشمي القرشي إذاً؟

 

في الخلاصة، يميل أبو عيسى المصري للاعتقاد أنه اسم وهمي، ويقول: “إن كان موجوداً؛ فهذا احتراز لا بد منه لما علمتُ عن هذه القيادات الكاذبة، فقد يسمون لنا رجلاً غير موجود، ويطالبوننا ببيتعه.” وفي موضع آخر يقول: “فالقيادة التي تعلن خلافة من غير تمكين، تستطيع أن تعلن اسماً من غير أمير.”

 

كيف؟ يستدل أبو عيسى في ذلك على ما سمعه من أبي محمد المصري الذي كان عضواً في اللجنة المفوضة، بحسب ما جاء في المقال. ويقول:

 

“كان من المشايخ الذين التقوا البغدادي، فقلت له ما معناه: ’يا شيخ: أخاف أن يُقتل البغدادي في أي لحظة، فينصّب هؤلاء (الحجاج) أميراً منهم، وهم على ما هم عليه من الجهل والظلم، فلا بد أن نجد حلاً لهذا’، فقال الشيخ: ’لا مشكلة عندهم، إذا قُتل البغدادي فسيعلنون سريعاً أي اسم وهمي، وليكن مثلا (أبا حفص القرشي)، ثم يبحثون عن أمير يضعونه على هذا الاسم، كما فعلوا مع البغدادي نفسه.”

 

فماذا فعلوا مع البغدادي؟ يتابع أبو عيسى المصري شهادة أبي محمد ويقول: “ثم حدثني أن البغدادي نفسه حدثه عن طريقة تنصيبه أميراً ل’دولة العراق الإسلامية’، فقال: ’إن قيادة الجماعة اجتمعوا بعد وفاة أبي عمر البغدادي فوضعوا اسماً وهمياً هو (أبو بكر البغدادي) للأمير الجديد الذي لم يُعيّن بعد، وجاءوا بأبي دعاء السامرائي (وهي كنية قديمة استعملها إبراهيم بن عواد البدري المكنى بأبي بكر البغدادي)، فقالوا له: نعينك أميراً حتى نجد قرشياً مناسباً، فقال لهم أبو دعاء، أنا قرشي، فقالوا له: اذهب فأتنا بنسبك، فذهب فجاءهم بنسبه، فقالوا: أنت إذاً أبو بكر البغدادي!”

 

ويختم: “أقول للمجاهدين الذين بايعوا أو هموا ببيعة هذا المجهول: أوكلما ألقي على كرسي جماعة ’الدولة’ جسد بايعتموه؟! … إن لم يسعف قيادة جماعة ’الدولة’ العقل الذي يؤهلهم للتفريق بين التنظيم الجهادي السري والمُلك والخلافة؛ فأين عقولكم أنتم؟! … لا نرضى بإمرة الجهلة المبتعدة الضالين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.”

مقالات ذات صله