داعش.. بين أوهام التمدد وواقع الهزيمة

حمل عام 2019 تناقضات حادة لتنظيم داعش، فما بين الانتصار والانكسار تأرجح أعضاء التنظيم وتلاحقت الهزائم على التنظيم الإرهابي، وتمت تصفية العديد من جيوبه في العراق وسوريا وليبيا وسيناء.

 

اختتم عام الإخفاقات بمقتل زعيم التنظيم أبوبكر البغدادي، وذلك في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول المنقضي، ويمكننا القول إن مقتل البغدادي كان أبرز هزائم داعش هذا العام.

 

البغدادي لم يكن مجرد زعيم لتنظيم سري، بل هو الشخصية الأكثر تأثيراً في تاريخ التنظيم منذ نشأته، وهو رمز الدولة التي أعلن عنها في 2014، وتعد وفاته هزيمة للمشروع ككل وهي أشد قسوة من فقدان عاصمة دولته الموصل.

 

وعلى الرغم من وطأة الهزيمة التي مني بها التنظيم، فإنه حقق بعضاً من الانتصارات والتمدد في الأطراف، فقد تمت مبايعة داعش من قبل بعض الجماعات الإرهابية في سيريلانكا وإندونيسيا والفلبين، ووسط أفريقيا وغربها، وقامت كذلك بعمليات إرهابية ناجحة رفعت من الروح المعنوية لعناصر داعش في مختلف البلاد.

 

هذا وقد تركت المراوحة ما بين الهزيمة والتمدد آثارها على بنية الهيكل التنظيمي وعلى منتجها الثقافي والفكري وعلى مصادر تمويلها في الوقت نفسه، على النحو التالي..

تداعيات مقتل البغدادي

 

شهد مطلع عام 2019 كماً من العمليات الإرهابية الناجحة التي استعاد بها التنظيم وجوده، ورفع بها الروح المعنوية لأتباعه.

 

في العراق وفي يناير/كانون الثاني قام انتحاري بتفجير نفسه على مقربة من مطعم كان عدد منَ العسكريين الأمريكيين بداخله، مما كبدهم خسائر مادية وبشرية، وفي سيناء قام فرع التنظيم بمهاجمة كمين (جودة 3) بالقرب من العريش، مما أدى إلى استشهاد عدد من الجنود والضباط المصريين.

 

وفي أفريقيا، تمكن التنظيم من القيام بالعديد من الهجمات العسكرية المسلحة، فطبقاً لتقرير صادر عن المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية، فإن 13 دولة أفريقية شهدت هجمات إرهابية في عام 2019، فضلاً عما أعلنته وكالة “أعماق” الناقلة لأخبار داعش بتبني التنظيم لأول هجوم له في الكونغو الديمقراطية على معسكر للجيش بالمنطقة الحدودية مع أوغندا، أودى بحياة 3 جنود.

 

كما بثت فيديو لمجموعة من العناصر تحمل السلاح، وتطالب المؤيدين للتنظيم بأفريقيا بأن ينضموا إلى “دولتهم الجديدة بوسط أفريقيا”، المسماة بـ”مدينة التوحيد والموحدين”، على حد زعمها.

 

وانتشر هذا الإصدار على مواقع تابعة لـ”داعش”، تحدث فيه شخص باللغة العربية، داعياً مؤيدي التنظيم للهجرة إلى أرض الكونغو الديمقراطية لـ”الجهاد”.

 

 

ما لبث أن حمل ربيع 2019 هزيمة حقيقية لـ”داعش”،  فبعد سلسلة من الهجمات على مواقع تمركز وتموضع التنظيم الإرهابي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 23 مارس/آذار الماضي،  هزيمة داعش في سوريا وانتهاء الدولة الداعشية إلى الأبد، وتحرير 7،7 مليون عراقي وسوري كانوا يرزحون تحت نير التنظيم الإرهابي، مع الاعتراف بأن فلول تنظيم داعش الإرهابي متحصنون في آخر جيب لهم في بلدة الباغوز شرقي سوريا.

