هذه المعابد المصرية خربها المسيحيون الأوائل بسبب جرأتها الجنسية

أميرة حسن

 

منذ آلاف السنين يجتمع هؤلاء الحجاج المصريون متحمسين لأداء فريضة الحج، ويتوجهون إلى مدينة أبيدوس الموجودة في محافظة سوهاج الآن، حيث يوجد معبد سيتي الأول، وهو المكان المخصص للحج في ذاك الوقت وفقًا للديانة المصرية القديمة.

 

يطوفون داخل المعبد بقيادة كاهنهم الذي يدير طقوس الحج مرتديًا جلبابًا أبيض يزينه جلد النمر من الكتف والخصر، وعندما يصل الحجاج لمشهد أزوريس مستلقيًا على ظهره على هيئة مومياء، كما يصور دائمًا على مشاهد المعابد، وعضوه الذكري منتصبًا لأعلى وهو مغمض العينين؛ يتفاءل الحجاج بتلك الصورة والتي تعني لهم الكثير من الخير.

 

بعد هذا المشهد بآلاف السنين، وإذا فكرت في زيارة معبد أبيدوس، أو فيلة، أو دندرة، والتي تتضمن مشاهد مشابهة لما ذكر عن أزوريس، فستجد تلك المشاهد مشوهة ومدمرة على الجدران، وسترى أن جسد أوزوريس كاملًا لا يمسسه ضرر من التدمير، بينما عضوه الذكري محطم في جميع المشاهد الموجودة.

 

«تاريخ الخراب».. القصة شبه الكاملة لعلاقة الدولة والآثار في مصر

 

 

استمرت الديانة المصرية القديمة في الوجود والممارسة ما يقرب من 4 آلاف سنة مما يجعلها الديانة الأطول عمرًا فى التاريخ المعروف، هذه الاستمرارية كان لها مقومات عديدة، أولها وأهمها الوحدة السياسية، وسهولة النقل والمواصلات عن طريق نهر النيل بطول مصر، وكذلك حرص المصريون القدماء على نقل تقاليدهم ومعارفهم الدينية من جيل لآخر.

 

يطرح الكثير من الدارسين الغربيين نظريات مفادها أن الديانة المصرية القديمة لم تكن ذات شكل ثابت يمكن من خلاله القول بوجود نظام ديانة ثابت، وإنما عبادات وطقوس متفرقة في أنحاء البلاد، وآلهة محلية هنا وهناك. لكن واقع الحال أن الديانة المصرية القديمة حملت الكثير من مقومات الثبات والاستمرارية منذ عصور ما قبل الأسرات حتى العصر اليوناني – الروماني آخر فترات مجد الحضارة المصرية القديمة، لكن الفخ الذي وقع ويقع فيه الكثير من الدارسين هو التعامل مع الحضارة المصرية القديمة بمنطق العصور الحديثة، بمعنى أنهم حين يدرسونها لا يدرسونها بروح عصرها وفكر أهلها، وإنما يبحثون عن كتاب مقدس واحد ووحيد، كما يبحثون عن طقوس تعبدية ثابتة لا تتغير، تمامًا كأديانهم التى ينتمون إليها ويعرفونها، وهذا للأسف هو ما يخلق فجوة كبيرة في الفهم والتلقي على حد سواء.

 

قصتنا اليوم عن فترة زمنية فارقة في تاريخ آثار مصر القديمة، وهي القرون الأولى بعد الميلاد، عندما دخلت المسيحية أرض مصر، وتحول المصريون عن ديانتهم القديمة ومجمع آلهتهم المتعددة، إلى الدين الجديد.

 

تمثال للملك اخناتون

 

بحسب الكاتبة البريطانية كاثرين نيكسي، فإننا قد نخطىء فى تحليلنا إن ظننا أن المسيحية – أو أى دين آخر – نشأت كتلة واحدة مصمتة ونهائية، الحقيقة أن هذه الفكرة تحديدًا من الأفكار المثالية، لقد كانت هناك أكثر من مسيحية، وأكثر من فهم لبشارة السيد المسيح وتلامذته، اكتسب كل منها شكله وفهمه بحسب فهم الناس – آنذاك – للرسالة والمغزى، وقد قطعت المسيحية تحديدًا شوطًا طويلًا من عمر الزمن حتى تصل إلينا بشكلها الحالى، فلدينا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كما لدينا الكنيسة الكاثوليكية، والبروتستانتية.

 

في تلك القرون الأولى والبعيدة كان هناك دائمًا الحاجة لإلغاء القديم «المخالف» لصالح الجديد «الصحيح»، وهي عادة قديمة جدًا لم يختص بها المسيحيون الأوائل وحدهم، فقد فعلها من قبل أجدادهم المصريون القدماء – باختلاف طفيف – فيما يخص الملك إخناتون، حتى إنهم محوا اسمه من سجلات الملوك، ولم يكتفوا بذلك، بل لم يسموه على الإطلاق.

