الجزائر: عين الرضا وعين السُخط-دكتور محيي الدين عميمور

الجزائر: عين الرضا وعين السُخط-دكتور محيي الدين عميمور

خلال عملي في السبعينيات مستشارا إعلاميا للرئيس الجزائري هواري بو مدين كنت أرسل له يوميا نشرتين من عشرين أو ثلاثين صفحة تضم كل الأخبار العاجلة وأهم المقالات الصحفية، وخصوصا تلك التي تهاجمه شخصيا أو تنتقد قراراته، كما كانت تضم دراسات نعدّها على مستوى مديرية الإعلام حول قضايا معينة بجانب رسوم كاريكاتورية أو قصائد شعرية أو صورٍ لها أهميتها.

كان الرئيس قارئا رهيبا، لأنه كان يتابع كل شيئ، وأصبح الوزراء مضطرين إلى طلب الحصول على النشرة الرئاسية، ثم أصبحوا يتابعون أكثر فأكثر أهم ما تنشره الصحف الوطنية والدولية، وانعكس هذا على معظم المسؤولين في درجات أقل ارتفاعا، وهو ما يعني أن الإعلام يساهم في صناعة القيادات الكفؤة واليقظة.

وتعلمتُ كيف أحرص على الدقة فيما أرسله للرئيس، وكان هو يوجهني إلى ذلك برقة تتناقض مع الصورة المتجهمة التي كان الإعلام الدولي يعطيها عنه، خصوصا قبل أن أبدأ عملي إلى جانبه.

كنت أرسل في النشرة مضمون خبرٍ ما وأسجل مصدر الخبر، وكالة أو صحيفة أو إذاعة، وكان هذا محور الدرس الأول الذي تلقيته من الرئيس.

فقد أرسلت يوما خبرا يقول بأن “جنود الكيان الصهيوني قاموا باغتيال عدد من المدنيين باعتبارهم مجموعة فدائية كانت تستعد للقيام بعملية فدائية في الأرض المحتلة”، وكان الخبر مأخوذا عن وكالة أنباء دولية.

ويهاتفني الرئيس ليسألني عن مصدر الخبر، فأقول له إنني تعمدت ذكر المصدر، فيقول: لاحظتُ ذلك، ولكن هل استعملت الوكالة الأجنبية تعبير “الكيان الصهيوني”، وأجبت بالنفي، وعاد للسؤال: وهل قالت إنها “مجموعة فدائية”، وأجبت بأن الوكالة استعملت تعبير “مجموعة إرهابية”.

ويقول الرئيس بهدوء: أريدك أن ترسل لي ما يكتبه الآخرون حرفيا، فهذا هو ما يعطيني الخلفية الحقيقية للأخبار، وليس مضمونها فقط.

دار كل هذا في ذهني وأنا أتابع الحملة الشرسة التي تشنها اتجاهات معينة ضد وزير الداخلية الجزائري، إثر تصريح حادّ غاضب له حول تصرفات الاتحاد الأوربي تجاه الجزائر، وهي حملة انطلقت مع خبر لوكالة الأنباء الفرنسية، رددته قناة “فرانس 24”.

وكنت أشرتُ إلى موقف الاتحاد الأوربي في حديث سابق، وعن نيته عقد جلسة قال إنها لبحث الأوضاع في الجزائر،، وكنت من بين من تيقنوا بأن الهدف هو التشويش على الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي تنطلق يوم 12 ديسمبر، حيث لم يكن تحديد الموعد لجلسة، قيل أنها عاجلة، خلال الأسبوع الذي طلب فيه ذلك بعض النواب الفرنسيين المعروفين بتناقضهم مع التوجهات الوطنية للجزائر، وسواء بالنسبة لقضايا الكنائس “الضرار”، أو الرايات “المستوردة” أو التوجهات المشبوهة، ولكنه حَدّد للجلسة، منذ نحو أسبوعين، اليوم الذي يسبق الانتخابات، وواضح أن الجلسة ستحظى بتغطية إعلامية واسعة هدفها الواضح هو تعكير صفو الأداء الانتخابي، وربما استثارة بعض المهيئين لذلك أو المكلفين به لاستفزاز رجال الأمن، والذين تمكنوا منذ أكثر من عشرة أشهر من التحلي بالانضباط والهدوء وعدم الردّ على وقاحة الاستفزازات بما يلجم كل من يتجاوز حده.

