التفسيرات المنغلقة تبديد لفرص التجديد الديني

 

شاعت دعوات ملحة لتجديد الخطاب الديني في كل من مصر وبلدان عربية أخرى، واستجاب لذلك العديد من المفكرين والباحثين المهتمين بالموضوع. نجد من بين هؤلاء الباحث المصري طلعت رضوان من خلال كتاب “تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع”، والذي طرح فيه جملة من التساؤلات حول فرص تجديد الخطاب الديني في ظل انتشار دعوات ارتكاسية تطرحها تيارات دينية، مبيّنا في الوقت ذاته أهمية الأمر في ترسيخ مقاصد الإسلام السمحة وبناء المجتمع المنفتح والمتسامح.

 

كثر الحديث خلال هذه المرحلة حول تجديد الخطاب الديني. وتعالت أصوات كثيرة تدعو إلى وجوب القيام بمراجعة جذرية وشاملة وعميقة للطرق والأساليب والصيغ والمناهج التي تُعتمد في مجال تبليغ مبادئ الإسلام وأحكامه وتوجيهاته ومقاصد شريعته إلى الناس كافة، وفي نشر رسالته السمحة التي تسعى إلى الخير للإنسانية جمعاء، على نحو يجلي الحقائق ويدحض الأباطيل ويفند الشبهات ويوضح معالم الحق للمسلمين ولكل من يرغب في اكتساب المعرفة الصحيحة على كل ما يتعلق بالإسلام.

 

ولئن كانت الدعوة مطلوبة لذاتها في كل وقت وحين، فإن خصوصيات المرحلة التي يعيشها المسلمون، حيث تتصاعد موجات الكراهية والتطرف والعنف والإرهاب والتكفير تحت دعاوى باطلة تتخذ من الإسلام مرجعية لها، تجعل من مسألة التجديد الديني أمرا متأكدا.

 

ونظرا لحيوية المسألة فقد انخرط العديد من المفكرين من مصر وخارجها في الدعوة إلى التجديد الديني، نجد من بين هؤلاء الباحث طلعت رضوان من خلال كتابه “تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع”، والذي اعتبر أن المؤلفات حول “تجديد الخطاب الديني”، تتجاهل السؤال المركزي التالي: هل ستنجح دعوة التجديد ولو بعد مليون سنة، تحت مقصلة طغيان اللغة الدينية المدعومة بالعقلية الأحادية؟

 

وتضمن الكتاب تفسير عدد من الظواهر الاجتماعية مثل جذور الاحتقان الاجتماعي بسبب العقيدة الدينية، وطرح مؤلفه العديد من التساؤلات المهمة من قبيل، هل يجدي تجديد الخطاب الديني مع آفة الأحادية؟ وكيف يستقيم التجديد مع الدعوة إلى أسلمة مصر؟ وماذا عن الموقف من غير المسلمين؟ هل ينجح التجديد دون علمنة مؤسسات الدولة؟ هل ينجح مع الاحتقان الاجتماعي؟ بل هل يجدي التجديد نفعا دون موضوعية تدريس التاريخ الإسلامي؟ وهل يتحقق التجديد دون الوعي باختلاف المصاحف؟ وهل ينجح مع العداء للتراث الشعبي؟

 

الباحث المصري في كتابه الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر، يرى أنّ الدولة الجادة في تبني مشروع تجديد الخطاب الديني لا مفر لها من الأخذ بمفاهيم العصر الحديث، الذي نبذ ما كانت عليه أنظمة الحكم في العصور القديمةكتاب يرصد الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني في مصر معتبرا أنها انطلقت في أواخر عهد الرئيس السادات على استحياء، ثمّ نشطتْ وبشكل مُكثف في عهد مبارك

 

لم يكتف رضوان بالتساؤل، بل سعى إلى تقديم مقاربات كشف عبرها أهم الآفات التي عانى المسلمون منها وأخّرت مسيرة تقدمهم، من تلك الآفات: مقولة “ثوابت الأمة” التي أدّت إلى الدعوة لعودة الخلافة الإسلامية.

 

ويرى الباحث المصري في كتابه الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر، أنّ الدولة الجادة في تبني مشروع تجديد الخطاب الديني لا مفر لها من الأخذ بمفاهيم العصر الحديث، الذي نبذ ما كانت عليه أنظمة الحكم في العصور القديمة والوسيطة، مستدلا بتجربة أوروبا التي تخلصت بفضل علمائها ومفكريها من سيطرة الكهنوت الديني الكنسي على عقول الشعب. مستعرضا تاريخ تلك المرحلة التي كانت الكنيسة فيها “دولة داخل الدولة”، لكن بعد سيطرة العلم، ونجاح الفكر الليبرالي وانتشاره بين معظم فئات الشعوب الأوروبية، كانت الثورة الحقيقية باستنباط منظومة الدولة المدنية، ومن هنا وُلد الفكر العقلاني وساد، وبذلك تكرست قاعدة أنه لا يجوز أنْ يكون للدولة “دين”، لأنّ الدولة -كما قال فقهاء القوانين والدساتير- شخصية اعتبارية، وليست شخصية طبيعية.

 

وأكد رضوان على أهمية طريق الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية، ومعاملة أبناء الشعب على أساس “عملهم وإخلاصهم لوطنهم”، وليس على أساس معتقداتهم الدينية، وأنّ هذا “الأمل الإنساني” يفرض ضرورة حتمية مفادها وجوب حذف الإشارة إلى الانتماء الديني في دستور الدولة.

