حين منح “خليفة المسلمين” شرق ليبيا لـ”اليهود”

محمد طعيمة

رفض ملك روما “المسيحية” رجاء تيودور هرتزل بمنح اليهود أحد أقاليم ليبيا “المسلمة” وطنا “صهيونيا”.. احتياطيا أو بديلا، ورحب به “الخليفة العثماني”. استحضارنا للتوصيفات الدينية هو “فقط” للتذكير بخطاب حصان طروادة “الإسلامي” للعثمانيين القدامى والجدد.

 

إضافة إلى فلسطين، ناقش المسار الصهيوني اقتراحات عديدة لـ”الوطن القومي لليهود”، من الأرجنتين وكندا إلى اليابان وإحدى دول البلطيق مرورا بسيناء وكينيا وأوغندا.. وليبيا.

 

سيناريو ليبيا طرحه القنصل العام البريطاني في تونس، السير هاري جوهانستن، الرحالة ورئيس الجمعية الجغرافية الملكية، عقب تجواله في ليبيا سنة 1898، وإلمامه بجغرافيتها، وعرضه على دعاة الصهيونية.

 

قبلها، التقى تيودور هرتزل أعيان يهود ليبيا، لأول مرة، في القسطنطينية سنة 1892، لحثّهم على مشاركته دعوته، واظب على مراسلاتهم، ودعاهم لمؤتمرات حركته بفيينّا بين 1900 و1904. في العام الأخير، وقبيل وفاته في 3 يوليو، تقدم هرتزل إلى فيكتور الثالث ملك إيطاليا، طالبا توطين يهود في طرابلس الغرب وتأسيس حكم ذاتي لهم تحت إشراف بلاطه. كان يعلم أطماعه في ليبيا فحاول توظيفها، لكن الملك رفض.

 

في تاريخ الحركة اليهودية تفرعان؛ الأول يتمسك بواحدية “الوطن القومي/فلسطين”، والثاني يقبل ببديل مؤقت أو نهائي، مثلته “منظمة الأراضي اليهودية” في لندن بقيادة إسرائيل زانجويل. بعد عامين جددت مقترح هرتزل مُعدلة الوجهة إلى من تتوقع دعمه، الخليفة العثماني عبدالحميد الثاني، راعي أسس بناء إسرائيل. رحب، لكنه حول الأرض المقترحة من طرابلس الغرب إلى برقة في شرق ليبيا. مبرر التحويل الأول إبعاد المشروع عما اعتبرته الأستانة مستعمرة لها وخزينها العرقي (راجع مقالنا “العثماني يحن لآخر مستعمراته” العرب، 11 ديسمبر 2019). والثاني، ربما، محاصرة مصر بكيان آخر صهيوني مواز.. شرقا وغربا، والثالث.. مزيد من الرضا الصهيوني عنه بعد دوره في فلسطين. ولاقت الخطة تشجيع بريطانيا.

 

كان غريبا من البداية عدم توجه أبناء الصهيونية لبرقة، التي تصفها أدبياتهم المتوارثة بـ”الوطن الثاني” بعد فلسطين. تاريخ اليهود في ليبيا جذره عهد البطالسة، تمركزوا خلاله في “قورينا” شحات الآن، كمنفى لهم قبل 71 م، كما مدونات المؤرخ فلافيوس جوزيف، التي نشرها الباحث اليهودي الليبي الأصل، موريس روماني، في كتابه “يهود ليبيا: من التعايش إلى الرحيل” عام 1978. غير أنهم تمردوا على الإمبراطورية الرومانية سنة 115 م، وقتلوا ما بين 20-25  ألفا من سكان الإقليم وأعلنوا قورينا مملكة لهم دامت 3 سنوات حتى كسرتهم روما وطردتهم منها، فتوجه من نجا منهم إلى سرت، وفق المؤرخ ديو كاسيوس أبرونيانوس (163-229 م) في موسوعته “تاريخ روما”، وبسرت خلفوا “تل اليهودية”.

 

مع القرن الـ15 فر بعضهم من إسبانيا إلى طرابلس، وتحت رعاية الأستانة استقر المزيد منهم في طرابلس ومصراتة وبنغازي.

 

حدد آخر إحصاء عثماني، 3 يوليو 1911، عددهم بـ6910 يهود، جلهم في طرابلس 6460، ومصراتة 150، والبقية موزعون على مناطق الإيالة. ارتفع عددهم بعد الاحتلال الإيطالي عام 1917، إلى 19282، غالبيتهم في الغرب، وقفزوا في بني غازي، عاصمة برقة، من العشرات إلى 3020. وبلغوا 36 ألفا عام 1948 في كامل ليبيا حسب مؤسسة التحالف الإسرائيلي، وتراجع عددهم تدريجيا ليتراوح عام 1964 بين 6500 و7000. وحين عاد إلى طرابلس يهودي ليبي مهاجر، ديفيد جربي/كيربي، أول أكتوبر 2011، والذي غادرها بعد يونيو 1967، قالت رويترز إن عدد الجالية الليبية “الآن” في إسرائيل 180 ألفا.