وفي هذا الجو، وعلى هامش جلسة برلمانية، أدلى وزير الداخلية الجزائري، المسؤول الأول عن حفظ الأمن وسلامة المتظاهرين، أدلي بتصريح لم يتجاوز دقائق معدودة، انقضت عليه قناة تلفزة معروفة الاتجاه لتنتزع منه ما يخدم توجهها في التنديد بالسلطات الجزائرية التي رفضت الاستجابة لمطالبات مجموعات معينة بهيئة رئاسية انتقالية، وأصرت على الالتزام بالدستور.

وكانت فرصة لوكالة الأنباء الفرنسية لكي تواصل حملة الإعلام الفرنسي ضد المسؤولين الجزائريين في هذه المرحلة الدقيقة، التي ترددت فيه أنباء عن مواقف لا تخدم شركة “طوطال” الفرنسية، وعن مواقف أخرى ترتبط بتعديلات في مناهج التعليم المدرسي وقضايا أخرى ترتبط باسترجاع الأموال المنهوبة ومحاكمة شخصيات سياسية ومالية، لبعضها توجهات لها طابعها وخلفياتها.

وقالت الوكالة الفرنسية حرفيا، وتبعتها قناة “فرانس 24″، بأن وزير الداخلية الجزائري ” وصف المعارضين للانتخابات الرئاسية الجزائرية بأنهم خونة ومرتزقة ومثليون وبقايا استعمار”.

وقامت القيامة على الوزير منددة بتصريحه، الذي لا شك أنه كان تصريحا حادّا غاضبا لمسؤول يعرف خطورة التحديات الأمنية في المرحلة الحالية، وكان الملحوظ بأن معظم التنديدات جاءت من توجهات معينة ترتبط بنفس الأحزاب المتشنجة ضد الانتخابات الرئاسية، وهو ما كان أمرا طبيعيا، حيث أنه لا غرابة في أن يستفيد أصحاب رأي معين من أخطاء أصحاب الرأي الآخر، ولو ببعض المبالغة المعقولة.

لكن أمرا ما جعلني أتوقف مرة أخرى لمراجعة ما حدث، فقد سألني طبيب أسناني وأنا على كرسي العلاج في عيادته أنتظر أن يُخلصني من ضرس مؤلم: أرأيت ما قاله وزير الداخلية اللعين ضد الشعب الجزائري ؟ وسألته: “هل تابعت التصريح شخصيا” ؟، فقال بلامبالاة أزعجتني: “لا… قالو لي”.

وتفاديت أن أناقشه حتى لا تكون عملية نزع الضرس أكثر إيلاما، ورحت، بمجرد عودتي إلى البيت، أراجع النص الحرفي الذي جاء في “اليو تيوب” عن قناة تلفزة خاصة أو خصوصية، ويمكن لمن يريد أن يجده بسهولة.

قال الوزير (وأنا أكتب هنا النص الحرفي لتصريحه) ” إلى حدّ الآن، بقي الفكر الاستعماري لدى البعض، وهذا الفكر الاستعماري يُستعمل فيه بعض الأولاد من الجزائريين أو أشباه الجزائريين من خونة ومرتزقة ومثليين نعرفهم واحدا واحدا، فهم (الاستعماريون) وقفوا صفا واحدا مع هؤلاء الناس، فهم ليسوا منا ونحن لسنا منهم”. انتهى التصريح.

ولم تكن هناك كلمة واحدة عن “المعارضين للانتخابات ” ولا عن “الحراك الشعبي” ولا حتى عن الذين يصرخون متهمين قائد أركان الجيش بالخيانة والحكومة المؤقتة باللاشرعية، وكان واضحا أن المقصود هو أولئك الذين راحوا يستنجدون بالاتحاد الأوربي ومن يحطمون مكاتب الانتخابات ومن يعتدون على سيدة جزائرية كانت جريمتها أنها كانت تحمل لوحة عليها صورة أحد المترشحين.

ولست أدري لماذا أحسست أن سرّ ثورة البعض هو عبارة “نعرفهم واحدا واحدا”، وكأنهم يخشون أن تعلن مصالح الأمن أسماءً أو تبث صوراً مزعجة، ورأوا أنهم بهذه الشراسة يخلقون عقدة معينة لدى السلطات تجعلها تبتعد عن المرغوب عنه.

وكان المؤسف أن مثقفين من نفس المنطقة راحوا يتهجمون على الوزير وكادوا يطالبون بإعدامه في ساحة عمومية، ومنهم من راح يبرر استعداء الاتحاد الأوربي ضد السلطات الجزائرية من قبل بعض العناصر المرتبطة بتوجهات إيديولوجية معينة بالقول إن “مظالم الاستبداد هي التي تدفع المواطنين إلى البحث عن السند في الخارج”، وكأن تعسف رجل مع قرينته هو تصرف يبرر للحليلة أن تلقي بنفسها في أحضان شباب الحيّ، هذا إذا كانت هناك فعلا مظالم استبداد هي في واقع الأمر جزء من البكائيات المسرحية والمظلوميات المفتعلة.

