خصائص كتابة المرأة في ‘الرواية النسوية العربية’

ترسخ مصطلح الكتابة النسوية وفرض وجوده نتيجة لتراكم ما أبدعته المرأة في مجالات الكتابة، وسواء تم التعامل معه بقصره على ما تكتبه المرأة عموما بغض النظر عن مضوع كتابتها، أو بقبول شموله لما يكتب عن المرأة بغض النظر عن جنس الكاتب، فإن المصطلح تأكد وأصبح محورا لمؤتمرات وموضوعا لكتب، ومنها كتاب “الرواية النسوية العربية: المرأة في عالم متغير”، الصادر مؤخرا عن دار كتارا للنشر، وضم عددا من الأبحاث تحاول الوقوف على الخصائص المختلفة  التي تميز كتابة المرأة.

وفي تقديمه للكتاب أوضح محرره الدكتور نجم عبدالله كاظم أن الرواية النسوية جزء من الحركة الأدبية بعامة، يجب ألا يشغلنا عن تطويرها الجدل الدائر حول مدى جواز استلال فرع أدبي جديد من أدب الرواية هو الرواية النسوية، أما الناقد الكويتي فهد الهندال فأوضح في  بحثه عن “الجسد والجنس والمسكوت عنه” أن التلقي النقدي التقليدي للأعمال الأدبية انحاز للرؤية الذكورية، وردت المرأة الساردة على ذلك باثبات تحرر الثقافة من الجسد بل سيطرتها عليه وعلى قضية الجنس وقد دعت المرأة في كتابتها للتحرر من السيطرة الجسدية للرجل، بتشكيل هوية مستقلة للمرأة، ومثل الطابع الجسدي ملمحا رئيسا في معظم الكتابات النسوية علامة على رفضه لذكورية المجتمع.

فالكاتبات أوجدن طرقاً للخروج من دائرة الرجل أو صورته، من خلال اتجاههن إلى تشكيل خطاب أنثوي، لا يمكن تقييده فكرياً ونسبته إلى تراث نظري معترف به أو أن يكون نتاجاً رجالياً، ومن أجل التحرر من سلطة أو حقيقة مذكرة انجذبن لنظرية ما بعد البنيوية عند الرافضة  للجزم بالسلطة والحقيقة المذكرة.

غواية الأنثوي

بدأ الكتاب بدراسة للأكاديمية الأردنية مريم جبر، عنوانها “المرأة العربية والسرد”، فتحدثت عن خصوصية الخطاب في النص السردي النسوي العربي، حيث عنيت هذه الدراسة بالتنقيب عن عوامل التغيير المؤثّرة في قضية المرأة اجتماعياً وإبداعياً، منطلقةً من فرضية وجود خصائص نوعية ثيمية وفنية تميز خطاب المرأة السردي عن غيره مما يكتبه الرجل، مشيرة إلى أن تلك الخصوصية تتسرب إلى خطاب المرأة من غواية الأنثوي، وأن شهرزاد التي درأت موتها بالسرد تدرأ الآن بكتابتها موتا مجازيا يتمثل في تهميشها، وتنبع خصوصية السرد النسوي العربي من خصوصية المضامين، وتسريد الذات، ومواجهة الواقع، وهو ما جعل من الجسد رمز تحرر، ومن الكتابة فعل تحرر، وأوضحت مريم جبر في بحثها أن لجوء الساردات العربيات إلى تشكيل خصوصية في السرد بنقدهن للمحظور والمسكوت عنه، وبلغة استراتيجيات سرية خاصة كشفت عن وعي المرأة بذاتها وبسردها، وبدور حكيها في رد الاعتبار لوجودها الإنساني المهمش، وموقعها في بنية المجتمع وفي الحياة عامة.

 

لجوء الساردات العربيات إلى تشكيل خصوصية في السرد بنقدهن للمحظور والمسكوت عنه، كشف عن وعي المرأة بذاتها وبسردها

 

