سليماني يقود حكومة (الطرف الثالث) وعبدالمهدي شاهد زور !-هارون محمد

نجح الجنرال الايراني قاسم سليماني، قائد فيلق قدس، الذراع الخارجي الضارب، لقوات الحرس الثوري، الذي يقوم بزيارات مكوكية بين العاصمة بغداد، ومدينة النجف، منذ الخامس والعشرين من الشهر الماضي، وفقاً لما ذكرته صحيفة (الاخبار) اللبنانية، وثيقة الصلات بحزب حسن نصرالله، والاوساط الايرانية، في منع عادل عبدالمهدي من تقديم استقالة حكومته، التي أوغلت في دماء العراقيين، لان طهران تعدها حكومة شرعية، جاءت بارادة ايرانية، وتزكية، أكبر كتلتين شيعيتين، التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، ومليشيات بدر، بقيادة هادي العامري، ثم ان ايران ترى في التظاهرات الشعبية، التي عمت بغداد ومحافظات الفرات الاوسط والجنوب، مجرد حركات مشاغِبة، يُنظمها (شيعة) الانكليز، حسب قول خطيب مسجد جامعة طهران، محمد علي موحدي، الذي لم يحترم عمامته، ولا المنبر، الذي يقف عليه، واتهم ملايين العراقيين، المطالبين بالاصلاح، واستعادة حقوقهم المهدورة، وثرواتهم المنهوبة، بأوصاف، لا تصدر عن رجل دين حقيقي، أو من مسلم صاحب أخلاق.

وقد ثبت، من المعطيات السياسية والميدانية، ان ايران راعها ان الشارع العراقي انتزع المبادرة من السلطة الحاكمة، وبات هو المحرك الرئيس للاحداث، وصعقت من هتافات الجماهير، بطرد نفوذها من العراق، بعد ان صار شعار (ايران برة برة.. بغداد تبقى حرة) مطلباً جماعياً، يضاف الى المطاليب العادلة الاخرى، التي نادى بها المنتفضون، منذ اندلاع هبتهم الغاضبة، في الاول من تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، ولمن يعرف ايران ويتابع تدخلها السافر في العراق، يدرك تماماً، انها لا تهضم ان يتصدى لها، شيعي وطني وعروبي، ويطالب بطرد جواسيسها من العراق، الذي تعده ممرها الحيوي، لتشكيل هلالها الطائفي، الذي بات يلفظ أنفاسه الاخيرة، لذلك سارعت الى ارسال جنرالها القوي الى بغداد والنجف، يجتمع ويتصل، يحذر ويهدد، بل انه أمر مقتدى الصدر، بمغادرة مقره النجفي، والتوجه الى طهران، والاقامة فيها، بعد ان لاحظ ان الاخير، بدأ يتناغم مع التظاهرات  ـ تقرباً أو مسايرة ـ وطالب برحيل حكومة عبدالمهدي، برغم ان زعيم الصدريين، عاد مؤخراً الى العراق، بعد ان أمضى في ايران، قرابة شهرين، التقى خلالهما الولي الفقيه الإيراني على خامنئي، وجلس عند قدميه.

وحسب صحيفة (واشنطن بوست) الامريكية، فان عادل عبدالمهدي، قد جهز الاعلان عن استقالة حكومته، في نهاية الشهر الماضي، بعد ان وجد نفسه في مرمى المتظاهرين، الذين وجهوا اتهامات مباشرة اليه، وحملوه مسؤولية قتل المئات من المحتجين سلمياً، وجرح الالاف منهم، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، ولكن الضغوط السياسية، التي امتنعت الصحيفة الامريكية عن كشف مصدرها، برغم ان البصمة الايرانية واضحة عليها، منعته عن التنحي، وهذا يعني ان المبعوث الايراني، لا يريد ان يستقيل عبدالمهدي، رضوخاً للمتظاهرين، وانما يبحث عن صيغة، تحفظ ماء وجهه، فهو يظل ذلك الرجل الذي غيّر قناعاته الفكرية والسياسية، بعثياً وماركسياً، دفاعاً عن (الثورة الاسلامية) وأقام في طهران، وانضم الى المجلس الاعلى، وخدم  المشاريع الايرانية في العراق، عقب الاحتلال الامريكي، عبر المواقع التي تسلمها، وزيراً للمالية والنفط، ونائب رئيس الجمهورية، كما انه اختار ممن يسمون بـ(رجال) ايران المخلصين، مساعدين ومستشارين له، وابرزهم محمد رضا، أو (رزا) كما يلفظ في اللغة الفارسية، والملقب بأبي جهاد الهاشمي، الذي صار مدير مكتبه الخاص، بدرجة وزير، واللواء (الدمج) تحسين عبد مطر، ويلقب بـ(ابو منتظر الحسيني) وعين مستشاراً عسكرياً له، والاثنان ينوبان عن عبدالمهدي، في رسم سياسات البلاد، السياسية والعسكرية، في حين عين زياد التميمي، مفتشاً عاماً لوزارة الدفاع، وهو أحد قادة مليشيات بدر في محافظة ديالى، وتُنسب اليه جرائم وانتهاكات ضد السنة العرب في المقدادية وبهرز والوجيهية ومخيسة والسعدية وجلولاء.