غير أن ردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي أكدت وعي شبابنا، وذلك بتصديهم السريع للاتهامات الظالمة، وهكذا كتب جمال مصرحي من باتنة يقول:  الوزير لم يخطئ في حق الشعب بل تكلم عن شرذمة معروفة فقط.. المنددون ثلاث فئات هي: الفئة الأولى هي المقصودة لأنها تماما مثلما وصفها الوزير، أما الفئة الثانية فهي تتبع ما قيل ولا تدرك ما تفعل، أي مُبردعة بأتم معنى الكلمة، والفئة الثالثة حاقدة على كل ما هو جزائري تريد استغلال أي شيء لخلق جو من عدم الاستقرار.

ويقول محمد مسعود رافع: الوزير ” تكلم عن الخونة لا اكثر ولا اقل”.

وتترجم سامية ولد ضياف ما كتبه بالفرنسية محمد عجو، وتكتب في الفيس بوك:

“القرار الذي اتخذه البرلمان الأوروبي ضد الجزائر ومحاولة الضغط على الانتخابات القادمة له علاقة وطيدة مع الاتفاقية التي أجرتها الجزائر مع الاتحاد الاروبي فما يخص حرية التبادل التجاري بين الجزائر والاتحاد الأروبي، الذي عقد في عهد بوتفليقة 2005 ، وكان ينص على رفع كل الحواجز الجمركية في مدة لا تتجاوز 12سنة، أي تنتهي في 2017. وتحت ضغط بعض الوطنيين تراجعت السلطة سنة 2014 لمفاوضة جدول زمني جديد مدته 6 سنوات والذي ينتهي في 2020. هذه هي القنبلة الموقوتة التي تركها الرئيس السابق بوتفليقة والتي ستنفجر في وجوهنا في اقل من شهر.. وعند قراءة بنود هاته الاتفاقية نفهم انها تنازل لا مشروط عن البلاد .. وهذا معناه نهاية سيادة الدولة لأن هدف الفرنسيين وبوتفليقة ان يبقى هذا الأخير في الحكم حتى نهاية 2019 وهذا ما جعل بوتفليقة (أو من كانوا يمارسون السلطة باسمه) يطلب من الشعب بمنحه عاما واحدا آخر او حتى نصف عام .. ولكن بفضل رجال مخلصين والحراك الأصلي أجهِض هذا الاحتمال الذي كان سيجعل من الجزائر فريسة يتقاسمها فرنسا والاتحاد الأروبي. وهكذا قامت فرنسا بتصعيد اى موقف وشحن بعض عملائها الذين ركبوا الحراك مصرين على المرحلة الانتقالية بهدف تعطيل انتخاب رئيس شرعي وذلك قبل نهاية التاريخ المحدد لها حتى لا تتمكن السلطة الشرعية من إلغائه. هل فهمتم الآن لماذا نعيش هذا الصراع الحاد بين دعاة للانتخابات قبل 2020 ودعاة المرحلة الانتقالية التي تجعل الجزائر دون رئيس دون ممثل شرعي حتى غاية 2020 . إذن، القضية ليست قضية حرية تعبير عن الرأي أو دينية او ديمقراطية او حرية الصحافة او مدنية وليس عسكرية ولا التعريب ولا دولة إسلامية ولا مصير بورقعة ولكنها باختصار مسالة تطبيق اتفاقية تجعلنا تحت وطأة قدم أوروبا التي ليس لها هدف آخر إلا أن تجعل من وطننا بعدها الإستراتيجي الاقتصادي حتى تتفادى التفكك … إذن فكروا جيدا فما يمليه الواجب الوطني.(وقد أوردت النص كما نًشر).

غير أنني أعترف أن أكثر ما آلمني هو تسرع إعلامية جزائرية متألقة في التنديد بالوزير الجزائري انطلاقا مما سمعته عمّا قاله، حيث لا أظن، من قراءة نص تصريحها، أنها سمعت شخصيا ما قاله الوزير، ولا أريد أن أتصور أنها قالت ما قالته لأنها توجد حيث يُطلب من الجميع الإساءة للمواقف الجزائرية.

ويبقى أن الشاعر صدق وهو يقول:

عين الرضا عن كل عيب كليلة* وعين السخط تبدي المساوئا.

مفكر ووزير اعلام جزائري سابق

مقالات ذات صله