أكدت الناقدة العراقية نادية هناوي في بحثها “تمثيلات الأنثوية في الرواية النسوية ما بعد الحداثية وتحولاتها النصية وما بعد النصية” أن الرواية النسوية هي الأكثر تماشيًا مع المرحلة ما بعد الحداثية بسبب عوامل عديدة بعضها سياسي واجتماعي ونفسي، وبعضها الآخر فني وذاتي. كما إن التمثيلات هي أرصادٌ فكرية وتعيينات ثقافية، تستبصر المغيب وتستجلي المخفي، وما هدفها إلا الحقيقة التي هي محصلة التمثيل ونتيجته. ويقع التمثيل في منطقة وسطى بين التخييلي والواقعي، وتصبح الكتابة الإبداعية نسوية، إذا استطاعت التمثيل الثقافي للمرأة تعبيرا عن الذات المؤنثة وعلاقتها بالآخر وتحولاتها في خضم المرحلة ما بعد الحداثية. ولا يعد السرد نسويًا، إلا إذا أعادت الكاتبة صياغة صوتها بتمثيلات أدبية، ذات صور ونماذج أنثوية تعكس ثقافة انفتاحية لا تؤمن بالحدود المرسومة، ولا تتحدد بالمعايير التي تحدها أو تقمعها؛ وتعبر عن وجهة نظر تتبنى رؤية نسوية للعالم، وقامت الدكتورة نادية هناوي بتطبيق هذا المفهوم على عدد من السرديات النسوية منها رواية “تلامس” للنا عبدالرحمن، وفيها تقع بطلتها الساردة (ندى) فريسة لإعاقتين الأولى نفسية تتمثل في الكوابيس التي تداهم حياتها وتجعلها تتوهم أشياءَ تسبب لها الحيرة والكآبة، والإعاقة الأخرى واقعية ناتجة من تفكك أسري وهلع مجتمعي، ناجم عن تناقضات الحياة الضاجة بالحروب والانفجارات والبطالة، فتتغلب على كل ذلك بالشغف، كوسيلة بها تقلب ما يعيقها إلى ضده متمكنة من ملامسة الحقيقة. وهذا الشغف الذي يتلبسها في علاقتها بمحمدو الشاب الافريقي هو الذي يسهم بشكل كبير في تغيير نظرتها لواقعها، وقد تجاوزت الكآبة والخوف والعزلة والأوهام إلى الانفتاح، وهكذا لم تعد تشعر بأنها بلا أهداف.

الحرب والإرهاب

ويتناول الأكاديمي اليمني عصام واصل في بحثه “الرواية النسوية العربية.. سلطة المركز وتمرّد الهامش” الإرهاصات الأولى للحركات النسوية، ثم توقف عند النصوص الروائية التي أنتجتها المرأة، ساعيّة إلى مقاومة الفعل الذكوري، وتفكيك الأنساق المهيمنة، بتقويض المركزية  الذكورية لصالح هامش مقصي ومغيّب تقع فيه دائرة كتابة المرأة. فكرّست المرأة كتاباتها لأن تفكّك هذه المركزية، عبر تحديها لهذه الذكورية من جهة، وتحديها وإثبات أنثويتها كند مساو للرجل في كلّ ما يكتب من جهة أخرى.

ويختتم الكتاب بدراسة للدكتورة العراقية بشرى البستاني عن “الحرب والعنف والإرهاب في الرواية العربية النسوية”، وفيها تشير إلى أثر دخول مصطلح “نسوي” إِلَى السَّاحة النَّقدية العربية فيما أنتجت المُبدعات من أنواع أدبية وأجناس فنية، بالرَّغم من المعارضة الَّتِي لا تزال قائمة ضده من جهات عدة، واستعرضت مجموعة من الروايات النسوية التي تناولت هذه القضية، لتؤكّد أنّ الرواية النسوية ليست بمعزل عن الواقع، بل ربما تكون أكثر إحساساً في عرض الخلفيات الإنسانية لمآسي العنف والإرهاب.  منها رواية “المحبوبات” لعالية ممدوح، وهي رواية حداثية من حيث انفراط الحبكة وتكسير الزمن، واستيهام التاريخ وحوار الحضارات والموروث الشعبي ووقائع السياسة والحروب والمنافي، وقد جعلت الكاتبة من شخصياتها النسائية نماذج للوعي فِي اتجاهات عدة، فإقبال النِّساء على أنواع العلوم إقرار بقدرتهن على التواصل العلمي والمعرفي وتأكيد أن هذا الميدان ليس حكرا  علىالرجال، والكاتبة لا تخص رؤيتها السردية بالدفاع عن قضية المرأة منفصلة عن المجتمع، بل هي تدافع عن قضية الإِنْسَان عموما، عن حريته وكرامته وحقه فِي العيش بسلام، فقضية الإِنْسَان لا يمكن تجزئتها بموضوعية، لكنهم جزؤوها بالمصالح والذرائع الَّتِي يحرص عليها الطغاة والمحتكرون. (وكالة الصحافة العربية)

مقالات ذات صله