 

واكتفوا – المصريون القدماء – بقولهم حين يريدون الإشارة إليه بـ«ذلك الذي في العمارنة»، تمامًا كما يقول المصريون اليوم عن شخص يكرهوه «اللي ما يتسمى»، ومنبع هذه الجملة أن المصريين القدماء قد آمنوا بأن من ليس له اسم ولا وجه، فليست له حياة أبدية، وبالتالي فهم بتدمير وجوه إخناتون على النقوش ومحو اسمه لا يلعنونه فقط، وإنما يحرمونه من الحياة الأبدية كذلك.

 

قد تبدو جملة «التاريخ يعيد نفسه» كليشيهًا قديمًا، إلا أن تلك الجملة حقيقية وبالأخص في حالتنا هذه، فقد قام المسيحيون الأوائل بتدمير المعابد المصرية القديمة، أو نسبة كبيرة منها على الأقل، إما عن طريق الهدم والتكسير والحرق، أو التشويه المتعمد على أقصى تقدير، وتتركز أكثر حالات التشويه سوءًا في معبدي الإله حورس بإدفو، ومعبد الإلهة إيزيس بجزيرة فيلة، ومعبد أبيدوس بسوهاج، ومعبد دندرة أيضًا.

 

انطلق هؤلاء المسيحيون الأوائل لتخريب المعابد التي كانوا يتعبدون فيها يومًا ما، ويقدمون القرابين والأضحيات لآلهتهم المحلية من خلالها، إلا أن اللافت للنظر هنا ليس فقط الصلبان التي حاولوا نحتها، ونحتوا بعضًا منها بالفعل على جدران تلك المعابد وفوق نقوشها المقدسة، وإنما اختيارهم للنقوش التي قاموا بتدميرها.

حين لم يكن للجنس والإيمان أن يجتمعا

 

يُجسد الإله مين، والذي يمكن أن تجد تماثيله تُباع حتى الآن في مصر على هيئة رجل بذراع واحد وعضو ذكري كبير منتصب انتصابًا مبالغًا فيه يليق بإله من وجهة نظر المصريين القدماء، وقصة الإله مين كما ذكرت في كتاب «آلهة مصر القديمة وأساطيرها» للباحث الأمريكي روبرت أرموار، أنه في عصور مصر القديمة خرج جميع الرجال القادرين للحرب على أن يبقى رجل واحد فقط لحراسة المدينة، وتلك الحرب استمرت طويلًا حتى أصبح هذا الرجل المصدر الوحيد للجنس والتكاثر لنساء المدينة المصرية القديمة، ونتج عن هذا ذرية زادت عن 500 طفل، وحينما عاد رجال الجيش ليجدوا حرمة نسائهم قد انتهكت قطعوا ذراع مين.

 

وتلك القصة جعلت من هذا الإله رمزًا للخصوبة والممارسة الجنسية في مصر القديمة، وجسد مين على جدران الكثير من المعابد السابق ذكرها، وكل مشاهده قد دمرت على يد المسيحيين الأوائل، وبالأخص الجزء الخاص بالعضو الذكري، بينما نجت قلة من المشاهد، والتي أخبرتنا الآن بما تم تدميره في المشاهد الأخرى.

 

وكما ذكرنا في البداية كان لأزوريس نصيب أيضًا من هذا التدمير، والإله أزوريس كان له دور مهمًا في تاريخ العقيدة المصرية القديمة، حين كان هذا الإله هو المسؤول عن خصوبة الأرض والنباتات في المعتقدات المصرية القديمة، ففي مجتمع زراعي مثل مجتمع مصر القديمة كان أوزوريس رمزًا لاستمرارية الحياة بشكل او بآخر، ولذلك عادة ما كان يجسد نائمًا وعضوه الذكري منتصب، أو تخرج من جيده أعواد قمح منتصبة، تجسيدًا لما يمثله أوزوريس من انتشار للأخضر والخصوبة في أرض مصر.

 

وعلى عكس الإله مين لم يكن تجسيد أوزوريس منتصبًا له ارتباط بالجنس، ولكن مفهوم الخصوبة لدى المصريين القدماء، كان مفهومًا شاملًا، فهو يجمع خصوبة البشر والأرض في نفس الوقت، ولذلك فإن انتصاب عضو أوزوريس كان يعني زراعة جيدة في هذا العام. وعلى الرغم من عِلم المسيحيين الأوائل لكل تلك المعلومات، والتي كانت في يوم من الأيام جزءًا من ديانتهم وديانة أجدادهم، قد تبدلت؛ لأن الدين المسيحي كما تمثل في وجدانهم لم يحمل نفس القدر من التصالح مع الجنس والرموز الجنسية.