 

في كتابه “المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا” مارس 1975، يورد المؤرخ الليبي الأبرز مصطفى عبدالله بعيّو تفاصيل “الكتاب الأزرق” الصادر 1909، الذي وثقت فيه المنظمة اليهودية تحركاتها تحت رعاية عبدالحميد.

 

“بعبو” آخر وزير تعليم بالعهد الملكي، وأحيت كلية آداب مصراتة في 10 مارس 2018 الذكرى الثلاثين لوفاته، له تسعة مؤلفات عن تاريخ ليبيا منذ القدم حتى العصر الحديث. يذكر في كتابه عرضا عثمانيا سابقا لتوطين اليهود في سرت، دون تفاصيل.. سوى اعتباره أنها “بادرة عثمانية خطيرة لحل مشكلة اليهود العالمية على حساب جزء مهم من ليبيا، فسرت حلقة وصل بين أقاليمها، فضلا عن إمكاناتها الرعوية”. يركز بعبو على مشروع برقة الذي ذكاه السلطان، فبعد تجديد المنظمة اليهودية عرض هرتزل، تلقى الوالي رجب باشا تعليمات بتسهيل تنفيذه. رجب، أصلا، كان مرحبا، وفق إشادة البعثة اليهودية برئاسة ناحوم سلاوش، أستاذ الأدب العبري في السوربون، وخبير شؤون يهود شمال أفريقيا، الذي وصل برقة في 6 يوليو 1906.

 

الخليفة العثماني عبدالحميد الثاني، راعي أسس بناء إسرائيلالخليفة العثماني عبدالحميد الثاني، راعي أسس بناء إسرائيل

 

يقول ناحوم “كان ودودا جدا”، نصحه بالحذر و”ارتداء الطربوش التركي، وأن يظهر كأستاذ تربية يهودية لتفادي لفت أنظار الإيطاليين والأهالي”، وتركيز أبحاثه على المناطق الساحلية، خاصة “مسلاتة” التي رآها “الأفضل للاستعمار اليهودي والأوروبي”! قضى ناحوم في برقة عامَين، انتهى بعدهما إلى تقرير إيجابي، دعم الفكرة.

 

التقرير شجع المنظمة على إرسال بعثة أوسع ضمت خبراء أوروبيين يهودا في تخصصات متنوعة؛ الزراعة والهندسة والموارد الطبيعية والاجتماع وطبيبا.. إلخ، إضافة إلى ناحوم. وصلت البعثة طرابلس 5 يوليو 1908. استقبلها رجب باشا وزودها بحراس أتراك، وبخطابات إلى القادة العسكريين للمناطق لمدها بمعلومات عن موارد المياه والزراعة. عادت البعثة إلى لندن أغسطس ذات العام، حذر خبراء فيها من ندرة المياه الجوفية في الإقليم، وانتشار السلاح في محيطه، لكن زانجويل حبذ إكمال المشروع في مقدمة الكتاب الأزرق الذي أصدرته البعثة، ومبرراته “قرب برقة من أوروبا” حيث أغلبية اليهود وقتها.. “غير مقدّسة لدى المسلمين والمسيحيين ولن يتنازع اليهود فيها”.. “قلة عدد سكان ليبيا.. مليونا، عكس فلسطين المكتظة بالعرب، ومساحتها الشاسعة تمكنان من استيعاب الملايين من اليهود، وأجيالهم التالية”.. “مما يساعد على غلبة النفوذ اليهودي وضمان تفوقه بطريقة سهلة نسبيا عبر تشجيع هجرة اليهود إلى ليبيا بثبات ومثابرة”.. وإن “إنشاء الوطن في فلسطين أمامه سنوات طويلة، بينما اليهود يقتلون في روسيا ورومانيا”.

 

كان زانجويل يتأهب لإرسال طلب التوطين الرسمي لعبدالحميد، بالتنسيق مع سكرتيره الأول تحسين باشا، لكن السلطان خُلع أبريل 1909، وفر تحسين للمنفى، وتجمد المشروع. وحين احتلت إيطاليا ليبيا عام 1911، فقدت المنظمة اليهودية الأمل فيه.

 

غير أن الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت سيكشف بعد 34 عاما أنه ظل مطروحا حتى مؤتمر “يالطا”، من 4 إلى 11 فبراير 1945، حيث طالب به رئيس وزراء بريطانيا، ونستون تشرشل. بعد ثلاثة أيام روى روزفلت، على ظهر المدمرة كوينسي، ضمن محاولته إقناع الملك عبدالعزيز بن سعود بـ”التعاطف” مع “الحلم القومي لليهود في فلسطين”، أن “المستر تشرشل طلب، في يالطا، إعطاء اليهود ليس فلسطين فقط، وإنما ليبيا أيضا”. توافق ليس غريبا بين خالقي المشروع الصهيوني في لندن، ورعاته.. في الأستانة.

مقالات ذات صله