 

ورصد الكتاب الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني في مصر معتبرا أنها انطلقت في أواخر عهد الرئيس السادات على استحياء، ثمّ نشطتْ وبشكل مُكثف في عهد مبارك، واستمرّتْ بعد انتفاضة الشعب المصري في يناير2011، ولم تتوقف. وقال “لعلّ المُتابع لدعوة تجديد الخطاب الديني قد لاحظ أنّ من أطلقها مؤسسات الدولة الرسمية، ثمّ تبنتها المؤسسات الدينية؛ الأزهر والهيئات التابعة له ووزارة الأوقاف”، وكان من نتيجة ذلك أنّ عددا كبيرا من المثقفين “من ذوي الاتجاهات اليسارية والليبرالية” تبنوا نفس الدعوة وكتبوا عنها الكثير من المقالات والدراسات. وقد ترافقت هذه الدعوة مع ظهور تيار ثقافي أطلق على نفسه “اليسار الإسلامي” أو “الإسلام التقدمي”.

 

وانتقد رضوان بشدة جماعة الإخوان المسلمين الذين نادوا إثر ثورة يناير 2011 بأسلمة المجتمع، معتبرا أن الدعوة تنطوي على تكفير مبطن للدولة والمجتمع على السواء. حيث يقول الباحث، “إنّ الدعوة إلى أسلمة مصر، لم تكن من اجتهادات الإخوان المسلمين والتيار السلفي فقط، وإنّما شارك في هذه الحملة بعض المحسوبين على الثقافة المصرية”. وهو ما دفع إلى انشقاق الكثيرين عن الجماعة وعن مكتب الإرشاد، وكان من بين المُنشقين بعض الأقطاب البارزين الذين أسّسوا حزب الوسط الذي ظلّ تحت التأسيس، إلى حين نيله الموافقة الرسمية بعد انتفاضة يناير2011، ضمن العدد الكبير من الأحزاب ذات الصبغة الدينية.

 

واستمرّ رضوان في تساؤلاته عن جذور الاحتقان الاجتماعي بسبب اختلاف الديانة في مصر؟ وقال إن إطلالة سريعة على مناهج التعليم وبرامج الإعلام تكفي لتقديم الإجابة. ففي التعليم العام “مادة القراءة” تفرض العديد من الآيات القرآنية وعلى الطلبة المسيحيين حفظها لأداء الامتحان فيها في نهاية العام. وفي مادة “النصوص” يتم فرض العديد من القصائد التي تمجّد الحجاب على التلاميذ سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. وفي “مادة الرسم” يُطلب من التلاميذ (مسلمين ومسيحيين) رسم مكة والمدينة والأزهر. فما ذنب الطلبة المسيحيين في أنْ يُفرض عليهم هذا المنهج البعيد تماما عن الحيادية ومراعاة معتقداتهم؟.

 

وأشار إلى أن الإعلام وخصوصا بعد انتشار الفضائيات، يستضيف الشيوخ الذين يُكفرون المجتمع العصري ويُروّجون مقولة الأصوليين عن المجتمع الجاهلي، لأننا حسب رأيهم نتشبّه بالأوروبيين المسيحيين الكفرة. ويُحرّضون المشاهدين على عدم تحية المسيحيين وعدم تهنئتهم بأعيادهم، وأنّ من يفعل ذلك فهو آثم مصيره نار جهنم.

 

وكانت المشكلة عندما ساير الإعلام الحكومي الإعلام الخاص، عبر الاستعانة بشيوخ التكفير أنفسهم، بل إنه استضاف من خرجوا من السجون بعد يناير 2011 رغم اشتراك بعضهم في جرائم قتل المُختلفين مع أفكارهم سواء بالفعل أو بالفتوى، محوّلا بعضهم إلى أبطال رغم مواقفهم المعادية لأبسط حقوق الإنسان.

 

 

وهكذا يرتكب التوأم؛ “التعليم والإعلام”، جريمة الاحتقان الاجتماعي بسبب اختلاف الديانة، لأنه ظلّ لعدة سنوات يُراكم لظاهرة طغيان اللغة الدينية التي تسارعت معدلاتها بعد يوليو52 خاصة بعد تحويل الأزهر من جامع إلى جامعة وإنشاء محطة إذاعية للقرآن مُمولة من جميع المصريين. بل إنّ الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عندما أراد إعداد دراسة عن إصلاح الجهاز الإداري استدعى خبيرين أمريكيين فأعدا تقريرا بعنوان “الإسلام والحكم” كتبا فيه “إنّ الثقافة الإسلامية من أصلح الأسس للحكم الناجح في العصر الحديث”.

 

ويتابع “ليس ذلك فقط وإنما كأننا إزاء تشييد دولة دينية”، حيث تمّ في نفس الوقت ترسيخ العداء للعلوم الإنسانية وعلى رأسها الفلسفة إذْ يتعلم التلميذ أنه “لا يصح بيع كتب الكفر والتنجيم والفلسفة. وهو ما يرسخ في ذهن التلميذ المساواة بين الشعوذة والفلسفة. لذلك من الطبيعي أنْ تؤدي ظاهرة طغيان اللغة الدينية دورها فينفعل الشباب الذي تربى في هذا المناخ المُعادي لأبسط أشكال إعمال العقل، مُندفعا بتصور في ذهنه أنه يُدافع عن دينه”.

 

وخلص الباحث المصري إلى أن الحل لن يكون إلا إذا امتلك المسؤولون شجاعة مراجعة الذات، هذه المراجعة تحتم عليهم البدء فورا بالنظر إلى جيل الأطفال بدءا من الابتدائي، بحيث يجلس التلميذ المسلم بجوار التلميذ القبطي في حصة “الأخلاق” كبديل لحصة الدين. ويتعلم التلاميذ فيها آيات من القرآن ومن الأناجيل التي تحض على حب الأسرة وقيم العطف والاحترام.

مقالات ذات صله