 

شاهد المقبرة الرمزية لأوزوريس في معبد أبيدوس

 

في العام 2010 صرح جوناثان أكيوف الواعظ المسيحي الأمريكي تصريحًا ربما أغضب بعض المسيحيين، وربما أيضًا وجدوا فيه السلوى، وقال الواعظ إن المسيحين يتعلمون من صغرهم أن الجنس والإيمان لا يجتمعان، ومع تكرار المقولة غرسها في سن صغيرة تتحول إلى حقيقة في عقولهم رجالًا ونساء، وقد أشار هذا الواعظ أن المسيحية تؤكد دومًا بداخل المرء أنه لا يستطيع الحصول على المتعة الجنسية ومتعة الإيمان في نفس الوقت، ومن وجهة نظره أن تلك التربية الدينية أبعدت المسيحيين عن النظرة الشمولية للجنس، والذي يعتبر منحة من الله يجب ممارستها بشغف.

 

وختم حديثه لشبكة «سي إن إن» حينها قائلًا: «لقد صدقنا تلك الأقاويل بأن غيرنا يستطيع ممارسة الجنس الجامح والرائع، بينما نحن علينا أن نمارسه بشكل باهت وعادي. ولكن ماذا لو كان هذا خطأ؟ ماذا لو كان الرب الذي ملأنا بالحب والأمل والرحمة يريدنا أن نستمتع بزواجنا لأقصى درجة؟».

الجنس والثورة في مصر القديمة

 

حين ترتبط الرغبة الجنسية بالإحساس بالذنب، خاصة وأن بداية أي دين عادة ما تتطلب الكثير من التشدد في البداية لتثبيت أقدام هذا الدين الجديد وفرض سطوته على كل ما هو حوله؛ فإن المسيحيين الأوائل لم يتفهموا المفهوم الشمولي للجنس لدى المصريين القدماء، وهؤلاء المسيحيون المحدثون الذين قد مارسوا من قبل الجنس بمفاهيم المجتمع المصري القديم، زاد لديهم الشعور بالذنب بأنهم كانوا تحت وطأة هذا الإثم، ولذلك كانت دقة كل مطرقة من يد الفرد منهم وهو يهوي على أي مشهد له شبهة جنسية على المعابد المصرية بمثابة تكفير لذنب قديم.

 

ولكن من جانبهم، المصريون القدماء كانت لهم نظرة مختلفة عن الجنس تمامًا، وأكثر تشعبًا. في عام 2014 كشفت دراسة حديثة أن الملك توت عنخ آمون جرى تحنيطه بأسلوب غير تقليدي؛ فقد وضع عضوه الذكري في وضع انتصاب 90 درجة، ووفقًا للدراسة التي أجريت في ذاك الوقت فقد كان الغرض من هذا التحنيط والانتصاب سياسيًا.

 

ووفقًا لما وضحته الباحثة سليمة إكرام الأستاذة في الجامعة الأمريكية لشبكة «سي إن إن» فالعضو المنتصب بالمومياء يدل على مقاومة دينية في العهود القديمة، والهدف من تحنيط توت عنخ آمون بهذا الشكل كان بهدف المساعدة لوأد ثورية دينية أطلقها والده، وتلك كانت محاولة من الملك الشاب للتقرب من الإله أوزيريس والذي يعد أيضًا إله البعث الذي يحاسب الموتى بحسب المعتقدات المصرية، والقضيب المنتصب يدل على قهوة أوزوريس في ما يتعلق بالتجدد وجرى استخدامه لمقاومة خطط أمنحتب الرابع المعروف أيضًا باسم اخناتون في إرساء ديانة التوحيد، ولكن لم تصل يد المسيحيين الأوائل لمومياء منتصبة حتى يدمروها.

 

ولكنهم أيضًا دمروا وجوه الآلهة والمعبودات تحديدًا، وفي أحيان أخرى أسماءها وألقابها، وهو اختيار يدل على أن إيمانهم الجديد لم يتغلغل بعد إلى قلوبهم، فهم مازالوا يشعرون بقوة روحية وهيمنة نفسية لهذه الآلهة عليهم وعلى وجودهم، ولذا فقد قاموا بتدمير وجوهها وأسمائها حتى يحرموها – وفقًا لاعتقادهم المصري القديم والراسخ في أذهانهم– من الحياة الأبدية ومن الخلود، ولا عقاب أقسى ولا أوقع في مصر القديمة من أن تحرم كائنًا من الحياة الأبدية، فإنك بذلك لم تبدد جسده أو وجوده المادي فقط، وإنما نسفت وجوده الروحي كذلك، وحولته إلى فراغ أو عدم بلا أي معنى أو شكل.

 

بقدر ما كان هؤلاء المسيحيون الجدد مؤمنين متحمسين، كانوا يتخبطون بين هيمنة روحية لديانة ومعتقدات عاشت معهم ومع أبائهم آلاف السنين، وبين بشارة جديدة جاءتهم من الشرق، تحمل معها روحًا جديدًا، ورؤية مغايرة للعالم، لقد سقطوا في حيرة شديدة أجبرتهم على التصرف على هذا النحو العنيف تجاه آثار أجدادهم.

مقالات ذات صله