 

رغم ذلك تمكنت داعش من تحقيق بعض من الانتصار في الأطراف، إذ قام 9 انتحاريين ينتمون لداعش بينهم امرأة بتفجيرات بسريلانكا في 21 أبريل/نيسان الماضي، مما أسفر عن سقوط 359 قتيلاً بينهم 39 أجنبياً، ثم يظهر زعيم داعش أبوبكر البغدادي في إصدار مرئي أعلن فيه هزيمته في الباغوز بسوريا، ويدعو أتباعه للتوافد إلى أفريقيا استعداداً للمرحلة التالية للتنظيم.

 

اللافت أن البغدادي امتدح تفجيرات سيريلانكا كانتقام لخسائر التنظيم الأخيرة في سوريا ثم توالت الهزائم.

 

في 26 أكتوبر/تشرين الأول المنقضي، قامت القوات الأمريكية بشن غارة شمال غربي سوريا، أسفرت عن مقتل أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم داعش، الذي كان أعلن نفسه خليفة لعموم المسلمين في الأرض، وجاء إعلان مقتله على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 27 أكتوبر/تشرين الأول، ببيان غير اعتيادي من البيت الأبيض.

 

جاء مقتل البغدادي بهذه الطريقة ليضع نهاية لمشروع إقامة دولة للإرهابيين.

 

على الصعيد الفكري حرص تنظيم داعش على التدثر بالفتاوى الشرعية لكل أفعاله، مع ربط ملفق بين سيرة الصحابة الكرام وما يقوم به من قتل وإفساد في المجتمع.

 

وشهدت الأعوام السابقة آلاف الفتاوى الصادرة من التنظيم، غير أن الوضع تغير في عام 2019، فحسب المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تم رصد انخفاض الفتاوى الداعشية بنسبة كبيرة، بعدما رصد ما تجاوز 3000 فتوى، وأن الفتاوى مثلت 92% من مضمون الخطاب الإرهابي، 51% منها فتاوى “جهادية”، في إطار تتبعه للنشاط الإفتائي للتنظيمات الإرهابية خلال عام 2019.

 

جاءت فتاوى تنظيم القاعدة بنسبة 50%، وهي النسبة الكبرى بالنسبة لمختلف التنظيمات الإرهابية، فيما لم تمثل نسبة فتاوى تنظيم داعش سوى 25% نتيجة هزيمته في الباغوز، شهر مارس/آذار الماضي، ثم مقتل زعيمه أبوبكر البغدادي في أكتوبر/تشرين الأول المنقضي.

 

المؤشر أكد أن فتوى التنظيمات الفاعلة في سوريا ووسط وجنوب أفريقيا لم تأتِ بنفس الزخم لتركيز هذه التنظيمات على الفعل الإرهابي أكثر من الإفتاء.

 

وخلص المؤشر إلى أن الفتوى كانت أداة طيعة لدى هذه التنظيمات لخدمة أهدافها وحشد وتحريك أتباعها، كما كانت عاكسة لحالة التنظيم الإرهابي وما يمر به من هزيمة وتراجع أو استقرار وتمدد.

تراجع القدرة التنظيمية

 

فقد داعش سيطرته على أجزاء شاسعة كانت تحت سيطرته عسكرياً وتنظيمياً وجغرافياً في العراق وسوريا وليبيا، ولم تعد تمارس سيادتها كـ”دولة” أو “ولاية” على أتباعها، بل تحولت إلى ممارسة أعمالها كجماعة إرهابية مسلحة، كل ما يمكنها هو القيام بعملية هجوم هنا أو هناك.