واذا كانت مهمة الجنرال سليماني في بغداد، في منع عادل عبدالمهدي من تقديم استقالته، سهلة ولم تكلفه، وقتاً وجهداً كبيرين، فان مهمته في النجف، ومحاولة اقناع المرجعية الشيعية، بالوقوف على الحياد بين الحكومة والمتظاهرين، قد واجهت مشكلات، بعد ان لاحظت المرجعية، ان زخم التظاهرات الشعبية، قد تصاعد، وان العراقيين، مصرون على المضي في طريق الاصلاح، وتقويض حكومة الفساد والمحاصصات، ولمست ايضاً، ان مواقفها المعلنة على لسان ممثليها، عبدالمهدي كربلائي، واحمد الصافي، لم ترض حتى مقلديها التقليديين، من دافعي (الخُمس) والتبرعات، فاضطرت الى اعلان رأيها، المؤيد للتظاهرات على استحياء، سواء عبر اللقاء مع رئيسة بعثة الامم المتحدة، أم من خلال بيانها الاخير.

ولان قاسم سليماني، بات يستشعر الخطر، من استمرار التظاهرات الشعبية العراقية، وانعكاساتها الايجابية، على الساحة الايرانية المجاورة، التي بدأت تتململ، وظهرت مقدمات الاحتجاج على السلطة الحاكمة فيها، ابتداءً من يوم الجمعة الماضي، الذي شهد مصادمات دموية صاخبة، فاوعز الى عملائه المحليين، الذين يُمسكون، بمقاليد المسؤولية في قيادة الحشد الشعبي، وقوات وزارتي الدفاع والداخلية، وأجهزة مكافحة الشغب، وحفظ النظام ـ كما تسمى حكومياً ـ ان تباشر في صفحة التصدي الثانية للمتظاهرين في بغداد والمحافظات، وهي صفحة خطرة، تتمثل في اختراق التظاهرات، والاطلاع على مكامن قوتها، والتعرف على المنسقين فيها، وضربها بـ(المليان)، عبر تفجير المفخخات قريباً منها، والقنابل الصوتية، التي تبين انها قاتلة، وخطف الناشطين واغتيالهم، كما حصل خلال الايام القليلة الماضية.

ومن اطلع على تصريحات وزير الدفاع نجاح الشمري في العاصمة الفرنسية، التي زارها، الاسبوع الماضي، واعترافه أن قنابل الغازات، التي تستخدمها القوات العسكرية والامنية في مواجهة المتظاهرين، ليست من استيراد حكومته، وتمّنع عن كشف مصدرها، برغم ان الداني والقاصي يعرف انها ايرانية، فان ذلك يُعطي دليلاً على حجم التغلغل الايراني في أجهزة وزارتي الدفاع والداخلية، ومكتب القائد العام للقوات المسلحة، ويعكس مدى نفوذ الجنرال قاسم سليماني، المصّر على البقاء في العراق، وقيادة عمليات الطرف الايراني، او (الثالث)، برغم ان بلاده تشهد اضطرابات واحتجاجات، تستدعي ان يكون هناك، ولكنه فضل البقاء في العراق ميدانياً، والاتصال بايران، واصدار تعليماته الى المسؤولين فيها هاتفياً، حيث تشير الاوساط السياسية والنيابية في بغداد، الى انه ترأس اجتماعاً لقادة الاحزاب والمليشيات الشيعية، عُقد في المقر الرئيس لمليشيا بدر  بالجادرية، مساء السبت الماضي.

لقد أوضحت الاحداث والوقائع السياسية الحالية، التي تشهدها البلاد، ان رئيس حكومة (الطرف الثالث) الجنرال قاسم سليماني، هو الحاكم الفعلي للعراق، وهو المشرف على القوات العسكرية والامنية والاجهزة الاستخبارية، أما عادل عبدالمهدي، فهو مجرد مستخدم عنده، وينفّذ أوامره، والذي لا يصّدق، عليه الاطلاع على بيانه التوصيفي، بشأن خطف اللواء في وزارة الداخلية ياسر عبدالجبار، عميد المعهد العالي للتطوير الامني، وفيه ما يكفي!.

مقالات ذات صله