 

في المقابل تمكن التنظيم من التمدد في أماكن أخرى مثل شمال أفغانستان؛ حيث يتركز التنظيم ويسيطر على بعض المناطق الجغرافية، وقد أثر هذا على الهيكل التنظيمي، حيث عاد التنظيم للعمل عبر وجود خلايا عنقودية سرية ناشطة سواء على الساحة العراقية أو السورية أو في سيناء المصرية، مع عودة التركيز على عمل “الذئاب المنفردة”، هذا مع استمرار وجود مجموعات إرهابية تابعة لتنظيم داعش في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا.

 

فقد التنظيم الكثير من القادة الميدانيين خلال الفترة السابق، مما أصاب بنيان التنظيم بكثير من الخلل لم يتمكن التنظيم من تعويضه، بدأ بمقتل تركي البنعلي أو “أبوهمام الأثري”  الذي قتل جراء غارة أمريكية على مدينة الرقة غرب سوريا في 28 مايو/أيار عام 2017، و”أبوعلي الأنباري” أو “أبوعلاء العفري” وهو نائب أبوبكر البغدادي.

 

وكذلك قتل المتحدث الرسمي باسم تنظيم داعش أبوالحسن المهاجر، في عملية مشتركة بين القوات الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية في مدينة جرابلس شمال سوريا، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

هزيمة إعلامية ثقيلة

 

مني تنظيم داعش بهزيمة إعلامية ثقيلة، رغم قدراته في نشر الإصدارات المرئية التي يسيطر بها على اتجاهات الرأي العام، فعندما أعلن خبر مقتل زعيم التنظيم لم تتمكن الأجهزة الإعلامية التابعة لداعش من تأكيد الخبر أو نفيه، مما أدى إلى حالة من التخبط والارتباك ظهرت بشكل جلي عبر قنوات التنظيم على شبكة الإنترنت، التي اكتفت بتوجيه عناصرها وأتباعها إلى ضرورة عدم الاستسلام لـ”الشائعات”، مما ترك أثراً سلبياً على مقاتلي وأنصار داعش في أفرعهم المختلفة، ما يسمى “بالولايات” المختلفة.

 

كان لخبر مقتل “أبوالحسن المهاجر”، المتحدث الرسمي لتنظيم داعش، الذي تولى منصب المتحدث الرسمي باسم وزارة إعلام التنظيم الإرهابي في “مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي” و”وكالة أنباء أعماق”، “مع 4 من مساعديه، سبب كبير لتوقف قنوات داعش الإعلامية.

 

ظهر ارتباك واضح وتخبط لدى التنظيم في إدارة منظومته الإعلامية، وهو ما تجلى في غياب عنصر التنسيق والسيطرة على طبيعة ونوعية الأفلام والإصدارات التي تنشرها الحسابات والمنصات المرتبطة بداعش، فضلاً عن تراجع أعداد الخبراء الإعلاميين لديها والخناق المشدد على الحسابات والمنصات الإلكترونية التي تروج للمحتوى المتطرف.

 

كما فقد داعش جزءاً كبيراً من تمويله عبر فقدانه المدن التي بها كميات من البترول، وبالتالي توقف ضخ الأموال، ومن المتوقع أن يتحول تمويل تنظيم داعش من نظام تمويل “مركزي” في العراق وسوريا إلى نظام موزع بشكل كبير عقب مقتل أبوبكر البغدادي.

 

وأخيراً، يمكننا القول إن تنظيم داعش مني بهزائم متتالية في 2019، قضت على قدراته العسكرية بشكل كبير، وإن لم تنتهِ جيوبه المسلحة في سوريا والعراق تماماً.

 

كذلك فإن أفرع التنظيم أو ما يسمى بـ”الولايات” شهدت نشاطاً ملحوظاً في العام نفسه، مع تمدد في أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

 

ومن المتوقع أن يحمل 2020 بعضاً من العمليات الإرهابية تتيح للتنظيم المهزوم بالوجود عبر شن عمليات إرهابية، وإعادة التمركز بالقرب من الصين، ومن المحتمل أن تكون وجهته القادمة أفغانستان.

مقالات ذات صله